وهم "العودة إلى الاعتدال" المعلّق على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة
11 سبتمبر 2026
تتجه إسرائيل إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، في ظرف سياسي استثنائي؛ فقد أكمل الائتلاف الحكومي الحالي ولايته القانونية بشكل كامل، ووصل إلى موعد الانتخابات القانوني للمرة الأولى منذ عام 1988. وقد جاء هذا الاستقرار البرلماني النسبي خلال واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ إسرائيل السياسي والأمني-العسكري، بدءًا من الصراع على خطة "الإصلاح القضائي"، مرورًا بهجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وحرب الإبادة على غزة، والحرب المفتوحة على الضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن وإيران، إضافة إلى أزمات داخلية عاصفة، فضلًا عن التراجع الحاد في مكانتها الدولية وتحولها إلى دولة منبوذة.
تشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية، وكذلك مجريات النقاش الداخلي في إسرائيل، إلى احتمال أن تفتح الانتخابات المقبلة إمكانية لتغيير الحكومة، وربما لإنهاء عهد نتنياهو السياسي. وعلى الرغم من الملاحظات التي يمكن تسجيلها على هذه الاستطلاعات، والمدفوعة بأجندات التغيير داخل إسرائيل، فإن هذا التغيير، إذا تحقق، سيكون له أثر ملموس في جملة من الملفات الداخلية الإسرائيلية، وهو ما سينعكس بالضرورة على الفلسطينيين، وإن كان بشكل محدود وبسيط.
غير أن الطريقة التي يصل بها النقاش الإسرائيلي إلى المجالين الإعلامي والسياسي الفلسطيني-العربي تظل إشكالية وتعاني قصورًا منهجيًا؛ فقد أدت غزارة الترجمة اليومية عن الصحافة الإسرائيلية، والإفراط في متابعة الاستقطاب الداخلي، والاعتماد شبه الكلي على ذلك في قراءة الشأن الإسرائيلي، إلى نقل جزء واسع من النقاش السياسي الإسرائيلي بمفاهيمه وتصنيفاته وأولوياته إلى المجالين العربي-الفلسطيني. ومع هذه الغزارة، تسربت ثنائيات من قبيل "يمين ومتطرفين" في مقابل "وسط ومعتدلين"، و"حكومة نتنياهو" مقابل "التغيير"، و"الفشل" مقابل "النصر"، وغيرها، كما لو أن هذه التصنيفات تحمل المعنى نفسه عند الانتقال من الصراع الداخلي الإسرائيلي إلى الصراع مع الفلسطينيين، أو إلى موقع الفلسطيني نفسه داخل المشروع السياسي الإسرائيلي.
الطريقة التي يصل بها النقاش الإسرائيلي إلى المجالين الإعلامي والسياسي الفلسطيني-العربي تظل إشكالية وتعاني قصورًا منهجيًا
تكمن المشكلة في أن مفاهيم "التغيير" و"الاعتدال" المتداولة داخل إسرائيل تنشأ أساسًا من خلافات إسرائيلية داخلية حول شكل النظام السياسي، واستقلال القضاء، وتجنيد الحريديم، وإدارة مؤسسات الدولة، والعلاقة بين الدين والدولة، وتوزيع الأعباء الاجتماعية والعسكرية، والعلاقة مع الولايات المتحدة والعالم الغربي. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون المعارضة أكثر "اعتدالًا" من حكومة اليمين الحالية وفق معايير إسرائيلية داخلية، فيما يبقى الفارق أضيق بكثير عند الانتقال إلى قضايا الحرب والاحتلال والاستيطان ومستقبل القضية الفلسطينية. وهذا ما ستحاول المادة توضيحه من خلال النقاط التالية:
أولًا: انتخابات على شكل الدولة وطريقة إدارتها
تكشف أولويات القوى المنافسة لنتنياهو أن مركز الخلاف الانتخابي يتعلّق، وبدرجة كبيرة، بطبيعة إدارة الدولة ومؤسساتها، فيما يتقلّص حجم الخلاف، بصورة ملحوظة، عند الانتقال إلى سياسات إسرائيل الحربية العدوانية تجاه المنطقة، وإلى مسألة السيطرة على الفلسطينيين ومستقبل القضية الفلسطينية.
على سبيل المثال، قدّم غادي آيزنكوت، وهو أحد أبرز شخصيات المعارضة لنتنياهو والمرشّح المحتمل لرئاسة الحكومة وفقًا للاستطلاعات، في مقابلة مع صحيفة "يسرائيل هيوم" في 27 آب/أغسطس، تصورًا سياسيًا أكثر وضوحًا من مواقفه السابقة التي طغى عليها نوع من الالتباس والتشتّت، حيث وصف حل الدولتين بـ"الخطأ المرير"، واعتبر التفكير فيه إسرائيليًا بعد 7 أكتوبر "وهمًا"، بالتوازي مع تأييده الاستيطان في المنطقة المصنّفة "ج" وفقًا للتقسيم الإداري لاتفاقيات أوسلو. أمّا اعتراضه الوحيد فكان على المشروع الاستيطاني (E1)، وهو لا يستند بذلك إلى رفض مبدئي للمشروع الاستيطاني، بل تنطلق مقاربته من توقيت الخطوة والكلفة السياسية والإقليمية والدولية التي قد تتحملها إسرائيل إذا ما تم تنفيذها في الظروف الحالية.
ثم إن نقده لكل من بتسليئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وجرائم المستوطنين يندرج ضمن المقاربة نفسها؛ إذ يرى أن توسيع نفوذ سموتريتش داخل "الإدارة المدنية"، وسيطرة بن غفير على جهاز الشرطة، واستمرار جرائم المستوطنين، هي مسائل تقوّض الشرعية الدولية لإسرائيل وتُهدّد، وفقًا لتعبيره في المقابلة، "المشروع الاستيطاني كله". وعلى هذا المستوى، يختلف "البديل المحتمل" عن اليمين الديني والاستيطاني. إضافةً إلى أن تصوّره المعلن لا يتضمن، حتى الآن على الأقل، أيّ مراجعة لمرتكزات السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين والأراضي العربية، أو حتى أفقًا لإنهائها.
من جهةٍ ثانية، يُظهر شريكه في معسكر المعارضة، نفتالي بينيت، رئيس الحكومة السابق، موقفًا أكثر صراحةً؛ إذ يضع في صدارة مشروعه الانتخابي قضية "تجنيد الحريديم"، ومعالجة النقص في القوة البشرية داخل الجيش، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين أدائها، بالإضافة إلى هدف ترميم مكانة إسرائيل الدولية. وفي مقابلته الأخيرة، ربط تغيير الحكومة الحالية بإعادة بناء المؤسسات، وتجاوز الانقسام الداخلي، واستعادة قدرة إسرائيل على الدفاع عن سياساتها في الخارج. وهذا الترتيب يمكّننا من التعرف على طبيعة "التغيير" الذي يسعى إلى تقديمه للناخب الإسرائيلي.
أما رؤيته للضفة الغربية، فتقوم على مرتكزات قديمة وثابتة في تفكيره السياسي تتقاطع بشكل كبير مع مركّبات الحكومة الحالية، إذ يتبنّى مشروع ضم الأراضي المصنّفة "ج"، ويؤيد الاستيطان "القانوني" فيها، مقابل إبقاء المنطقتين "أ" و"ب" ضمن صيغة للحكم الذاتي الفلسطيني. وهو يستعيد بذلك جوهر خطته السابقة القائمة على احتفاظ إسرائيل بنحو 60% من مساحة الضفة، مع إدارة فلسطينية مدنية للمراكز السكانية المتبقية.
وعليه، تبدو مواقف الشخصيتين الأكثر بروزًا في معسكر المعارضة منسجمة نسبيًا فيما يتعلّق بالنهج السياسي تجاه القضية الفلسطينية، رغم التباين في الموقف حول المشروع الاستيطاني (E1)، الذي يعارض آيزنكوت تنفيذه في ظل الظروف الحالية للأسباب التي أشرنا إليها، فيما يراه بينيت ضروريًا لمنع قيام دولة فلسطينية. وهو ما يعني أن هذا التباين يدور حول كلفة وتوقيت تنفيذ المشروع الاستيطاني وسبل إدارته، ويحتّم علينا في الوقت نفسه ضرورة التمييز بين مشروع المعارضة (داخليًا) لتغيير طريقة إدارة الدولة ومؤسساتها، وبين المراهنة على هذا المشروع لقيادة تحوّل في السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.
ثانيًا: معسكر المعارضة وتجربة "حكومة التغيير" السابقة!
تشير خارطة الكتل الحزبية التي تشكّل المعسكر المناهض لحكومة نتنياهو الحالية إلى جملة من الاختلافات الحقيقية بينها، رغم الاتفاق على إسقاط الحكومة الحالية. إذ يضمّ هذا المعسكر طيفًا واسعًا يمتدّ من اليمين القومي (بينيت وليبرمان)، مرورًا بـ"التيار الدولاني" (آيزنكوت)، وصولًا إلى الوسط (يائير لابيد)، وقوى اليسار الصهيوني (يائير غولان)، والقائمة العربية الموحّدة (منصور عباس)، وهو ما يجعل هذه الكتل غير متجانسة ويقلّص من حظوظ الاستقرار حتى لو افترضنا، جدلًا، نجاحها في الوصول إلى سدّة الحكم.
لنأخذ هنا موقف "الوسط" على سبيل المثال، فقد حافظ لابيد خلال السنوات الماضية على تأييده لحل الدولتين، إعلاميًا على الأقل، غير أن مواقفه تغيّرت تبعًا للبيئة السياسية المتشكّلة بعد حرب الإبادة على غزة، والتي تختلف كليًا عن تلك التي سبق أن عمل فيها حينما كان رئيسًا لـ"حكومة التغيير". فقد هاجم "الاعتراف الدولي الأحادي" بالدولة الفلسطينية، واعتبر إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاعتراف بها "خطأً أخلاقيًا وضررًا سياسيًا يكافئ الفلسطينيين بعد أحداث 7 أكتوبر". أما الأجندة التي يقدّمها حزبه "يوجد مستقبل" في الانتخابات الحالية فتتركّز، كما هو الحال بالنسبة لكتل المعارضة، على القضايا الإسرائيلية الداخلية مثل قانون التجنيد، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية، وتحسين مكانة إسرائيل الدولية وغيرها، فيما تحتل المسألة الفلسطينية موقعًا يكاد يكون غير مرئي في أولوياته الحالية.
ثم إن الاختبار الحقيقي لهذه التيارات خلال السنوات الماضية يدفع إلى إسقاط أي رهان على أي تحول في السياسة تجاه الفلسطينيين. فعلى سبيل المثال، تمكّنت تيارات المعارضة عام 2021 من إزاحة نتنياهو عن رئاسة الحكومة بعد 12 عامًا متواصلة، وشكّلت ائتلافًا حكوميًا حينها حمل في الخطاب الإسرائيلي اسم "حكومة التغيير"، ضمّ كتل اليمين والوسط واليسار الصهيوني، وللمرة الأولى حزبًا عربيًا إسلاميًا (الموحدة).
فقد شهدت تلك المرحلة تغيرّات ملموسة في عدد من الملفات المدنية والمؤسساتية الإسرائيلية الداخلية، ومع ذلك، ظلّت القضية الفلسطينية خارج الحسابات، بل وأكثر من ذلك، فقد صادقت "حكومة التغيير"، خلال السنة الأولى فقط، على مخططات لبناء 7292 وحدة استيطانية، بزيادة 26% عن المتوسط السنوي خلال حكومات نتنياهو بين عامي 2012-2020 حينها، كما طرحت عطاءات لبناء 1550 وحدة استيطانية، بزيادة 15% عن المتوسط السنوي للفترة نفسها، فيما استمرت عمليات الهدم والتهجير في الضفة الغربية، والحصار على قطاع غزة بحسب بعض المنظمات الحقوقية الإسرائيلية رغم تعهّداتها بالحفاظ على "الوضع القائم" حينها.
صحيح أن هذه المعطيات لا تقود إلى مساواة حكومة بينيت-لبيد بالحكومة الحالية، ولا يمكن التقليل من حجم وآثار ما قامت به الحكومة الحالية من إبادة في غزة وحرب عدوانية طالت المنطقة برمتها، والصلاحيات التي منحتها لكل من سموتريتش وكاتس، وغالانت سابقًا، وبن غفير في ملفات الاستيطان و"الضمّ" والعسكرة والتهويد والسجون، ودفعها إلى مستوى مؤسساتي وسياسي أكثر تقدمًا، إلّا أن تجربة 2021–2022 توضح حدود "حجم التغيير" الذي يتم تسويق الرهان عليه لحكومات بديلة من تيارات المعارضة عندما يتعلّق الأمر بالقضية الفلسطينية.
بعبارات أخرى، قد يترتّب على هذه الاختلافات بين المعسكرين بعض الآثار العملية التي لا ينبغي تجاهلها، لكن من دون المبالغة المفرطة في ذلك، حيث أن حكومة تخلو من بن غفير وسموتريتش يمكن أن تحُدّ من مستوى الغطاء السياسي الممنوح لجرائم المستوطنين، وقد تُعيد جزءًا من صلاحيات "إدارة الضفة" إلى المؤسسة العسكرية (رغم التغيرات البنيوية في المؤسسة)، وربما المضي بسرعة أبطأ في بعض مشاريع "الضم" الاستيطانية، كما أنها قد تعيد قدرًا أكبر من الاعتبار للحسابات القانونية والدبلوماسية التي تراجع وزنها خلال الحكومة الحالية، غير أن دلالة هذه الخطوات، إن حصلت بالفعل، تقتضي عدم المبالغة في التوقعات، وفي الوقت نفسه، تفرض علينا نقل التحليل والنقاش من المقارنة بين المعارضة والحكومة الحالية، إلى مقارنة أوسع تشمل تاريخ الاحتلال وحكوماته المتعاقبة، والتحولات التي حدثت المجتمع الإسرائيلي بشكل أفقي، والبنية التي تشكلت داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية خلال العقود الثلاثة الماضية على وجه التحديد.
ثالثًا: اليمين أكبر من حكومة اليمين!
قد تختصر هذه المقولة (اليمين أكبر من حكومة اليمين) الكثير من التحليلات، وقد تصف، بدقة، التحولات العميقة التي مرّ بها المجتمع الإسرائيلي اليهودي منذ أكثر من ثلاثة عقود، والتي تعزّزت، بشكلٍ لافت، بعد توقيع اتفاق أوسلو، والانسحاب من قطاع غزة (2005)، كما أنها قادرة على تفسير هيمنة اليمين المستمرة على المشهد السياسي، نسبيًا، منذ قرابة عقدين من الزمن.
ما نقصده من قوله هنا، هو أن وصول سموتريتش وبن غفير إلى مواقع مؤثرة في صياغة السياسات العامة، وهيمنة نتنياهو المستمرة تقريبًا منذ عام 2009 على المشهد السياسي، لم يكن نتيجة لحسابات ائتلافية أو مناورة سياسية قام بها نتنياهو (رغم نجاحه في كثير من الأحيان في ذلك)، بل هو نتيجة حتمية وانعكاس مباشر لتحولات عميقة أوسع طالت بنية المجتمع الإسرائيلي بشكل أفقي، قادته منظمات وجمعيات يمينية بشكل منهجي على مستويات التعليم والثقافة والعسكرة والإيديولوجيا وغيرها. وقد انعكست هذه التحولات في الخارطة الحزبية، وبالتالي على حدود المقبول سياسيًا فيما يتعلّق بالفلسطينيين.
ولأن المادة لا تنشغل في تفسير هذه التحولات، أو أسبابها، حيث تناولتها عدّة دراسات وأبحاث سابقة باستفاضة، سنستعرض هنا بعض المعطيات السريعة التي تؤشر على عمق هذه التحولات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أظهر "مؤشر الصوت الإسرائيلي" الصادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في أيار/مايو 2025، أن 60.4% من اليهود الإسرائيليين يُعرفون أنفسهم "يمين"، مقابل 24.1% "وسط" و13.1% "يسار". من ناحية ثانية، بلغ متوسط نسبة من يُعرفون أنفسهم باليمين خلال الفترة الممتدة من أيار/مايو 2024 إلى أيار/مايو 2025 نحو 58.5%، وفي استطلاع آخر أُجري في خريف 2025 ارتفعت النسبة إلى 63 %.
وعند الانتقال من التعريف الذاتي العام إلى المواقف المتعلّقة بمستقبل القضية الفلسطينية، فإن دلالة هذه التحولات تصبح أكثر وضوحًا، على سبيل المثال، أظهر استطلاع لمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب في حزيران/يونيو 2026، أن 31% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون خيار "ضم الضفة الغربية" بشكلٍ كامل من دون منح الفلسطينيين الجنسية الإسرائيلية، فيما اختار 32% "الانفصال" عن الفلسطينيين. أما بين ناخبي الائتلاف الحاكم، فقد وصلت نسبة مؤيدي "الضم الكامل" من دون حقوق مدنية إلى 50%، وبين ناخبي المعارضة، حصل خيار الانفصال على 40%.
تعطي هذه الاستطلاعات مؤشرًا على توجهات المجتمع وانزياحاته الفكرية والأيديولوجية، وفي الوقت نفسه تفسّر نجاح الحكومة الحالية في إنهاء ولايتها القانونية كاملةً (لأول مرة منذ عام 1988 وللمرة السادسة منذ عام 1949)، رغم كل الأزمات التي عصفت بها، بدءًا من أزمة "الإصلاحات القضائية"، مرورًا بالفشل الأمني-العسكري والسياسي في 7 أكتوبر، والاحتجاجات الشعبية الواسعة خلال حرب الإبادة على غزة، والحروب المستمرة على دول المنطقة وما رافقها من نقاشات واسعة حول تحقيق الأهداف من عدمه، وصولًا إلى تعطيل تشكيل لجنة تحقيق "رسمية" والهجوم على مركّبات "الدولانية" التي كان المساس بها في السابق من المحرّمات في إسرائيل، في وقت كانت فيه واحدة من هذه الأزمات كفيلة بإسقاط الحكومة.
رابعًا: أي إسرائيل متوقعة في حال تغيّرت حكومة اليمين الحالية؟
تكمن إحدى المشكلات المركزية في القراءتين العربية- الفلسطينية للانتخابات الإسرائيلية على افتراض وجود نقطة معيارية مستقرّة لـ "إسرائيل المعتدلة"، أي تلك التي تتصرف بـ "عقلانية"، وقد دفعتها حكومة اليمين وأقصى اليمين الحالية نحو "اللاعقلانية" و"الجنون"، وهو ما يعني، بشكل تلقائي، أنها ستعود إلى نقطتها المعيارية هذه، أي إلى "رشدها" في حال سقطت الحكومة الحالية. في الواقع، تعاني مثل هذه القراءة من قصور واضح، فهي تمنح نتنياهو وسموتريتش وبن غفير موقعًا أكبر من حجمهم في تفسير التحولات الإسرائيلية الداخلية، وتقلل بشكل كبير، من وزن التحولات العميقة في بنية المجتمع الإسرائيلي التي أشرنا إليها، وكذلك من المسارات الاجتماعية والمؤسساتية والأمنية التي سبقت الحكومة الحالية، والتي أفضت في عهدها إلى الإبادة في غزة، واستيطان وعسكرة الفضاء العام في الضفة، تهويد القدس وملاحقة الفلسطينيين في الداخل، إلى جانب الحروب العدوانية التي طالت عددًا من دول المنطقة.
إن هذا القصور يُغفل نجاح إسرائيل على مدار عقود الاحتلال في ترسيخ منظومة السيطرة الأمنية- العسكرية- الاستيطانية على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، وقد ظلّت هذه المنظومة ثابتة من حيث السياسات العامة عبر المراحل السياسية الإسرائيلية المتعدّدة، ولم تتغيّر جذريًا بسبب صعود قوى اليمين أو سقوط قوى اليسار، حيث انحصرت الاختلافات بين هذه المراحل في إدارة هذه عناصر السيطرة وسرعتها، وفي بعض الأحيان، في مستوى العنف المرافق لها والاستعداد لتحمل الكلفة الدولية السياسية مقابل ذلك.
ضمن هذا المنظور، يمكن لهذه الانتخابات، في حال تمكّنت كتل معسكر المعارضة بالفعل من تشكيل الائتلاف وهو أمر غير محسوم بعد، أن تتسبّب بإنهاء عهد هذه الحكومة، التي منحت اليمين الديني والاستيطاني نفوذًا غير مسبوق في أجهزة الدولة والشرطة والسجون ومنظومة "إدارة" الضفة. كما أنها من الممكن تعيد إلى الحكم تيارات وشخصيات من الوسط واليمين واليسار أقل استعدادًا للتصادم الإقليمي ومع الولايات المتحدة وأوروبا، وربما، أكثر رغبة في "إدارة جرائم المستوطنين" وأكثر انتباهًا أكبر إلى الكلفة الدولية لـ "الضم" المتسارع والاستيطان، لكن من دون أن تحمل أي تغيير جوهري في بنية السيطرة الاستيطانية- الأمنية العسكرية المفروضة على الفلسطينيين في أراضي 67. وبالتالي، فإن نتائج هذه الانتخابات، في أحسن حالاتها، ستكون مفصلية في المشهد الإسرائيلي الداخلي، لكنها لن تكون كذلك في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، كون ذلك يتطلّب مشروعًا سياسيًا فلسطينيًا فاعلًا، يفرض إحداث تغيير فعلي في موقع الفلسطينيين ككل في المشروع السياسي الإسرائيلي.
إشكالية النقاش الحالي حول الانتخابات ومخاطره!
تكشف مواقف أبرز قوى المعارضة، إلى جانب التحولات التي أصابت المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته خلال العقود الماضية، هشاشة الرهان على الانتخابات المقبلة وتصويرها كنقطة انعطاف في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، كما أشرنا في المسارات أعلاه، والتي تؤشّر بشكلٍ قاطع، على أن كتل المعارضة تُقدم أسبابًا واسعة ومتماسكة، من منظور ناخبيها الإسرائيليون، لاستبدال الحكومة الحالية، وتتعلّق معظم هذه الأسباب- كما أشرنا- بشكل إدارة الدولة ومؤسساتها وقضايا إسرائيلية داخلية بحتة، أما في القضايا التي تمس الفلسطينيين، فتبدو مساحة الاختلاف أضيق بكثير من تلك التي يوحي بها الاستقطاب الحادّ بين الائتلاف الحالي ومعارضيه.
ومن هذا المنظور، تبرز إشكالية النقاش الفلسطيني-العربي الدائر حاليًا حول الانتخابات الإسرائيلية، والذي يتخذ من حكومة نتنياهو الحالية نقطةً معيارية لقياس "الاعتدال" و"التطرف" في إسرائيل. فكلما اقتصر "خط القياس" على المقارنة مع سموتريتش وبن غفير، اتسعت بالضرورة دائرة من يمكن تقديمهم بوصفهم ممثلين لـ"الوسط" و"الاعتدال".
تكشف مواقف أبرز قوى المعارضة، إلى جانب التحولات التي أصابت المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته خلال العقود الماضية، هشاشة الرهان على الانتخابات المقبلة وتصويرها كنقطة انعطاف في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين
وعند مقارنة آيزنكوت بسموتريتش مثلًا، سيبدو الأول "معتدلًا"، بينما عند مقارنة بينيت ببن غفير سيبدو الأول، ذو التوجهات الاستيطانية القومية، أقرب إلى الوسط. وبالمثل، عند وضع كتلة المعارضة التي تدعو إلى "إدارة أكثر انضباطًا" للاحتلال في مقابل مشروع "الضم المتسارع" للائتلاف الحالي، قد تبدو الأولى وكأنها تمثل تحولًا سياسيًا واسعًا، رغم أن برامج الكتل المكوِّنة لها تتضمن استمرار نظام السيطرة الإسرائيلي الحالي.
من ناحيةٍ ثانية، يقود مثل هذا النقاش إلى فصل حكومة اليمين الحالية عن التحولات الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية الأوسع التي مهّدت لصعودها، وإلى التعامل معها وكأنها "انحراف مؤقت" عن مسار إسرائيلي سائد "أكثر اعتدالًا"، في الوقت الذي تشير فيه كل المعطيات إلى الانزياح الواسع في مركز الثقل الأيديولوجي-الثقافي لصالح تيارات اليمين وأقصى اليمين داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل.
وللتلخيص، تكمن خطورة هذا النقاش، أولًا، في أنه مبني، وبدرجة أساسية، على إفراط في متابعة الاستقطاب الإسرائيلي الداخلي وفق مفاهيمه الداخلية، والذي يتم فيه إعادة إنتاج ثنائيات "اليمين والوسط" و"الاعتدال" بنفس الطريقة التي تُستخدم إسرائيليًا، وبنفس الإحالات السياسية والفكرية والأيديولوجية.
وثانيًا، في تحوّل تغيّر الحكومات في إسرائيل إلى رهان متجدد منذ أكثر من عقد لدى المستوى الرسمي الفلسطيني، وعنصرًا مركزيًا في تصوّره لإمكان استئناف العملية السياسية.
وثالثًا، في أن المستوى الرسمي الفلسطيني لم يعد ينظر إلى الانتخابات الإسرائيلية على أنها متغيّر سياسي ينبغي فهمه والتعامل مع نتائجه أياً كانت، بل تتحول الانتخابات في كل مرة إلى برنامج سياسي مؤجل ينتظر ما ستفرزه النتائج، بدلًا من تبنّي استراتيجية شاملة وفاعلة لمواجهة مشروع السيطرة الاستيطاني-الأمني-العسكري الإسرائيلي، تستند إلى عناصر القوة الفلسطينية الذاتية أولًا، ومن ثم إلى قراءة وإدراك عميقين لتحولات المشروع الصهيوني، وتلك التي أصابت المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته ومواقفه من القضية الفلسطينية ومن موازين القوى الإقليمية والدولية.
اقرأ/ي: الجنرالات التائبون
"سلاح الابتزاز ": حين يُغطي اتهام "معاداة السامية" على الجريمة والإنكار