ولحبك.. كذبت

ولحبك.. كذبت

شينغ كي/ الصين

الكاتبة مي مانغ (1976) في إقليم "سيتشوان" الصيني، درست في جامعة "شاندونغ" واهتمت بدراسة الفلسفة. بحلول عام 2002 عملت كرئيس تحرير لمجلة "جنوب شنتشن" اليومية، وصدر لها عام 2010 أفضل قصصها مثل "أنا والبائسة"، كما نشرت لها مجموعات قصصية أخرى منها "دب ذو خمس أعوام علمني شيئًا ما". 


أدعى دايو، وإن سألتني ما هي أكثر اللحظات درامية في الحياة؟
سأجيبك، بأنها الآن..
كنت أوصل الزبائن بعملي سائقًا خاصًا. فكانت لين حبيبتي السابقة التي لم أرها منذ أعوامٍ مضت.
وفي تلك اللحظة، بادرتها قائًلا "صدفة سعيدة"، فردت "بالتأكيد".
لم تخبرني لين عن وجهتها، لذا سألتها، إلى أين؟
صمتت للحظاتٍ، وقالت مصلحة الشؤون المدنية.
حسنًا، الآن هي اللحظة الأكثر درامية في حياتي.
*

بعد تحرك السيارة، سألتها متظاهرًا باللامبالاة، هل تعملين بمصلحة الشؤون المدنية.
فردت لين، كلا. 
صمت لبرهةٍ فسألتها، إذًا أستطلقين؟
فقالت، بل سأتزوج.
حل عليّ الصمت وبقيت منتظرًا لفترةٍ طويلة، آملًا بأن تردف كلامها بـ"كذبت عليك"، ولكنها لم تفعل شعرت بالمرارة، فمنذ آخر لقاء لنا، كان زوجها يجب أن يكون أنا لا أحدٍ غيري.
أول ما التقيت بها كانت بحفلٍ تجلس في إحدى الزوايا، بعيونٍ لوزية مُكحلة، لم تكن بالجمال الفاتن، ولكن عندما سرحت في عينيها، رأيت قدرنا معا فيهما، نتواعد، فنتقابل، فنتزوج فننجب أطفالًا يهرمون. كانت حبي منذ أول نظرة..
وهكذا كان الحب منذ النظرة الأولى، فمنذ أول لقاء لنا، نسجت في خيالي حياةً تنقضي معها. لذا ذهبت إليها سائلًا، لما تجلسين هنا؟
أجابتني لين، بهمسات يغمرها الحزن، في ساقيَّ عيوب خلقية لذا لا يمكنني الوقوف.
لم أعتقد بأن جوابها كان حقيقيًا، لكن لم أعرف كيف أفصح عما يدور بداخلي. وعندما رأت منظري خجلًا، قالت بابتسامة خبيثة، كذبت عليك.
تفاجأت قائلًا، ها..؟
فاستطردت لين، في الحقيقة حبيبي السابق يرقص على المسرح، وأنا هنا جالسة لأتخفى منه.
نظرت بدافع من الغيرة لمن على المسرح فإذ بشباب يرقصون بحماس، فاستطردت لين مجددًا قائلًة، كذبت عليك.
فتعجبت.. ها!!؟ 
ارتفعت قهقهات لين عاليًا وأردفت، أجلس هنا لأنني جالسًة هنا، لا يوجد سببٌ لهذا، وأنت لما تقف هنا؟
كنت كالأبله واقفًا أمامها، تعتريني حُمرة الخجل فبادرتها... أنا هنا لأنى معجبٌ بكِ!!
لم تضحك لين، فقط رمَقتني بعينيها.. أصابني الحرج كأخرقٍ فوددت وقتها بأن أهرب من أمامها، لكنها بادرت بالحديث قائلًة.. فلنبقى سويًا.
لزمت الصمت كثيرًا، ولم أكن في انتظار كلمتها "كذبت عليك". فسألتها، هل نسيتِ أن تقولي شيئًا بعد جملتك تلك؟
لم تتفوه لين بشيء، مجرد قبلتني، وهكذا أصبحنا سويًا.

مُجملًا كنا كباقي العشاق، نتواعد، نتشاجر ونتصالح. ولكن في باقي الأمور لم نكن مثلهم تمامًا، فلم أكذب أبدًا على لين، أما هي فكانت تكذب مازحًة معي. بدأت أعرف ما يجب علي القيام به، وببطء أيضًا اعتدت على سجيتها.
ذات يوم، أخبرتني بأنها تريد أن تسافر للخارج، ويمكننا بأن نحظى بعلاقة خاصة من نوعية العلاقة بعيدة المسافة. دون أن أناقشها مددت لها يد العون.. نعم أعرف بأنك تكذبين.. 
ظلت ولنصف يوم لا تتفوه بشيء، نظرت أخيرًا إلى عينيها فإذ بالدموع محبوسة بهما.. هذه المرة لم تكن كاذبة..
بسبب ظروف وظيفة لين، احتاجت السفر للخارج، لم يكن هناك تاريخ مؤكد لعودتها، ربما تعود بعد عام.. ربما بعد عامين.. وربما بعد أعوامٍ عديدة.
عقب قرارها بالسفر إلى الخارج، أصبحت قلقًة قليلًا. فعندما كنت استيقظ ليلًا، كنت أراها ترمق وجهي بعينيها.
أسألها، أهناك شيء؟
فتجيبني، لم أستطع النوم. فأنظر إليها بصمت مدقع.
تبادرني بابتسامتها وتقول، كذبت عليك، ليس لأني لا أستطيع النوم، ولكن لأنتهز الفرصة لأشبع من رؤيتك.
كنت لا أدري كيف أهدئها. أمسكت يدها هامسًا لها، سأنتظر عودتك لنتزوج.
ردت لين، لا أريد ذلك..
سألتها بقليلٍ من الإحباط، ولم لا؟
فقالت لين، عند لحظة الفراق تُصاب عقولنا بُحمى الوعود لمجرد الشعور بالطمأنينة، وهو ما يجعلها بلا جدية أو جدوى. ثم بادرتني قائلة، فلنفترق!
سألتها مندهشًا، لم!؟
فضحكت وعدلت من جلستها قائلًة، أنا لا أدري متى سأعود مجددًا؟ وأخشى من أن أؤخرك في أن تنشئ أسرتك.
رافقتها إلى المطار، وأخبرتها بأنى سأنتظر عودتها مجددًا. فقالت لي لين، أنتظر عودتي، فعندما سنلتقي مجددًا سنتزوج.
اندهشت قليلًا  فقلت، لكنك في المرة السابقة اخبرتني بوضوح بأنك لن تتزوجيني!
كذبت عليك.
- فأي جملة تقصدين بمزحك هذا؟
ابتسمت لين وقالت، انتظر للقائنا القادم، وقتها سأخبرك.

لم أكترث إن كانت تكذب أم لا، فدائمًا كنت في انتظارها. مضى الوقت، توفي والدي بعد معاناة من المرض وانهارت أسرتي ولم يكن هناك عائل لهم إلا سواي. وبين انشغالي وإرهاقي وفرق التوقيت بيننا، انقطع الاتصال من بيننا تدريجيًا. سمعت بعودتها مجددًا للبلاد وبسفرها أيضًا مجددًا، وهكذا لم نلتق مرة أخرى. وكان وفق ما تعاهدنا عليه سويًا، بأن نتزوج عندما نلتقى مجددًا؛ أما الآن فها هي في طريقها للزواج بآخر..
ابتسمت قليلًا، فيبدو أن عند لحظة الفراق تُصاب عقولنا بُحمى الوعود لمجرد الشعور بالطمأنينة وهو ما يجعلها بلا جدية أو جدوى.  
وفي السيارة سألتها، كيف كان حالك طوال هذه الأعوام؟
ابتسمت لين وقالت، بخير.. وماذا عنك؟
فأجبتها، بخير، فأنا أيضًا أنوي الزواج.
وبانتهاء كلماتي، كنت أتذكر وقع كلمتها "كذبت عليك"، فلا أجد سوى وقع أنفاسها يتكرر مرارًا وتكرارًا ثم لا شيء.
وقفت بالسيارة أمام باب مصلحة الشؤون المدنية، واكتفيت بأن أقول لها، أتمنى لكِ السعادة. 
هزت لين رأسها، وقالت، أعرف ولك أيضًا.
نظرت إلى ظهر لين بينما تتباعد عني بخطواتها لتدخل مكتب الشؤون المدنية.
أعتقد، بأن ذلك الإحساس، هو أخيرًا نهايتنا..
*

أدعي لين، صعدت إلى السيارة، فرأيت دايو.
دايو، أخبرني بأنها صدفة سعيدة، فرددت عليه بالتأكيد هي كذلك.
صدفة! وأي صدفة هي تلك، فمنذ عودتي إلى البلاد من الخارج، وأنا أتخبط من مكان لأخر مُستفسرةً عنه. وأخيرًا عرفت بأخباره وبعد مراقبة باب منزله، ها أنا الآن في سيارته.
دايو، كان حبيبي السابق. وأنا أثق به جدًا. لكن وبسبب ظروف عملي اضطرت للسفر إلى الخارج، وعندما تركته لم أجرؤ على تأخيره، لذلك افترقنا.
لطالما هدأني دايو قائلًا بأنه سينتظرني. لم أدر لما كان يقول مثل تلك الوعود، لكني.. كنت أثق به.
مرت أعوام ولم نلتق، لكني كنت على ثقة به.. على ثقة بأنه ما زال في انتظاري.. كان على حبنا أن يستمر..
اليوم، هو أول مرة نلتقي بعد أن افترقنا. ووفق لاتفاقنا الأخير، يجب أن نذهب الآن لنتزوج.
وبعد أن صعدت للسيارة، أخبرته بأن يتجه لمصلحة الشؤون المدنية لأنني سأتزوج. 
فكرت كثيرًا، افترضت أسئلته.. وفكرت جيدًا في إجاباتي.
افترضت إن سألني بمن ستتزوجين؟ كنت سأجيبه أنت!
افترضت إن سألني إن كان ما بيننا قد تعقد أم لا؟ كنت سأجيبه فلنتزوج!
افترضت إن سألني أي جملة كنت أقصدها بمزاحي عندما تحدثنا أخر مرة؟ كنت سأستخدم عقد زواجنا لأخبره بأنني قصدت الزواج به!!
في النهاية سألني كيف كنت طوال تلك الأعوام؟ فأخبرته بأني كنت على ما يرام. وسألته ماذا عنه؟
فقال بأنه كان بخير، وبأنه ينوي الزواج أيضًا.
هكذا كان الأمر، وهكذا كان يريد الزواج، وهكذا لم يكن أبدًا في انتظاري. 
ابتسمت، فيبدو أن عند لحظة الفراق تُصاب عقولنا بُحمى الوعود لمجرد الشعور بالطمأنينة وهو ما يجعلها بلا جدية أو جدوى.
 فقلت له.. هذا أمر جيد..
فبعض الناس يكذبون.. لعدم اكتراثهم بك
والبعض الآخر يكذب.. لكامل مراعاتهم لك
ولخواء قلبك نحوي.. لم تجرؤ على قولها
قل أُحبك 
وأخاف من حبي، أن يفضحني أمامك
وأخاف على حبي، ألا يكون له مكان عندك
وعند فراقنا، قال دايو أتمنى لكِ السعادة. قلت، ولك أيضًا. وبانتهاء حديثنا، كنت من كامل قلبي أكذب عليه. 
أعتقد، بأن ذلك الإحساس، هو أخيرًا نهايتنا..

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

كل ما يحدث في غيابك

محاولة في الحياة