ومضات حرب

ومضات حرب

جرحى وإجلاء للقتلى بعد قذف من طائرات الأسد على المعارضة بحي ساحور بحلب في يوليو 2016 Photo by Ibrahim Ebu Leys/Anadolu Agency/Getty Images

الموت هو توقف جميع أعضائك عن العمل. هذا المصطلح الشائع بيننا. أما في سوريا فالموت وآثاره مختلفةٌ تمام الاختلاف، الموت هنا قذيفٌة تهدم بيتك فوق رأسك، أو برميلٌ يفقدك حياتك قبل أن ينزل فوقك فزعًا، أو رصاصةٌ مجهولةٌ من مصدرٍ مجهول تقتلك وتقتل كل شيءٍ متصلٌ بالسعادة فيمن بقي خلفك.

سلبتك الحرب تلك القبلة التي لن تجدها بعد الآن

نور بنت العاشرة من عمرها لم يكن موت أخيها رياض حدثًا عابرًا في حياتها، الموت في سوريا يجعل من الأطفال حكماء، أو على الأقل متمثلين للحكمة، كتبت نور على حائط البيت الذي تسكنه وأهلها بعد أن أجبرتهم الحرب على مغادرة بلدتهم: "مات من لا يستحق الموت، ليعيش من لا يستحق الحياة" وأتبعت هذه الجملة بحرف "R" ومن ثم اسمها، عندما رأى أخوها الأكبر هذه العبارة سارع إلى مسحها، رحمةً لدموع أمه التي ما إن تنفرد بنفسها لدقائق معدودة حتى يهطل دمعها كسيلٍ يجرف السعادة الميتة من أرجاء ذلك البيت حزنًا على ولدها الذي اغتالته يد الحرب. واأسفاه عليك يا نور كم كبرّتك الحرب، وكم أدمت مقل والدتك!

أحمد الذي لم يبلغ الخمس سنوات لم يستوعب فكرة الموت على حقيقتها، عندما ذهب مع جدته إلى المقبرة في يوم العيد ليزور قبر أبيه سألها: "ليش حاطين كتير تراب وبلوك فوق البابا هيك ما بيقدر يبوسني". لم يستطع المتواجدون فعل شيءٍ إلا البكاء. واأسفاه عليك يا أحمد سلبتك الحرب تلك القبلة التي لن تجدها بعد الآن.

اقرأ/ي أيضًا: سنوات في المعتقل

عبد الحسيب، مروان، أحمد. إخوةٌ ثلاثة كان طعم موتهم مختلفًا هذه المرة، بعد أن قررت اللصوص -كما هي حالهم على امتداد سوريا- أن يقاسموا أصحاب المحاصيل الزراعية بنصف المحصول في تلك المنطقة، فالأراضي الزراعية لهم، والمحصول لهم، والسوريون ماهم إلا عمالٌ عند آبائهم، ويجب علينا كسوريين أن نشكرهم لأنهم سوف يعطوننا من هذه المحاصيل، صحيحٌ أن المزارع هو من يزرع ويسقي ويجني المحصول لكن اللصوص لهم النصف أو لن يُسمح لك بجنيه، فالمزارع عليه كل المصاريف التي سوف تدفع للمحصول والتي تعتبر من حصته.

الإخوة الثلاثة قرروا تخبئة محصولهم من الفستق الحلبي في جبٍ في بستانهم، وبعد أيامٍ عندما قرروا إخراجه من الجب كانت الطامة الكبرى، نزل الأخ الأول ولم يخرج، نادوه لم يجب تبعه الثاني، نادوه لم يجب أيضًا، الثالث تبعهم بعد محاولة منعه من الحاضرين لكن القدر ومن ثم الحرب أنزلاهُ، المشكلة في الأسفل حدث كان الجب خاليًا من الأكسجين بسبب التفاعلات التي حدثت فيه، وكأن أوراق الشجر التي رُميت مع المحصول بسبب عدم وجود الضوء سحبت الأكسجين وطرحت ثاني أوكسيد الكربون، وفارق الأخوة الثلاثة الحياة.

اقرأ/ي أيضًا: علي حبيب.. بطل الحل الانتقالي في"سوريا الأسد"

أهل تلك البلدة حزنوا جميعهم على الفيسبوك وشاركوا صور الموتى، لكنهم على الأرض لم يحركوا ساكنًا ومازالوا يعطون اللصوص نصف محاصيلهم. واأسفاه على أهليكم كم سيموتون كل يومٍ حزنًا عليكم.

جعفر البالغ من عمره اثنين وثلاثين عامًا وأولاده الأربعة لم يصدقوا إلى اليوم فكرة موت أخيه الأصغر، والذي مات بعد أن انفجر فيه أحد الألغام الذي لم يعرف زارعه، أولاده كلما اتصلوا بجدتهم يقولون لها في آخر الاتصال "سلمي على عمي ماهر" تجهش الجدة بالبكاء، وينظر جعفر إلى قلبه الذي يساوي سرعة نبضه في تلك الثانية سرعة طائرةٍ تتشوق لقتل الأبرياء، يرى قلبه رافضًا لفكرة موت أخيه الذي لم يره حين دفنه لأنه وأولاده خارج بلدتهم بعد أن أُجبِر على الخروج. واأسفاه عليك يا جعفر وعلى أولادك وأمك كم عذبتكم الحرب.

"الموت واحد" لكن المشكلة تكمن في الأسباب، أن تموت على فراشك بلا قصف أو رصاصة لم يعرف مصدرها أو برميلٍ أو.. أمر أخف وطأةً على نفس أهلك. الموت لن ينتهي إلى أن تقوم الساعة ويدخل أهل الجنة جنتهم وأهل النار إلى النار، وعلى هذه الأرض لن ينتهي الحزن، ولن تنتهي المآسي.

اقرأ/ي أيضًا:
الجولاني ينفصل عن القاعدة: إلى أين؟
الدم أكثر كثافة من الماء