ultracheck
  1. ثقافة
  2. فنون

وليد عوني.. من بائع ورد إلى رائد الرقص المعاصر في الوطن العربي

17 سبتمبر 2025
وليد عوني (شبكات تواصل اجتماعي)
وليد عوني (شبكات تواصل اجتماعي)
سحر عزازيسحر عزازي

وُلد في بيتٍ تنبض جدرانه بالفن؛ أبٌ رسام وأمٌ كاتبة، فتشرب منذ طفولته شغف الأدب والفنون. ومع اندلاع الحرب اللبنانية، وجد وليد عوني نفسه مضطرًا للرحيل، تاركًا وطنه ليبدأ فصلًا جديدًا عنوانه المجهول برفقة أحد أساتذته. هكذا خطّ أولى خطواته في بروكسل، حيث عاش شابًا مغتربًا يبيع الورود في شوارع العاصمة الباردة، بينما يدرس في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة.

هناك، وسط ضجيج المدينة وصقيعها، حيث يبيع وروده، التقى صدفة بمصصم الرقصات الفرنسي موريس بيجار، الذي اشترى منه. كان لقاءً عابرًا، بدأ بوردةٍ وانتهى بفتح أبواب عالم جديد. دعاه بيجار لمشاهدة أحد عروضه، فانبهر وليد بعالم الرقص المعاصر، وبالموسيقى والديكور الممزوجين بتأثيرات الثقافة الإيرانية التي حملها بيجار معه بعد عودته من طهران وإشهاره إسلامه. يروي عوني: "أُعجبت بالصورة المتحركة الصامتة التي شاهدتها لأول مرة، وقررت في تلك اللحظة أن أصبح مثله."

ومن تلك اللحظة، بدأت الحكاية التي ستقوده بعد سنواتٍ إلى مصر، ليؤسس عام 1993 أول فرقة للرقص المعاصر في العالم العربي، بدعم من وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني.

التقى صدفة بمصصم الرقصات الفرنسي موريس بيجار، الذي اشترى منه. كان لقاءً عابرًا، بدأ بوردةٍ وانتهى بفتح أبواب عالم جديد. دعاه بيجار لمشاهدة أحد عروضه، فانبهر وليد بعالم الرقص المعاصر

يتذكر "عوني" طفولته، حيث كان الفن حاضرًا فيها، يقول إنه تعلّم أساسيات الرسم من والده، وتأثر بالكتابات الرومانسية لوالدته التي غادرت الحياة وهو في الثالثة من عمره، فمزج بين ريشة والده وحروف أمه.

من فنان تشكيلي إلى مصمم رقصات

ظل – لمدة عام كامل – يتعلم عوني الرقص المعاصر ويرسم لوحات تعبّر عن عروض بيجار الأب الروحي له، ورتب القدر لهما مقابلة أخرى، ففي هذه المرة كان يجلس وليد أو "ليدو" كما كان ينادونه هناك، يبيع لوحاته ولفت نظر بيجار أنها تعبّر عن عروضه وتروي تفاصيلها، فأخبره الشاب العربي أن تلك العروض كانت السبب وراء تغيير حياته وتعديل مساره واختيار الرقص المعاصر عن الفن التشكيلي، فدعاه لزيارته مرة أخرى في مكتبه واشترى منه جميع اللوحات التي كان عددها 200 لوحة تقريبًا، وطلب منه الانضمام لمدرسته دون مقابل ، ومن هنا تحول وليد عوني من الفنان التشكيلي إلى مصمم رقصات.

بائع الورد.. مؤسس أول فرقة للرقص في الوطن العربي

لم تكن رحلة عوني مفترشة بالورود التي كان يبيعها، بل واجه العديد من الصعوبات قبل الانتقال للمرحلة الأهم في حياته باستقراره في مصر منذ التسعينيات وحتى الآن، بل ظلّ لسنواتٍ يكافح، إذ عمل في العديد من المهن التي بدأت برعاية الأطفال وتنظيف البيوت وصولًا لغسل الأطباق وبعدها بائع ورد في شوارع بروكسيل، إلى مساعد المصمم العالمي بيجار ثم مؤسس لفرقة التانيت للرقص المسرحي ببلجيكا في الثمانينيات، وبعدها جاء ليؤسس واحدة من أهم الفرقة الفنية حاليًّا بمصر والتي أحدثت نقلة نوعية في شكل الفن في التسعينيات وتعد أول فرقة تعترف بها جهة رسمية في الوطن العربي وهي وزارة الثقافة المصرية، حيث قدم عروضًا تعرّض لانتقاداتٍ لاذعة بسببها، لعدم تقبلهم لهذا النوع من الفن في البداية، إلى أن أشاد به الجميع بعد ذلك.

يقول عوني، إنه تنقّل بين أقسام الأكاديمية الملكية للفنون في بروكسل، فدرس الديكور والهندسة وتصميم الملابس والإضاءة وغيرها على مدار سبع سنوات، في محاولة للبقاء وتجديد إقامته حتى انتهاء الحرب اللبنانية. وقد انعكس هذا التنوع الدراسي على أعماله لاحقًا، إذ منحه خبرة واسعة في مختلف عناصر العرض المسرحي من الرقصات والديكور إلى الإضاءة. ويقول عوني: "تلك الدراسة جعلت بيجار يُسند إليّ تصميم ديكور أحد عروضه، وكان بعنوان "قصة جندي"، وكان ذلك نقلة مهمة في حياتي، إذ تناولتني الصحف وقتها بالحديث وبدأت شهرتي في الانتشار، ثم أصبحت مساعده الخاص"، وبعد سنواتٍ جاء إلى مصر ليسطر اسمه من ذهب بتأسيس أول فرقة للرقص المعاصر.

ثلاثة عقود على تأسيس فرقة الرقص المعاصر 

32 عامًا مرّت على تأسيس فرقة الرقص المعاصر الحديث، التي قدّمت خلال ثلاثة عقود أكثر من 34 عرضًا فنيًّا، بينها أربعة عروض كرّست للقضية الفلسطينية، ذلك الجرح المفتوح الذي لا يزال ينزف حتى اليوم. 

في كانون الأول/ديسمبر 2023، جمعت الفرقة مشاهد من أبرز عروضها في عمل واحد بعنوان "كي لا تتبخر الأرض"، على خشبة دار الأوبرا المصرية، بقيادة مؤسسها ومديرها وليد عوني، تزامنًا مع العدوان على غزة، لتؤكد الفرقة استمرارها في الدفاع عن القضية الفلسطينية عبر الفن.

"كي لا تتبخر الأرض".. القضية على المسرح

اختار عوني أن يكون عرض "كي لا تتبخر الأرض" خلاصة مسيرته الفنية الممتدة منذ 1993، مجسدًا فيه تطور المجتمع وتاريخه الحضاري، مع إبراز القضية الفلسطينية كقضية محورية. يقول: "نعيش في قضية جارحة ليس لها مهرب أو مخرج، وتربينا عليها لأنها القضية الوحيدة في الشرق الأوسط. كل ما قدّمته في عروضي السابقة عن فلسطين كان تمهيدًا لما يحدث الآن، لكن لم ينتبه أحد."

قدّم أول عروضه عن فلسطين عام 1998 بعنوان "أغنية الحيتان" أو "بكاء الحيتان" بمناسبة مرور خمسين عامًا على النكبة، ثم "تحت الأرض" 2002 عن أطفال الحجارة، و"فيروز هل زرفت عيونك دمعًا؟ 2006 عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان وتدمير الضاحية الجنوبية، و"لو تكلمت الغيوم "2007" عن الجدار العازل في فلسطين والضفة الغربية.

اختار عوني أن يكون عرض "كي لا تتبخر الأرض" خلاصة مسيرته الفنية الممتدة منذ 1993، مجسدًا فيه تطور المجتمع وتاريخه الحضاري، مع إبراز القضية الفلسطينية كقضية محورية

يرى عوني، أن عرضه الأخير أعاد صياغة تلك العروض في رؤية واحدة تعكس ما يحدث في غزة اليوم من وحشية المحتل: "منذ 25 سنة قدّمت عرضًا عن النكبة ولم ينتبه أحد، لأننا لم نشعر وقتها بحجم المأساة. الآن، مع السوشيال ميديا، باتت الكرة الأرضية كلها ترى فلسطين والحقيقة لم تعد مخفية".

الفن في مواجهة القضايا السياسية

لم يكن طرح القضايا السياسية في أعماله أمرًا جديدًا؛ فقد بدأه منذ وجوده في بلجيكا، حيث تناول الحرب اللبنانية، القصف الذري على هيروشيما، الحرب العالمية الثانية، وقضايا أخرى، معتبرًا أن هذه الأحداث كلها كانت تمهيدًا لما نعيشه اليوم. يضيف: "حتى الثورة الإسلامية في إيران، واجتياح الكويت والعراق، وتفتيت الوطن العربي من لبنان وسوريا إلى ليبيا، كلها كانت أجراس إنذار لما يحدث الآن."

واجه عوني في بداياته رفضًا لتوظيف الرقص في مناقشة السياسة، لكنه كان يرى أن الفن بمختلف أنواعه كالسينما والفن التشكيلي والأدب، قادر على نقل أوجاع المجتمع: "قالوا لي: ما علاقة الرقص بالسياسة؟ لكنني كنت أؤمن أنه لغة صامتة توثق قضايا الناس بطريقتها الخاصة".

الغربة والانتماء

رغم إقامته في مصر منذ أوائل التسعينيات، ما زال وليد عوني يحمل الجنسية اللبنانية، وهو أمر يحزنه كثيرًا: "أشعر أنني مصري، وأحزن حين يكتبون اسمي مسبوقًا بصفة اللبناني. الانتماء ليس بالورق، بل بالأرض التي فتحت لك أبوابها. حين كنت في بلجيكا كنت بلجيكيًا، وحين جئت إلى مصر التي منحتني فضاء الإبداع والشهرة، أصبحت مصريًّا."

درس عوني الحضارة المصرية وشارك في تمثيلها بالمحافل الدولية، وحصد الجوائز باسمها، لكنه لم يحصل بعد على الجنسية التي يعتبرها حلمًا شخصيًّا. يضيف: "حتى قبل أن آتي إلى مصر وأنا طفل كنت مهمومًا بها. كنت أرسم مشاهد العدوان الثلاثي بعد أن أسمع الأخبار عبر الراديو، ووالدي قال إنه كان ينوي إرسالي للأزهر لتعلم العربية والقرآن. كانت مصر وطني حتى قبل أن تطأ قدماي أرضها".

بهذا المزج بين الفن والتاريخ والذاكرة الشخصية، يظل وليد عوني أحد أبرز الوجوه التي غيّرت شكل الحركة الفنية في مصر والعالم العربي، ليحوّل معاناته الشخصية واغترابه إلى أعمال مسرحية خالدة، ويثبت أن الرقص المعاصر ليس مجرد حركات جسدية، بل لغة قادرة على مواجهة القبح وتوثيق الذاكرة الجماعية.

كلمات مفتاحية
tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd-1.png

القامبوس والدّان.. كيف أطرب المهاجرون الحضارم بأغانيهم آسيا وأفريقيا؟

حضور المطربين المهاجرين الحضارم على خارطة الغناء

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.jpg

مئوية أمين ريّان.. الصامت الذي ملأ حياتنا صخبًا

عن مئوية الأديب والرسّام المصري أمين ريّان

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

صلاح جاهين على خشبة المسرح القومي.. سيرة تُحكى وتُغنّى

مراجعة عرض صلاح جاهين على خشبة المسرح القومي

غارة إسرائيلية
سياق متصل

إنذارات إسرائيلية تتوسّع في جنوب لبنان وغارات تُوقِع إصابات وتدمّر مباني

هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء اليوم قرى قناريت والكفور وجرجوع والخرايب وأنصار في جنوب لبنان

ترامب وكاروني
سياق متصل

الجيش الكندي يحاكي سيناريو اجتياح أميركي محتمل

كشفت تقارير صحفية أن القوات المسلحة الكندية أجرت عمليات محاكاة وتدريبات على سيناريو اجتياح أميركي محتمل

غزة
سياق متصل

شهداء بينهم صحفيون في تصعيد إسرائيلي على غزة

استشهد 11 فلسطينيًا على الأقل، بينهم ثلاثة صحفيين، جراء سلسلة استهدافات شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في قطاع غزة

صورة تعبيرية
علوم

ذكاء اصطناعي يقيّم الألم: خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية

في خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية، ابتكر فريق من الباحثين نظامًا يجمع بين الكاميرا وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتقييم شدة الألم لدى المرضى أثناء العمليات الجراحية