"وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ".. كيف حولت إيران الحصار إلى لقاح منعها من الانهيار؟
14 ابريل 2026
يقال إن الملك ميثراداتيس السادس، حاكم مملكة البنطس بين عامي 120 ق.م و63 ق.م، وهي المملكة الواقعة على الساحل الجنوبي للبحر الأسود، عاش في هاجس يومي من التعرض للاغتيال بالسم على يد الرومان، خاصة مع اشتعال الحرب الميثراداتية بين مملكته ومدينة روما القديمة، فما كان منه إلا أن ابتكر طريقة غير مسبوقة في التاريخ لمواجهة هذا الخطر.
طريقة تعتمد على تناول جرعات صغيرة ومدروسة يوميًا من السموم القاتلة، مثل نبات الشوكران وسم الثعابين، بهدف بناء مقاومة في الجسد ضد السموم، بالضبط كما يعمل لقاح فيروس كورونا الصيني، تحقن بجرعة بسيطة ومدروسة وغير قاتلة من الفيروس، فيبني الجسم أجسامًا مضادة للفيروس، فلا تموت به في حالة الإصابة.
وقد نجحت هذه الاستراتيجية بامتياز، فعندما هُزم مثرادات لاحقًا على يد القائد الروماني بومبي وحاول الانتحار بتناول جرعة مكثفة من السم لتجنب الأسر، لم يؤثر فيه السم مطلقًا، فطلب من حراسه قتله بالسيف، ولكن، ما علاقة تلك الحادثة التاريخية بإيران؟ أو بالعقوبات الاقتصادية؟ أو بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط؟
الكثير القليل
يمكن اعتبار العقوبات الاقتصادية بمثابة السم الذي حقنته الولايات المتحدة الأميركية في شرايين الاقتصاد الإيراني بهدف إخضاع الدولة، ولكن لأنها لم تُفرض دفعة واحدة، بل جاءت متدرجة وممتدة على مدار أربعة عقود، فقد أدى ذلك إلى عملها كداء ودواء في نفس الوقت، كيف ذلك؟
كانت العقوبات الاقتصادية بمثابة السم الذي حقنته الولايات المتحدة الأميركية في شرايين الاقتصاد الإيراني، ولأنها لم تُفرض دفعة واحدة، أدت إلى عملها كداء ودواء في الوقت نفسه
كما في قصة الملك بالضبط، إذ أعطى التدرج الأميركي والدولي الجسد الإيراني فرصة للتعافي والتلاعب والتكيف وإنتاج أجسام مضادة للحصار، ما خلق اقتصادًا موازيًا يمتلك مناعة ضد أدوات النظام المالي العالمي.
بدأت الجرعة الأولى من السم في تشرين الثاني/نوفمبر 1979 إثر أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران، حيث أصدرت واشنطن الأمر التنفيذي رقم 12170 الذي أدى إلى تجميد حوالي 8.1 مليار دولار من الأصول الإيرانية وفرض حظر تجاري شامل، ورغم رفع تلك العقوبات في عام 1981، إلا أنها كانت بمثابة إنذار مبكر دفع العقل الاستراتيجي الإيراني لإدراك هشاشة الارتباط بالنظام المالي الغربي، وهو ما كان فعلًا.
حيث توالت الجرعات لاحقًا عبر العديد من العقوبات التي استهدفت قطاع الطاقة في التسعينيات، ثم عقوبات دولية متزامنة بين عامي 2006 و2010 عبر أربعة قرارات لمجلس الأمن استهدفت تقييد وصول إيران إلى التكنولوجيا النووية، ولكن القرار الأخطر جاء عام 2012، إذ تضمنت العقوبات المزدوجة عزل البنوك الإيرانية عن نظام "سويفت" الخاص بتداول الأوراق المالية عبر البنوك حول العالم.
وعندما جاء موعد الجرعة الأكثر سمية عام 2018، متمثلة في محاولات الولايات المتحدة المستميتة لخفض صادرات النفط الإيراني قدر الإمكان، كانت خلايا الاقتصادي الإيراني قد اكتسبت خبرة كافية بالفعل، وصار داخل حمضها النووي أجسادٌ مضادة تمنعها من الانهيار تمامًا، وهذا ليس رأينا بالطبع.
لكنه نتيجة دراسة أجرتها الباحثة أجاث ديماريه عضو المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، والمدير العام السابق لوحدة الاستخبارات الاقتصادية (EIU) التابعة لمجلة ايكونوميست، حيث أوضحت في كتابها Backfire: How Sanctions Reshape the World Against U.S. Interests (الارتداد: كيف تعيد العقوبات تشكيل العالم ضد المصالح الأميركية؟) أن الإفراط في استخدام واشنطن لسلاح العقوبات الاقتصادية كأداة دبلوماسية منخفضة التكلفة أعاد تشكيل النظام العالمي ضد المصالح الأميركية.
ولكن كيف حدث ذلك في إيران؟
التكيف
للتكيف مع تلك البيئة، هندست إيران نظامًا ماليًا موازيًا، يعمل خارج نطاق الرقابة الغربية وهيمنة الدولار، حيث اعتمدت على تأسيس شبكة معقدة من الشركات الوهمية المتمركزة في معظم المراكز التجارية الإقليمية والدولية مثل الإمارات العربية المتحدة، وهونغ كونغ، وسنغافورة.
على سبيل المثال، تمكنت كيانات خاضعة للعقوبات مثل شركة تصنيع البتروكيماويات (PGPICC) من بيع منتجات بمليارات الدولارات للمستثمرين الأجانب عن طريق شركات وهمية وصرافة تقوم بمعالجة الأموال عبر دفاتر حسابات داخل الدولة المستضيفة للشركة الوهمية، ودون الحاجة لتحريك الأموال عبر الحدود الإيرانية رسميًا، ومن شركة وهمية تنتقل الأموال إلى شركة وهمية أخرى، ثم إلى أخرى، ثم إلى أخرى حتى تصل إيران بعد سلسلة معقدة وصعبة التتبع من الحوالات، مما يخفي أي أثر للشركات الإيرانية.
كما استفاد هذا الهيكل المالي الموازي من نظام الحوالة التقليدي، وهو آلية غير رسمية لتحويل الأموال عبر الحدود دون نقل النقود بشكل مادي، إذ يعتمد على شبكة من الوكلاء، وتنتقل الأموال من طرف لآخر بناءً على الثقة، بسرعة، وبتكلفة منخفضة، والأهم، دون ورقة رسمية واحدة، ورغم تصنيف وزارة الخزانة الأميركية لإيران كدولة غسيل أموال بموجب المادة 311 من قانون باتريوت، إلا أن طهران استمرت في استخدام هذه القنوات لنقل مئات الملايين من الدولارات سنويًا داخل وخارج إيران.
وبالتوازي، فعّلت إيران آليات المقايضة، وتجارة السلع والنفط بالعملات المحلية لتجاوز عقبة الدولار، وهنا برزت الصين كرافد رئيسي بالنسبة للاقتصاد الإيراني، حيث بلغت واردات الصين من النفط الإيراني نحو 1.4 مليون برميل يوميًا بحلول أواخر عام 2025، ولتجنب العقوبات الثانوية، يُشترى هذا النفط بأسعار مخفضة عبر مصافي تكرير صينية خاصة تُعرف بـ "Teapot Refineries"، بدلًا من الشركات الحكومية الكبرى، ثم تسوى المدفوعات باليوان الصيني عبر قنوات مالية بديلة مثل نظام الدفع الصيني العابر للحدود (CIPS)، لأنه خارج سيطرة الحكومة الأميركية.
ومع اكتمال تحصين الجبهة الاقتصادية الداخلية، قررت طهران، فور بدء الحرب، الانتقال من مرحلة الدفاع واكتساب المناعة إلى مرحلة الهجوم المضاد للبكتيريا، موظفةً جغرافيتها السياسية الفريدة كسلاح ضغط على الاقتصاد العالمي.
البطاقة الرابحة
مع إطلاق أول رصاصة، قررت إيران إحكام السيطرة على مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله جزء كبير من إمدادات النفط والغاز في العالم معتمدة في ذلك على الزوارق السريعة والطائرات المسيرة، والألغام البحرية، مما تسبب في أضرار بالغة طالت الاقتصاد العالمي بشكل يصعب إصلاحه.
ولم يقتصر التحكم الإيراني على مجرد إغلاق المضيق، بل تطور إلى ما يشبه نظام الجباية، حيث أقر البرلمان الإيراني والحرس الثوري آليات لفرض رسوم عبور على السفن التجارية والناقلات التي ستعبر مضيق هرمز مستقبلًا، وبحسب وسائل إعلام إيرانية، فهذا البند مطروح بقوة على طاولة المفاوضات في إسلام آباد، ولن تتخلى عنه إيران بسهولة.
واحد من الأسباب التي جعلت إيران لا تستفيد من المضيق أصلا طوال الفترة الماضية، هو الخوف من الدخول في حرب مفتوحة مع أميركا، ولكن بما أن ما خافوه حدث بالفعل، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يخرج كل ساعة ليؤدي عروضه البهلوانية مهددًا بمحو حضارة عمرها 5000 عام عن بكرة أبيها، فلم تجد إيران بدًا من خوض هذه الحرب إلى آخرها، والبطاقة الرابحة بالنسبة لهم، كانت وستظل، مضيق هرمز.
فوفقًا للتقارير، يُطلب من السفن دفع رسوم تعادل دولارًا واحدًا عن كل برميل، على أن تُدفع هذه الرسوم حصرًا باليوان الصيني لضمان بقاء العوائد خارج متناول العقوبات الأميركية، علاوة على ذلك، يخضع المرور لتفتيش صارم لنفي أي صلة للسفينة بالولايات المتحدة أو إسرائيل، مع إلزام بعض السفن برفع أعلام دول صديقة، والصداقة تتغير طبقًا لمعطيات المعركة، فمثلًا، عندما قررت فرنسا عدم المشاركة في الحرب ضد إيران، قررت إيران مرور ناقلة غاز فرنسية من المضيق في نفس اليوم.
وهذا يعني أن إيران تنوي التنسيق مع كل دولة على حدة، إن أردت المرور من المضيق، يجب عليك أن تتعامل مع إيران تجاريًا وسياسيًا، في محاولة لتأسيس واقع جيوسياسي جديد تمامًا، ينقل الألم الاقتصادي الذي تكبدته وعانته إيران طوال 40 عامًا بسبب العقوبات الاقتصادية الأميركية إلى جسد الاقتصاد العالمي ككل.
مما يضع المجتمع الدولي أمام مسار ضيق للغاية، إما القبول باستدامة ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم بشكل يدفع الاقتصادات الكبرى نحو الركود، أو الخضوع للطلبات الإيرانية وفك هيكل العقوبات الاقتصادية مقابل ضمان حرية المرور الآمن من المضيق، وبشكل يدفع العالم نحو الإقرار بفشل سياسة المقاطعة الاقتصادية والتفاوض مع إيران باعتبارها ندًا جديرًا بالتفاوض.