ويبقى زين الدين زيدان أسطورة فرنسا...

ويبقى زين الدين زيدان أسطورة فرنسا...

يحب الفرنسيون زيدان (لويز بونغارت/Getty)

في عالم آخر، كانت ستشتعل الشوارع الباريسية بالفعل بعد المباراة بين فرنسا وألمانيا. الفوز على حامل النسخة الأخيرة من كأس العالم وقاهر البرازيل بسباعية على أرضها حتى وإن كانت المباراة ودية تعني أن فرنسا بعد زيدان بدأت تجد لنفسها مكانًا بين الكبار. الفوز هنا ليس ابن صدفة مباراة غير رسمية، إنه التوقع العملي للمنتخب الفرنسي في نسخة متماسكة بخط هجوم هو واحد من أقوى الخطوط أوروبيًا.

عام 2006، حتى وإن كنت من مشجعي المنتخب الإيطالي، فحب زين الدين زيدان هو أمر خارج الحسابات، ابن جلدتنا حامل بذور "هويتنا" في اسمه وأصوله، المواطن النموذج الذي هتف الفرنسيون باسمه عام 1998، وأضاءت صورته على قوس النصر، هذا اللاعب آت من "عندنا" نحن المتأرجحون بين الجغرافيا والتاريخ وأطلال هوية. حب زيدان كان تجاوزًا لفكرة لاعب استثنائي، وصل إلى التماهي مع نجاح واحد منا في عالم "الآخر"، لذلك لم يكن مستغربًا أن تتحول كلمات المعلق عصام الشوالي في المبارة النهائية إلى ذكرى "كم أنت كبير يا ابن الصحراء، فرنسا لا تساوي شيئًا لا تساوي شيئًا بدون زين الدين زيدان".

عام 2006 حتى وإن كنت من مشجعي المنتخب الإيطالي فحب زين الدين زيدان "ابن جلدتنا" هو أمر خارج الحسابات

كلمات الشوالي المتعلقة بآمال "النحن" حين يكون قيمة مضافة إلى "الآخر"، نطحة زيدان لماتيزاتزي خير برهان على ذلك، إنه "الدم العربي" الذي يثأر للشرف، كان إعجاب المشاهدين العرب لسلوك زيدان ودافعن عنه تمثيل لهذا التبدي الهوياتي في لحظات كأس العالم الأخير.

اليوم فرنسا، التي يتجاوز مواطنيها من الأصول العربية عددًا كبيرًا من مجموع السكان، بها الكثير من اللاعبين ذوي الأصول العربية، ولكنهم دون "كاريزما" زيدان أو نموذجه. كريم بن زيمة الغارق في الفضائح الجنسية، وحاتم بن عرفة بمستواه المتذبذب، وسمير نصري "المتغطرس"، كلهم لم يستطيعوا حمل الإرث الزيداني عند المتفرجين العرب، ومن يستطيع فعلًا؟ زيزو أسطورة.

المنتخب الفرنسي اليوم هو ابن الفرصة. لقاء المنتخب الألماني والفوز عليه يقول الكثير عن الاستعداد لكأس الأمم الأوروبية: "نحن اليوم أفضل حالا"، هدفا الفريق وراءهما روح جماعية، تكتيك هجومي محكم لا نجم خارق للعادة، فرنسا 2006 كانت بالفعل زيدان وحده، فرنسا 2015 هي فريق خططي.

في بادئ الأمر ظنت الجماهير أن صوت الدوي هي ألعاب نارية للاحتفال بالفوز واللاعبون جفلوا مع الصوت

لكن "الهوية" التي جعلتنا نهتف لزيدان وتنخلع قلوبنا مع كلمات الشوالي هي نفسها التي حولت هذا الانتصار الصعب الثمين إلى مأساة. في بادئ الأمر ظنت الجماهير أن صوت الدوي هي ألعاب نارية للاحتفال بالفوز، اللاعبون جفلوا مع الصوت، قبل أن تكتشف الجماهير الأمر لتنزل إلى الملعب في حالة ذعر عامة، ربما لم تشهد الملاعب الفرنسية حالة "شغب" كروي بنزول الجماهير من المدرجات مثلما حدث في إيطاليا وأسبانيا وبريطانيا من قبل، وبما هو حالة دائمة الحدوث في الملاعب اللاتينية، النزول هنا "خارج اللعبة" هو ردة فعل فزعة من تبديات "هوية" تظهر قبحها الداعشي في مدينة النور.

سيكون من العبث الدفاع عن أبناء هذه الهوية، نحن أبناؤها وإن انسلخنا عنها، نحن "آخرهم" المنفجر المخيف مهدد حداثتهم، سيان كان عربيًا أو مسلمًا، سمرة البشرة إنذار خطر. سينسى المشاهدون في مثل هذه اللحظات صورة زيدان على قوس النصر، سيتذكرون فزع اللحى والكلمات العربية التي صارت مرادفًا للموت، أو يدفعها بقوة اليمين الأوروبي متسلحًا بداعش لأن تكون كذلك.

فكرة كرة القدم في حد ذاتها هي فكرة الحرب في أقل أشكالها وحشة. كرة القدم هي بنت الغريزة البدائية للإنسان، حبه للتنافس، للانتماء، للكراهية الآمنة، لصيحات الفوز وصرخات الهزيمة، التجلي الغريزي الأكثر نبلًا، وهو يعيش في سياق حرب أكثر انحطاطًا ومن أفق مختلف، بدائية لا تتورع عن تفخيخ الأجساد لفوز غيبي.

اليوم يتلون العالم كله بالأحمر والأبيض والأزرق تعاطفًا مع أيلول الفرنسي، لكن من يعيد فرحة الفوز إلى أصحابها؟

 

اقرأ/ي أيضًا: 

بيليه.. الجوهرة السمراء

زيدان ومدريد.. الحظ وكتابة التاريخ