ياسر العظمة مثقفًا مستقيلًا

ياسر العظمة مثقفًا مستقيلًا

ياسر العظمة (يوتيوب)

بعد صمت فني طويل امتد على سبع سنوات متتالية، عاد بطل مسلسل "مرايا" ياسر العظمة إلى جمهوره العريض من باب الشعر، بعد أن أمضى وقتًا طويلًا وهو يتواصل معه عبر اللوحات الدرامية الناقدة.

كيف لفنان لا يكفّ عن الاجتهاد في إدانه عسف السلطة على المسرح، أن يفشل في إدانة عنفها الماحق على الناس في الواقع المعاش؟

عاد ياسر العظيمة في قناعة راسخة لديه على ما يبدو بأن الأسباب الموجبة لهذا الصمت قد ولت، في أقلها اتضاح هوية الطرف المنتصر في الحرب التي سينحاز إليها الرجل، كما انحسار حد العنف كمدخل للعودة الضحك، فإن لم يكن فعلى الأقل مشاركته بهجاء خرابات العالم والنفس البشرية الشرير المتهم الوحيد وراء هذا العنف المسعور.

اقرأ/ي أيضًا: زهير رمضان.. ظل شاحب لسلطة متعالية

أعادت هجرة العظمة للصمت، أو بلغة أخرى عودته إلى الكلام، النقاش القديم الجديد حول العلاقة بين الفنان ومنتجه الفني. فهل الفنان مجرد خالق فني أو جمالي، لا صلة تربطه بآثار أو محتوى ذلك الفن الذي يقدمه، كأن تكون جميع الأعمال النقدية التي يطاول بها عنف السلطة وانتهاكاتها لحرية وكرامة الناس الذين يتوجه بفنه إليهم ، مجرد أعمال لا تحمل في داخلها سوى إظهار المفارقة ومن ثم توليد الضحك؟ أم أن المسافة بين الفنان ومنتجه جدًا حميمة، على النحو الذي لا يمكن لنا الفصل بين صدقه الفني على المسرح أو الشاشة وصدقه الأخلاقي في الواقع؟ كيف لفنان لا يكف عن الاجتهاد في إدانة عسف السلطة ولامعقوليتها على المسرح، أن يفشل في إدانة عنفها الماحق على الناس في الواقع المعاش؟

يندرج عمل الفنان ياسر العظمة ضمن إطار عمل المثقف، الذي يحرص أشد الحرص على نقل أثر منتجه الفني من دائرة  الجمالي والمتعوي إلى دائرة الاجتماعي، سواء لقناعته الداخلية المتأتية بالظهور بمظهر البطل الشعبي الذي لا يتوانى عن فضح الشرّ ومن ثم التحريض على مقاومته. أو لرغبته العميقة بأن يكون مثقف السلطة الأسدية، الذي لا يتحرج أبدًا من العمل ضمن شروطها الخاصة القائمة على رفع مقام الرئاسة إلى مستوى القداسة، الذي لا يمكن أن يصيبه العطب أو الفساد، فكل فساد هو خارج تلك الذات المتعالية، التي لا تحمل في داخلها سوى الخير المطلق. الشخصيات الحكومية الفاسدة في كوميديا العظمة هي شخصيات ذات عطب أخلاقي جيني، لا علاقة للسلطة الأسدية وطبيعتها الاستبدادية في خلق فسادها الأخلاقي كما تعميمه.

على الصعيد الشعبي يبدو ياسر العظمة في عيون الناس مثال المثقف المشاكس الشجاع، الذي يمتلك الكثير من حنكة وفطنة البطل الشعبي القادر على السخرية من الحكومة ورجالاتها في عقر دارهم. ألا نرى جرأته في التعريض بفساد الموظفين الحكوميين من فئة أبي الوفاء، وصولًا إلى فئة أبي العلا، كما لوكان يعرفهم فردًا فرادًا. كما استثماره في الكثير من اللوحات، التي تعرض برجال المخابرات وفرعهم الافتراضي 999؟ ألم يتحدث الرجل مرارًا وتكرارًا عما يجول في أنفسنا، في الوقت الذي فيه الخوف يبتلع ألستنا عند كل حين وفي كل موقف؟ ألا نحبه وقد تجلى لنا أكثر من مرة بصورة الرجل المارد في مصباح علاء الدين السحري، كيف لا وهو يتنقل في اللوحة الواحدة بين الدور ونقيضه كما لو أراد أن يقنعنا أن الحياة مجرد لعب وإن الذل البشري محطة زائل؟

يبدو ياسر العظمة في عيون الناس مثال المثقف المشاكس الشجاع، الذي يمتلك الكثير من حنكة وفطنة البطل الشعبي القادر على السخرية من الحكومة ورجالاتها في عقر دارهم

في البحث عن ياسر العظمة، نجده في فئة المثقفين المستقيلين، الذي كشف برهان غليون في كتابه "عطب الذات" عن العديد من سماتهم المشتركة. حيث توجد الأنانية والفردية والتنافس والخصومة نجدهم. إنهم يتكلمون في السياسة وشروطها، فيما هم أبعد الناس عن روحها. فكيف لمن يفتقد لروح المسؤولية الجماعية المصاحب لكل انخراط في الشأن العام أن يكون سياسيًا، فالسياسة توليف وتقريب بين المختلفين على عكس من التشاحن والتنابذ والإقصاء المتأصل في نفوسهم، كما إنها توفير للموارد العامة وتدبير لإدارتها على عكس التنافس والتزاحم على تبديدها ونهبها. إنهم يتحدثون عن المجتمع العادي فيما هم يحتقرونه، مدافعين أشداء عن ضرورة التمرد على قيمه البالية، فيما هم يصمتون صمت القبور عن سياسة الأحكام العرفية، التي تفرضها دولة الاستبداد الشرقي بنسختها الأسدية. يتحدثون عن الحرية، ويمتدحون فضائلها فيما هم أشد الناس حماسًا لسلب حرية المختلفين معهم عقائديًا.

اقرأ/ي أيضًا:  عباس النوري متصالحًا مع أكاذيب غيره

إن صمت ياسر العظمة عن سياسة الإبادة الجماعية التي اتبعها نظام المقابر الجماعية، لم يكن مرده الخوف من بطش النظام وعسفه، أو المغامرة بخسارة بعض الامتيازات التي راكمها في ظله، وإنما لضعف ثقته في الناس، في قدرتهم على أن يكونوا أندادًا لحكامهم، أن يديروا شؤونهم حياتهم اليومية بلا وصايا من رجل أمن جاهل أو مخبر حقير.

في سيرته الدرامية طالما تكلم العظمة إلى أناس خائفين، بقصد تحريضهم للخروج على خوفهم، ولما خرجوا خاف من صرخة حريتهم. لقد خاف الرجل من عودتهم إلى مقابل الدولة، فهل كان حقًا يصدق أن دولة المافيا التي طالما سخر منها دولة ترعى حرمة لإنسان أو آدامي؟ لقد خاف من عودة الناس إلى الطائفية، فهل كان حقًا يصدق أكاذيب القائد الخالد عن هندسة المجتمع الاشتراكي الذي يفخخه بالمزارع العائلية والأجهزة العقائدية؟ لقد خاف من عودة الناس إلى ما قابل الضحك، فهل كان حقًا يصدق أن تفاهة المسؤولين الحكوميين في مراياه الفانتازية كانت تمتعنا أو تسلينا في الوقت الذي كانت تهدر فيه كرامتنا؟

في عودته الجديدة من باب الشعر العمودي، يبدو العظمة أقرب للمثقف الفقهي أو الحالم، الذي يعتقد بقدرته على التبشير ببعض  الرؤى الخلاصية. لذا نراه يتوسل الشعر سبيلًا إلى ذلك، متجاهلًا أن الشعر العمودي لم يكن يومًا مهمومًا بالرؤى والتنبؤات بقدر ما كان مهمومًا بتسجيل الواقع، حفظه من الزوال، تحيين العابر والغارب في حياتنا المتدفقة كنهر.

في برنامجه الجديد، يدعي العظمة تقديم الرؤى فيما شعره عالق  في مخاتلة الواقع. ففيما نراه يصر على اجتراع أزمنة ذهبية لدمشق الأسدية، نراه يتغافل عمدًا عن عذابات أهل غوطتها، حيث  كيماوي الأسد ذات ليلة صيف من آب 2013، يحيل أجساد أطفالها إلى جثث هامدة. يحدثنا عن الأعمال التافهة والمشينة لترامب البغيض بحق الكرة الأرضية، وينسى الأعمال السوداء لبشار الأسد بحق سورية.

يأتي صمت ياسر العظمة عن سياسة الإبادة الجماعية التي اتبعها نظام المقابر الجماعية من ضعف ثقته في الناس في أن يكونوا أندادًا لحكامهم

اقرأ/ي أيضًا: في برنامج "في أمل".. دريد لحام خائن لضميره

فيما مضى كان العظمة أكثر جمالًا، كان يمثل وكنا نصدقه. كان يتظاهر بأنه يطل علينا من نافذة التلفزيون، فيما كان يصحبنا بخفة دم  إلى المسرح (الحوارات الطويلة، التركيز الدائم على تعابير الوجه، لقطة النهاية التي يخاطب بها الجمهور). كان يلعب علينا دور البطل الشعبي، و كنا نصدقه نصير شعبًا متمردًا، يصدق أن للكلمة الحق في وجه السلطان الجائر قوة السيف، وأن الطغاة يخافون من حرية مضطهديهم. يأتي اليوم العظمة ولا نعرفه، لقد ابتعلته مرايا الناس المجبولين بالتعب والدموع والخسارات الكبيرة. لقد اكتشف الناس الفرق بين العظمة الذي يشبههم، العظمة الساخر من الجلادين والطغاة والخوف، وبين العظمة الذي لا ينتمي إليهم، الذي يعتلي المسرح ليهرج عليهم، أن يجعل من آلامهم مادة للتنفيس بدلًا من أن يجعل منها مادة للثورة. لقد هجر العظمة الصمت، جاء إلى الكلام وفي ذهنه البحث عن أناس افتراضيين يتسلى معهم، يخرج من عزلته الموحشة ليدخل في عزلتهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سوزان نجم الدين.. في احتقار السوريين