01-سبتمبر-2016

اللوحة التي رسمها تشارلس ويلسون بييل، وهي في متحف الفن بفيلادلفيا

هنا ترجمة لمقال للكاتبة رامين فيلوتي، الذي نشر في "aramcoworld".


لا تَعدو القطعة المُسجلة بعنوان 3324 شمال غرب شارع دنت بليس كونها مساحة ضيقة من الأرض وسط عدد من الشوارع الراقية في حي جورجتاون في العاصمة واشنطن. فقد باتت اليوم أرضًا جرداء تعتصرها المنازل المبنية من الخشب والطابوق التي تشتهر بها المنطقة. وقد استضاف هذا الشارع فيمن استضاف الزوجين جاكي وجيف كينيدي، اللذين سكنا في الجهة المقابلة من الشارع في بداية زواجهما، كما سكنه أيضًا دونالن رامزفيلد لمدة قصيرة، وكذلك السوبرانو النيوزيلاندية ديمي كيري تي كاناوا.

كان ماموت استثنائيًا بين معاصريه -من الأحرار والعبيد– بدليل أن له صورة مرسومة بريشة الفنان شارلز ويلسون بييل

وفي يومنا هذا، يتخذ جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي من هذا الحي سكنًا له في منزل على بعد مبانٍ قليلة من هنا. وفي القرن الثامن عشر، سكن المحامي فرانسيس سكوت كي، مؤلف القصيدة التي أصبحت النشيد الوطني الأمريكي على بعد أقل من كيلومتر واحد، بالقرب من ضفاف نهر البوتوماك.

اقرأ/ أيضًا: الوجه وأنطولوجيا الغيرية عند إيمانويل ليفيناس

على أهمية من ذكرنا، ربما يكون أحد أول من سكن شارع دنت بليس -وهو الرجل الذي اشترى منزله عندما لم يكن هناك سوى منزلين- أحق هؤلاء بالذكر؛ يارو ماموت، المسلم الأفريقي الذي كابد 44 عامًا من العبودية لدى عائلة بييل في ولايتي ميريلاند وفيرجينيا، وحصل على حريته في عام 1769 واشترى منزلًا في جورجتاون عام 1800. 

كان يارو ماموت الذي ينتمي إلى الشعب الفولاني في شمال أفريقيا مسلمًا ملتزمًا، ويتحدث اللغة الفولانية ويتحدث ويكتب العربية وعلى معرفة بأساسيات الإنجليزية. لكن العجيب في قصة ماموت هو ما فعله بعد أن أصبح حرًا؛ فلم يكتفِ بشراء الأرض في جورجتاون فحسب، بل استثمر في بنك كولومبيا وأصبح ممولًا للتجار البيض والسود المحليين أيضًا. كان ماموت استثنائيًا بين معاصريه -من الأحرار والعبيد- بدليل أن له صورة مرسومة بريشة الفنان الشهير شارلز ويلسون بييل تعود لعام 1819، وكان هذا الأخير قد رسم جورج واشنطن، وبنجامين فرانكلين، وأليكساندر هاميلتون وآخرين ممن سطع نجمهم إبان حرب الاستقلال الأمريكية والسنوات الأولى للجمهورية. وتفتح لنا هذه الصورة بعنوان (صورة يارو ماموت) نافذة نتعرف من خلالها على هذا الرجل. 

عندما مات يارو ماموت عام 1823، كان شارلز بييل هو من كتب نعيه أيضًا، ليخلّد بذلك أهم أثرٍ لحياة هذا الرجل، فقد كتب: "لقد دفن يارو في حديقة منزله، في نفس الموضع الذي كان يصلي فيه".

عندما مات يارو ماموت عام 1823، كان شارلز بييل هو من كتب نعيه أيضًا، ليخلّد بذلك أهم أثرٍ لحياة هذا الرجل

دفعت هذه المعلومة مكتب علم الآثار في العاصمة واشنطن عام 2015 لإجراء عمليات حفر في الأرض للتنقيب عن أثرٍ لحياة يارو ماموت. وقد وجد الفريق آلاف الأشياء، من ضمنها قصبتي غليونين من السيراميك، وزبديات غير مكتملة تخضع الآن للتحليل للتعرف على ما إذا كانت تعود للقرن التاسع عشر.

اقرأ/ أيضًا: هل كتب نجيب محفوظ قصة العالم؟

وبغض النظر عن هذه الأدوات، فإن أسطورة ماموت بصفته علمًا من أعلام جورجتاون باتت ذكرى عابرة بين السكان المحليين، أما تفاصيل حياته الفريدة -بما فيها نعي شارلس ويلسون بييل له- فقد أكل عليها الدهر وشرب. 

يقول ديك سالفيلد، الذي يجاور منزله قطعة الأرض التي امتلكها ماموت، والذي من المحتمل أن أرضه كانت أيضًا ضمن ممتلكات ماموت: "كنا نعلم أن منزل يارو في مكان ما في هذه المنطقة، لكن المنزل الذي كان مؤخرًا على الأرض يعود لزمن ليس ببعيد، وبالتأكيد أنه لم يكن ليارو. لقد عانى ذلك المنزل من أضرار جسيمة، ثم إنه تحطم بعد أن وقعت عليه شجرة عام 2013".

كان من المقرر بعد إزالة ركام المنزل أن يقوم بناءٌ آخر على الأرض، لولا تدخل المؤرخ والمحامي جيمس أتس جونسون الذي أثارت فضوله صورة لماموت رسمها الفنان المحلي جيمس آليكساندر سمبسن عام 1822 -والذي أصبح أستاذًا للفن في جامعة جورجتاون- لتعلق هذه الصورة في "غرفة بيبودي" في مكتبة جورجتاون العامة. 

أتذكر أنني دهشت لرؤية صورة رجل أسود فقير في مكتبة جورجتاون، فجورجتاون معروفة بأنها مكان للأغنياء والبيض. قضى جونسون بعد ذلك ثمانية أعوام في البحث عن قصة ماموت، ليتوج هذه الجهود بكتابه "من سفينة العبيد إلى هارفارد: يارو ماموت وتاريخ عائلة أمريكية من أصول أفريقية" الذي نشرته دار جامعة فوردهام. يتتبع هذا الكتاب حياة أحفاد ماموت، وقد تخرج أحدهم من جامعة هارفرد عام 1927 ويدعى روبرت ترنر فورد. 

أثارت قصة تحول ماموت من عبد مملوك إلى مالك للأرض ورائد أعمال فضول جونستونز

أثارت قصة تحول ماموت من عبد مملوك إلى مالك للأرض ورائد أعمال فضول جونستونز، فقد كان هذا النجاح صعب المنال حتى على طبقة البيض العاملة في ذلك الوقت. فكيف صار ذلك لماموت؟ يبدو أن سر نجاحه يكمن في إيمانه وتصميمه.

اقرأ/ أيضًا: الخيّر شوّار.. يبدع "خارج مجال التغطية"

يقول جونستونز: "أعجب ما في قصته هو أنه لم يحصل على حريته إلا في عامه الستين، وكان بحوزته مباشرة بعد ذلك مالًا للاستثمار، إلا أنه خسره. ثم بدأ مرة أخرى وكسب 100 دولارٍ أخرى ليخسرها مرة أخرى! وكانت خسارته في كلتا المرتين بسبب سوء إدارة الرجلين اللذين استأمنهما على ماله. بدأ يارو بعد ذلك مرة أخرى في محاولة لكسب المال، إلا أنه كان قد تعلم الدرس، وأصبح لديه خبرة في الشركات وقد وضع ماله في البنك حتى يأمن عليه، وبدأ بعدها بإقراض التجار البيض، مع أن هذا الأمر كان فيه مخاطرة، إلا أنه بات عارفًا بالنظام ولديه من الشجاعة ما يؤهله للتعامل فيه". 

من نافلة القول أن فهم مداخل ومخارج مثل هذا النظام ليس بالأمر الهين، ومن الصعب على رجل مملوك أن يتعلم هذا الأمر بسهولة. لكن في حالة ماموت، من المحتمل أن يكون ذكاؤه الشخصي، إلى جانب تعليمه القرآني الذي تلقاه في صباه في غينيا ضمن العوامل التي جهزته لتلقي العلم في حياته. وبالمختصر، فقد كان الرجل قادرًا في العِلم على تمييز الفرات من الأجاج. نتعرف في كتاب جونستونز أيضًا على التقاليد التي يتبعها الشعب الفولاني في تسمية الأطفال، والتي تجري بالتشاور مع إمامٍ ما، على أن يارو كان الطفل الرابع لأمه (يرو)، وقد ولد يوم الاثنين -جرت العادة أن يطلق على مواليد هذا اليوم ماموت أو ممادو أو محمد كما تقتضي الأعراف حينئذ-، ويقول جونستونز أنه من المحتمل أن يكون ماموت قد وقع أسيرًا في حرب مع قبيلة غير مسلمة عندما كان مراهقًا. 

ويعتقد جونستونز أن إجادة ماموت للعربية إلى جانب لغته الأصل قد وضعته في منزلة أعلى من باقي المستعبدين الآخرين الذين أجبروا على عبور المحيط الأطلسي على متن سفينة "إلايجه" التي كان يملكها مستعمرون من ولاية ميريلاند. وربما سهّل هذا الأمر له بعض "الامتيازات" مثل أن يعمل ضمن طاقم السفينة في رحلة تمتد لشهرين بدلًا من أن يزج به تحت سدة السفينة مقيد اليدين طوال الرحلة في تلك المنطقة القذرة غير الصالحة للبشر. 

يقول جونستونز، لم يتجاوز ماموت حينئذ 16 عامًا، وبدا عليه أنه أصغر من عمره، وربما عمل فوق ظهر السفينة. تذكر المصادر التي تتناول حياته في جورجتاون أنه كان خبيرًا في السفن والبحر. وقد استأجره سيده في ذلك الوقت للعمل على متن السفينة "ميريلاند" عندما كانت راسية في الميناء. وعندما وصلت "ألايجه" إلى أمريكا في يوليو 1752، وتوقفت بالقرب من أنابوليس، اشترى المزارع سامويل بييل مالك حقول التبغ في ميريلاند يارو ماموت.

كون ماموت مسلمًا دفع المسيحيين البيض الذين كانوا يملكونه إلى تفضيله على غيره من العبيد الآخرين

كانت زراعة التبغ العمل التجاري الرئيس لبييل، وكان ماموت ليباشر عمله ضمن نشاطات هذه التجارة بسرعة، إلا أنه حصل على ترقية وأصبح "الخادم الشخصي" لبييل ليرعى شؤونه اليومية ويرافقه في رحلات العمل القريبة منها والبعيدة. مما لا شك فيه أن هذا وضع ماموت في اتصال مباشر مع أنجح التجار وأصحاب المزارع والمحامين ورجال السياسة في ذلك الوقت. 

اقرأ/ أيضًا: جولان حاجي.. بنات الثورة السورية

ومن المحتمل أيضًا أن كون ماموت مسلمًا -وهي ديانة إبراهيمية- قد دفع المسيحيين البيض الذين كانوا يملكونه على وجه الخصوص، وغيرهم ممن تعامل معهم بشكل عام إلى تفضيله على غيره من العبيد الآخرين بفرص أفضل؛ وضمن هذه الفرص القدرة على كسب ماله الخاص. في ذلك الوقت، لم يكن من الغريب أن يتم "إعارة" العبيد للعمل في مكان آخر، حيث يعود معظم الربح إلى السيد، ويذهب القليل منه للعبد. وقد أدى ماموت الكثير من هذه الأعمال مستخدمًا مهاراته المختلفة، بما في ذلك صناعة الطابوق، ليكسب بذلك المال الذي استخدمه في شراء قطعة الأرض في دنت بليس مع منزلٍ مصنوعٍ من الخشب. 

لم يكن الميناء في جورجتاون على نهر البوتوماك ذا أهمية عندما اشترى ماموت الأرض عام 1800، وقد بدأ المطورون ببناء شوارع جديدة وبنية تحتية في المدينة في نفس الوقت الذي أصبحت فيه جورجتاون مدينة رسمية في ثمانينيات القرن الثامن عشر، وفي عام 1791 أُنشئت العاصمة وضمت جورجتاون إليها. والحقيقة أن معظم صفقات الأراضي الخاصة بقطاع كولومبيا جرت في حانة "سوتر"، على بعد مبانٍ قليلة من منزل ماموت. وقد ضمت هذه الصفقات جورج واشنطن وجنرال حرب الاستقلال الأمريكية يوريا فورست، والسياسي بنجامين ستودرت من ميريلاند. 

يقع شارع دنت بليس على أطراف المدينة، مما جعل الأرض رخيصة كفاية ليتمكن ماموت من شرائها، ناهيك عن خلوها من الجيران إلا من واحد. لذلك، لم يكن هناك من يعترض على السكن بحذاء عبد محرر إلا قلة.

يعود الفضل في كل ما نعرفه عن حياة ماموت في جورجتاون إلى تشارلس ويلسون بييل، الذي كان في واشنطن عام 1819 لرسم الرئيس جيمس مونرو. فقد سمع بييل عن العجوز ماموت الذي أشاع السكان المحليون بهتانًا أن عمره تجاوز المائة، فكانوا يبحثون عنه ليتعرفوا على سر صحته. وقد سجل بييل لقاءاته به في دفتر مذكراته، وكان مما كتب: "يمتلك يارو منزلًا خاصًا به، وهو معروف بين معظم سكان جورجتاون، خصوصًا الأطفال الذين يسخرون منه، الأمر الذي كان يتقبله برحابة صدر وبشاشة. ويبدو لي أنه مزاجه الطيب هو السبب في طول عمره. وقد عرف عن يارو امتناعه عن المنكرات، ودماثة الطبع، كما أنه يقول إنه ينتمي إلى الديانة المحمدية، وغالبًا ما يسمع في الطرقات وهو يسبح الله، ويتحدث إلى نفسه قائلًا أن لا خير في الرجل إن لم ينبع إيمانه من قلبه".

يعود الفضل في كل ما نعرفه عن حياة ماموت إلى تشارلس ويلسون بييل، الذي كان في واشنطن لرسم الرئيس جيمس مونرو

يقول محمد فريسر رحيم، طالب الدكتوراه في تاريخ الأمريكان الأفارقة المسلمين في جامعة هوارد والذي ساهم في التنقيب: "أعتقد أن هؤلاء الرجال والنساء كانوا صفوة الناس، وقد كانت اللغة العربية الثالثة أو الرابعة بين اللغات التي يتقنونها، ثم تعلموا اللغة الإنجليزية بعد ذلك. وربما أسهم تعليمهم الديني وتمسكم بتعاليمه في تهيئتهم لمصاعب حياة العبودية هنا". يعمل رحيم ضابطًا في برامج أفريقيا في المعهد الأمريكي للسلام، وخدم كخبير في مركز مكافة الإرهاب الوطني في العاصمة. يرى رحيم أن يارو والمجتمعات الأفريقية المسلمة في السنوات الأولى للولايات المتحدة يمثلون جزءًا من قصة الأمريكي المهاجر، حيث إن قصتهم تشجع الأمريكيين المسلمين وتُثبت لهم أن أصولهم متينة وضاربة في الولايات المتحدة منذ أيامها الأولى. 

اقرأ/ أيضًا: تاريخ اسم عُمر وأصل العُمرة

ويقول: "هناك رابط قوي بين الإسلام والولايات المتحدة لا يدركه الكثير من الناس، وقد كان يارو مثالًا حيًا على ذلك. كان توماس جيفيرسون يملك عبيدًا مسلمين، وقد دَرَسَ العربية في جامعة وليام آند ماري. إلى جانب فرنسا، كانت مملكة المغرب المسلمة أول من اعترف بالاستقلال الأمريكي. أعتقد أن الاهتمام المتزايد بحياة يارو يعكس إدراكنا بأننا كنا نجهل الكثير. تقول كيلي فيليبس التي تسكن شارع دنت بليس إن أفضل طريقة "لتصحيح هذا الخطأ" هو أن تصبح أرض ماموت حديقة يقام فيها نصب تذكاري له. 

تقول كيلي: "إن أفضل طريقة نتذكر بها يارو هي أن نحول أرضه إلى مكان للسلام والذكرى". لكن بما أن هذه الأرض ملكية خاصة، فإن تلك اللفتة الجميلة ستبقى حلمًا صعب المنال. 

حتى إن قام منزل فاره جديد على الأرض التي عاش ومات عليها يارو ماموت فلن تضيع ذكراه وذكرى المسلمين الأفارقة العبيد مرة أخرى في المستقبل القريب. فقد قررت مؤسسة سميثسونيان أن تستعير صورة ماموت التي رسمها سمبسن لمدة ثلاثة أعوام لتضيفها إلى معارض "الأصول الأمريكية" حتى تستخدم في دراسة مسألة الهوية الأمريكية في السنين الأولى للجمهورية. ويخطط القائمون على هذه المعارض لبرامج تعليمية حول هذه الصورة، حيث يتعرفون من خلالها على قصص الأمريكان المسلمين في تلك الحقبة. 

اقرأ/ أيضًا:

جان دوست.. نسّاج الحكايا وموثّق الألم

نكبة المكتبات الفلسطينية