وهم المشروع وأزمة السياق فلسطينيًا

وهم المشروع وأزمة السياق فلسطينيًا

تعرض المشروع الوطني الفلسطيني إلى أزمات مفصلية حولته جذريًا (Getty)

تحدّدت الهويّة الفلسطينيّة ربطًا بمشروع النّضال ضدّ الاستعمار. صحيحٌ أنْ مسير هذا المشروع كان صعبًا وطويلًا وما زال، إلّا أنّهُ أمسى يتآكل، يبتلع نفسه نتيجة ديناميكيّته الموضعيّة وخطابهِ الصدئ. وليسَ سوى العودة ضمن أكبر تنازل في المسيرة، دفعت المؤسّسة الرّسميّة لتحديد أولويّات وللتنازل عن أُخرى. ولجعل المثال واضحًا، يبدو الصّراع على القدس كمدينة فلسطينيّة موازيًا للطرح الإسرائيلي، بل ردّة فعلٍ تسعى لإثبات الأولويّة التّاريخيّة. فأمسينا على قدمٍ نسيرُ نحو الدّفاع من ذات الزّاويّة عن "كلامُ الضّوء في حجرٍ"، ما حيّد النّقاش أو الدّفاع بعيدًا عن مُدنٍ فلسطينيّة قد لا تحمل بُعدًا دينيًّا.

ليسَ هُناك وضوحًا أعلى من صوت الشّعبّ المُكبّل بكلتا اليدين. وهو أمرٌ لا يُمكن التّشكيك بهِ. بل ويجب الاستجابة لهُ 

من الواضح أنّ هُنالك عمليّةَ تدجين مراحليّة منهجيّة مرّ بها شعب الانتفاضات. وهو الّذي كان يُضربُ بالصّدمةِ مرّةً، وبهراوة رفيق النّضال مرّةْ. وقد لا يتّسع السّياق هُنا للأحداث، ولكنّها جليّة. بل وساهمت بشكلٍ أساسيّ في نقل مستوى الصّراع من ذاتي غيري، لذاتي ذاتي ثُمّ ذاتي غيري. صراعٌ يُصاحبُ انفصامًا حادًّا لما يحصل الآن. "سلطتان" تلعبان لعبة رديئة غير مكترثتان بالأساس بمن هُم هُنا. بل أمسى بُعدًا سلطويًّا مادّيًّا ما يشغلهم دون الانفكاك عن مصالح الإقليم الجديد، ودفء الحُضنْ.  

اقرأ/ي أيضًا: تأييد إسرائيلي لترامب وأسئلة حول دعمه الاستيطان

مُحزنٌ حقًّا هذا التحوّل السّريع والتّفكك البنيويّ في الّلبِنات المُجتمعيّة منذ عام 1987 حتّى اليوم. لا نقدًا لحداثة المُجتمع، العرجاء بطبيعة الحالْ، بل وصولًا لمختلف المفاهيم الّتي صادمٌ كم هي مقبولة بشكل كبير اليوم، مثل عاديّة التطبيع، بما يحملُ من فعلٍ كان من غير المُمكن التّفكير بقبوله، إلى تَجسُّدهِ على شكل مدينة وأفكار بأجساد فلسطينيّة يدافعون عنها دفاعًا نضاليًّا، مشيًا بجانب فكرة تحوّل وتحوّر الأدوار إلى تابعة لا مُبادرة، فخفوتٌ ممنهجٌ للفعل الثّوريّ والثّوريّ الفكريّ المُصاحب، أُتبعَ بضربٍ للحريّة بحذاءٍ مستورد بعد تفشّي الصّراع الذّاتي الذّاتي.

إنّ فشلًا حتميًّا لمشروع الولادة خارج الرّحم أي؛ مشروع الدّولة، أمسى خلف الأُفق، يقترب. ليس فقط لأنّ احتلالًا مُمتلكًا لأدوات القوّة كان، بلّ لأنّ جسمًا ذاتيًّا لم يعد يُمثّل شيئًا تخلّى عن معناه ومصداقيّته. وتبيّنَ، بطبيعة الحال، أنَّ مسألةَ التّمثيل كانت تمثيلًا مسرحيًّا لدحر المُحتلّ، وبات مفهومًا كونها مُجرّد إدارة بالمعنى التّابع للكلمة، وصولًا لفكرةِ أنّنا كُنّا الجمهور المفعول بهِ لدورات عدّةٍ ضمن لعبة تافهة من تبادل الأدوار توهّمنا أنّها تؤسّس لشيء ما. إنّ فجاجة وضوح المشروع الآن، أنهت أملًا كان يشوبهٌ الشّكّ.

اقرأ/ي أيضًا: المركز العربي يبحث تاريخ نكبة فلسطين في عامها الـ70

ليسَ هُناك وضوحًا أعلى من صوت الشّعبّ المُكبّل بكلتا اليدين. وهو أمرٌ لا يُمكن التّشكيك بهِ. بل ويجب الاستجابة لهُ سواء لتحسين شروط الحياة سيرًا لتحسين شروط النّضال ضدّ المُحتلّ. ما وصلنا إليهِ في هذه المرحلة هو الحدّ الأقصى من اليأس. ولا يُمكن الرضى بعد الآن عن البقاء في ظلّ المؤسّسة القمعيّة، التي هي أساسًا قائمة ضمن السياق الاستعماري المفتوح، في شقيّ المكان الفلسطيني العائم على وهم "حلم" الدولة/السلطة، والّتي لم تعدْ تُعبّر عن شيء.

لقد أُجهضَ المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، وصلًا بالتّدمير الّذي أُلحقَ بسياقِ النّضال البِكر بما حملَ من نسيجٍ مُجتمعيّ وحالة شعبيّة كانت ستحدث أثرًا لم تحدثهُ المؤسّسة الرسميّة بالتأكيد. لكنّ المسافةَ بعيدة اليوم عن روح ذلك النّضال، وهُنا فقط، يجبْ أنْ نُدرك أنّهُ في كلّ مكان ذي سياق مُتّصل بهذه الحالة، لم يُعدّ يكفي تحميل المسؤوليّة لعدم نُضج الجماعة الحاكمة، وقلّة جدارتها. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

ركن الورّاقين: موسوعة رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين (1/2)

ركن الورّاقين (9): مدونة القدس