ultracheck
  1. قول

"وهم نهاية التاريخ".. كيف جعلت الليبرالية الغربية الجحيم حكرًا على الشرق الأوسط؟

19 مايو 2026
فلسطين
محمود ليالي محمود ليالي

يُعرف مصطلح "الجنوب العالمي" بوصفه تكتلًا جغرافيًا وسياسيًا يضم دول إفريقيا وأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وآسيا وأوقيانوسيا، مع بعض الاستثناءات لبعض القوى مثل اليابان وأستراليا، ويشير إلى الدول التي تعاني من تدني مستويات المعيشة وارتفاع معدلات الفقر والنمو السكاني، وهو ما يقف على النقيض تمامًا من "الشمال العالمي" الذي يحتكر الثروة، والتطور التكنولوجي، والمؤسسات الديمقراطية والسلاح والمؤن والإنسان، هذه التقسيمة صكتها الأمم المتحدة رسميًا في تقرير صدر عام 2004، دون أن تسأل: لماذا أصبح الشمال العالمي شمالًا عالميًا؟ ولماذا أصبح الجنوب العالمي جنوبًا عالميًا؟

في عام 1992، أي بعد عام واحد فقط من سقوط الاتحاد السوفيتي، أصدر المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما كتابًا بعنوان "نهاية التاريخ"، قال فيه إن سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين ونهاية الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية، يعني أن الديمقراطية الليبرالية الغربية أثبتت أنها النظام الوحيد الصالح للبشر، وأن الجنة قادمة لا محالة بأمر من العم سام، ورعاية الجيش الأميركي.

 تتراكم القوة عن طريق تركيز الثروة والسلطة في يد فئة قليلة، ومن خلال تجريد الفئات الضعيفة والمهمشة مثل الشرق الأوسط من الأصول والموارد، وذلك عبر تقسيم النظام العالمي نفسه إلى عدة أشياء

صك فوكوياما هذه الفكرة هو الآخر دون أن يسأل: لماذا تتساقط القنابل الأميركية على رؤوس المدنيين والأطفال في الصومال والعراق بعد أيام قليلة فقط من سقوط الاتحاد السوفيتي وبداية العهد الأميركي السعيد؟ هل لأن الجنوب العالمي يجب أن يظل جنوبًا عالميًا من أجل أن يصبح الشمال العالمي شمالًا عالميًا؟

حق تقسيم الجنائز

في كتابه "السياسة الجنائزية"، يوضح الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي، استنادًا على نظرية "السلطة الحيوية" لميشيل فوكو، أن الديمقراطيات الليبرالية الحديثة تحتكر الحق في الحياة، ليس حقها، بل حق العالم كله، إذ تستخدم قدرتها على القتل لتقسيم البشرية، وإخضاع فئات واسعة من سكان الجنوب العالمي لحالة من الموت الاجتماعي، حيث تُسلب منهم إنسانيتهم وتُستباح دماؤهم دون أي رادع قانوني.

وهذا ليس كل شيء، حيث يؤكد أن التعبير الأسمى عن السيادة في السياقات ما بعد الكولونيالية لا يتعلق فقط بتنظيم الحياة والموارد والعولمة والاقتصاد الحر وكل هذا الكلام الناعم اللذيذ، بل يتمثل في القدرة على تقسيم العالم، ولعب دور عزرائيل، من يحق له أن يعيش ومن يجب عليه أن يموت خدمة لمصالح الشمال العالمي.

نفس المعنى أكدت عليه عالمة الاجتماع جوديث باتلر في كتابها "أطر الحرب"، حيث قالت إن الآلة السياسية للنظام الليبرالي الأميركي قائمة على أساس الفصل العنصري، أي فصل الشمال العالمي عن الجنوب، حياة فرد أميركي واحد تجيش لها الجيوش، وتحشد لها الأساطيل، وتهتز لها شوارب الجنرالات، بينما آلاف الحيوات في الشرق الأوسط لا تستحق دمعة واحدة، وهذا التأطير هو ما سهل على الحكومات الغربية تبرير العنف المفرط ضد أناس الشرق الأوسط بوصفهم أرقامًا صماء ليس لها أي معنى.

ولكن كيف يطرح الغرب الرأسمالي نموذج المساواة، في نفس الوقت الذي يمارس عنصريته على الشرق الأوسط؟

تراكم الجثث

في كتابه "الإمبريالية الجديدة" يطرح المنظر الماركسي ديفيد هارفي مفهومًا في غاية الأهمية أطلق عليه "التراكم عبر نزع الملكية"، اسم معقد كما هي العادة في كل المفاهيم الماركسية، ولكن معناها في غاية البساطة، ببساطة، أميركا تراكم القوة عن طريق تركيز الثروة والسلطة في يد فئة قليلة، ومن خلال تجريد الفئات الضعيفة والمهمشة مثل الشرق الأوسط من الأصول والموارد، وذلك عبر تقسيم النظام العالمي نفسه إلى عدة أشياء.

الشمال العالمي هو مركز العالم، والنظام الرأسمالي هو مركز الشمال العالمي، والولايات المتحدة هي مركز النظام، ولا تستطيع السيطرة على العالم دون السيطرة عليه، أما النظام نفسه فلا يملك الموارد الكافية للاستمرار، فبالتالي لا يستطيع حل أزماته الداخلية إلا عبر الاستيلاء المباشر على ثروات دول الأطراف، وهو ما يفسر طبيعة العلاقة العضوية بين الرأسمالية والمجمع الصناعي العسكري، وصناعة الموت.

حيث أكد تقرير نشرته مجلة "International Socialism" أن تدمير الشرق الأوسط هو خيار استراتيجي مدروس للرأسمالية، يهدف إلى تفريغ أزمات الغرب، وتأمين دوائر تراكم رأس المال، وتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لاستهلاك منتجات المجمع الصناعي العسكري، ومن رحم هذه الهيمنة الاقتصادية العنيفة، وُلد انقسام زماني ومكاني حاد بين شعوب العالم الثالث والشرق الأوسط، وشعوب العالم الأول والغرب الرأسمالي، شعوب العالم الغرب الرأسمالي تعيش في مرحلة نهاية التاريخ، وشعوب الشرق الأوسط تعيش في القرون الوسطى لكي يعيش الغرب الرأسمالي في مرحلة نهاية التاريخ، كيف ذلك؟

في دراسة بعنوان "IR and the Global South: Revisiting Obstacles to a Global Discipline"، تشير الباحثة لاتشين إيديل أوزتيغ، أستاذة العلوم السياسية في جامعة يلدز، إلى أن النظام الرأسمالي هو من كرس حالة التفاوت الزمني تلك.

فبينما يمارس المواطن الغربي ترف الحياة في عصر ما بعد الحداثة، ويناقش قضايا مثل رفاهية تقليص أيام العمل إلى أربعة أيام، أو كيفية شراء فيلا بحديقة صغيرة متوسطة التكاليف، أو حتى كيفية مشاهدة فيلم أفنجرز الجديد دون الهروب من الديدلاين.

وصحيح أن هناك أزمات أكبر داخل هذه البلاد، تخص الهوية، وصعود اليمين المتطرف، والتأمين الصحي، وحقوق العمال، كما أن الغرب ليس كتلة واحدة متراصة، إلا أن كل ذلك لا يقارن بالظلم والقهر والإبادة الواقعة في منطقة الشرق الأوسط.

حيث يُدفع السكان، في غزة ولبنان وسوريا والعراق والسودان، على سبيل المثال لا الحصر، قسرًا للعيش في القرون الوسطى، بكل ما تحمله الكلمة من حصار وموت وإبادة ومجاعات، وقنابل أميركية - إسرائيلية ترصد هدفها بالذكاء الاصطناعي، ومن هنا يمكن فهم إسرائيل باعتبارها المثال الأوضح على هذا التناقض بين الزمنين.

المخفر الأمامي

في عام 1896، كتب تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية في شكلها الإبادي، أن الدولة المأمولة في فلسطين لن تكون مجرد ملاذ لليهود، بل ستشكل جزءًا لا يتجزأ من جدار دفاعي لأوروبا في آسيا، ومخفرًا أماميًا للحضارة في مواجهة الهمجية، هذا التصريح تأسيسي للغاية، ويبنى عليه، بل ويمكن اعتباره حجر الزاوية الذي حدد الوظيفة السياسية والأيديولوجية لإسرائيل، كأداة إمبريالية مزروعة عمدًا في قلب الشرق الأوسط لضمان السيطرة والهيمنة على مقدرات المنطقة، وتسيير حركة رأس المال الغربي.

والدليل هو أن هذا المخفر أبرم عقودًا بمليارات الدولارات مع عمالقة التقنية الأميركية مثل مايكروسوفت وجوجل وأمازون، لإنشاء مصانع قتل رقمية تعمل بالذكاء الاصطناعي لإبادة الفلسطينيين، ضمن مساعي إنشاء درع سيليكوني يربط استدامة الآلة العسكرية الإسرائيلية بشرايين الاقتصاد التكنولوجي الغربي، وهذا ليس كل ما في الأمر قطعًا، بل يمكن القول إن كل خطوة يخطوها الغرب السعيد نحو الرفاهة، يدفع ثمنها الشرق الأوسط التعيس من دمائه، تلك التي أصبحت رهينة لمزاج مجرم حرب متطرف وفاشي مثل نتنياهو، بسبب الدعم الأميركي، الرأسمالي، غير المشروط.

وبالتالي عندما تدور عجلة العولمة مستقبلة الشمال العالمي، فهي في نفس الوقت تكون مجبولة على إنتاج بعض النفايات البشرية، بشر فائضين عن حاجة الرأسمالي، تدمرت دولهم بفعل التدخلات الغربية، ثم عزلوا خلف جدران الفصل العنصري وفي مخيمات اللجوء، وتركوا وحدهم في مواجهة الموت البطيء، بعيدًا عن عدسات وعيون الرأسمال المتحضر، وعليه، فإن تدمير الشرق الأوسط، والاستمرار في تدميره، عبر الوكيل الإسرائيلي هو الشرط الأساسي الذي يضمن استمرار المنظومة الرأسمالية ككل.

كلمات مفتاحية
كأس العالم 2026

لماذا قد يكون مونديال 2026 الأسوأ في تاريخ كرة القدم؟

القضية الفلسطينية

أكثر من مجرّد لعبة: فلسطين وحضورها في كأس العالم

في كأس العالم قطر 2022، أصبح العلم الفلسطيني أحد أكثر رموز البطولة حضورًا وظهورًا. فقد رُفع في المدرجات، وانتشر في الشوارع، وارتسم على أكتاف المشجعات والمشجعين القادمين من مختلف أنحاء العالم

بن غفير

شكرًا بن غفير!

يظهر إيتمار بن غفير في مشهد تمثيليّ وهو يحاول الخلود إلى النوم، لكن صوت الأذان يمنعه من ذلك. فيقف فجأة ملوّحًا بمنع "الضوضاء الصادرة من المساجد"

كأس العالم 2026
رياضة

عن المسافات الهائلة بين المدن المستضيفة لكأس العالم.. من أكثر المتضررين؟

ستشهد كأس العالم 2026 تفاوتًا كبيرًا في حجم التنقلات بين الفرق، فستضطر بعض المنتخبات إلى قطع آلاف الأميال خلال دور المجموعات، بينما ستتمتع أخرى بجدول مريح يسمح لها بالبقاء في منطقة جغرافية واحدة

كأس العالم 2026
رياضة

كيف يكشف مونديال 2026 أزمات العالم المعاصر؟

يخضع مواطنو 39 دولة لقيود سفر أميركية متفاوتة تحول دون وصولهم إلى الولايات المتحدة، تنقسم بين حظر شامل وحظر جزئي

لبنان
مجتمع

من إرث العائلة إلى تأثير النجوم.. المنتخبات التي يشجعها اللبنانيون في كأس العالم

يختار مشجعو كرة القدم منتخباتهم المفضّلة وفقًا لثلاثة معايير أساسية؛ النتائج والنجاحات، و توارث الأطفال المنتخب المفضل عن آبائهم أو أقاربهم، وأحيانًا التمرّد على العائلة

كأس العالم 2026
الترا لايت

هل تتحول كأس العالم 2026 إلى عبء مناخي عالمي؟

قد ينتج كأس العالم 2026 نحو 7.8 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بانبعاثات كأس العالم 2022 في قطر