وقف إطلاق النار في السويداء.. هدنة هشة تحت الضغط
20 يوليو 2025
تَضَعُ أحداث السويداء، وقبْلها أحداث الساحل، الدولة السورية على مفترق طرق. فإما أن تُثبت أنّها دولة لجميع مواطنيها أو أن تتعرض تجربة ما بعد إسقاط نظام الأسد للإخفاق، بحيث تعود الهويات الطائفية إلى الصعود من جديد. وفي هذه الحالة ستستغل الأطراف الخارجية، وعلى رأسها إسرائيل الوضع، في الدفع بمشروع تقسيم سوريا قدُمًا، أو في أبسط الحالات استغلال ضعف التماسك الداخلي السوري، في إنشاء منطقة نفوذ كبيرة لها داخل سوريا، وبالتحديد في جنوب البلاد.
تعدّ قضية المحاسبة على الانتهاكات قضيةً مفصلية لاستعادة الثقة بالدولة والحكومة السورية الحالية
توقف العمليات القتالية في السويداء
أعلنت الحكومة السورية، في وقت متأخر من ليل السبت، على لسان المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أنّ مدينة السويداء باتت خالية من جميع مقاتلي الفصائل العشائرية، كما أكّدت الداخلية السورية أنّ الاشتباكات في أحياء السويداء توقفت، وأنّ القوات الحكومية أعادت الانتشار في المنطقة.
وقبل إخلاء المدينة من مقاتلي العشائر وتوقف الاشتباكات داخل أحيائها، أعلنت وزارة الصحة السورية عن تحريك قافلة طبية إغاثية نحو محافظة السويداء، من أجل تقديم الخدمات الصحية التي أوشكت على الانهيار في المدينة. وتكونت القافلة الطبية من 20 سيارة إسعاف مجهزة بالكامل إلى جانب فرق طبية مكتملة، وكميات كبيرة من الأدوية.
وأكد المتحدث باسم الداخلية السورية أن "الدولة بكل مؤسساتها السياسية والأمنية ماضية في مساعيها لاستعادة الأمن والاستقرار في السويداء، وستسخّر قوى الأمن كل طاقاتها سعيًا لوقف الاعتداءات وحالة الاقتتال وإعادة الاستقرار إلى المحافظة".
هل يصمد الاتفاق؟
حَدّد اتفاق وقف إطلاق النار مدة 48 ساعة لفض الاشتباكات في محافظة السويداء. وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن في كلمته التي ألقاها أمس السبت، أنه تم التوصل إلى اتفاق فوري وشامل لإطلاق النار، بالإضافة إلى التأكيد على التزامه بحماية الأقليات، ومحاسبة المنتهكين من أي طرف.
تعدّ قضية المحاسبة على الانتهاكات قضيةً مفصلية لاستعادة الثقة بالدولة والحكومة السورية الحالية. وفي هذا الصدد يرى مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني، أن "المحاسبة لا بد أن تكون علنية كي يستعيد المجتمع ثقته بالأجهزة الأمنية"، ويعتقد عبد الغني أنّ التشديد على المحاسبة يجب أن يأخذ حيزًا واسعًا من الخطاب الإعلام يالحكومي إلى جانب مكافحة وتجريم الخطاب الطائفي الذي يوتّر الأجواء، ويهدد بانزلاق سوريا إلى مربع الاحتراب الطائفي.
ومن دون المحاسبة، ومن دون استراتيجيةٍ ناجعة في مكافحة الخطاب الطائفي، يعتقد عبد الغني أن اتفاق وقف إطلاق النار سيكون هشًّا ولن يصمد أمام أوّل تحدٍّ حقيقي.
ولذلك يجب أن تكون البداية في مشوار المحاسبة مع عناصر القوات الحكومية الذين ثبت بالدليل أنهم تورطوا في أعمال عنفٍ وإذلالٍ موثقة بالصوت والصورة، بحيث يمكن أن تُعيّن لجنة تحقيق وتأمر بفصلهم على أن يُعلن ذلك في الإعلام.
وفيما يخص الذين طالبوا إسرائيل بالتدخل، يرى عبد الغني أنه يمكن "إصدار مذكرات بحق هؤلاء بسبب الخيانة. ثم محاسبة البدو الذين أحرقوا ونهبوا وارتكبوا انتهاكات بالسويداء، وكذلك محاسبة مجلس السويداء العسكري لأنه قتل من الأمن والجيش ومن البدو".
يشار إلى أنّ المواجهات في السويداء أسفرت عن مقتل العشرات بالتزامن مع دخول القوات الحكومية إلى المدينة، وبعد انسحابها منها قامت الفصائل الدرزية المسلحة بأعمال انتقامية طالت بدو السويداء الذين قُتل العديد منهم، وقد دفع ذلك مقاتلي العشائر إلى التدخل وخوض مواجهات دامية مع الفصائل في السويداء.
وفي هذا السياق، دعا وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، على حسابه في منصة إكس، السلطات السورية إلى "محاسبة أي شخص مذنب بارتكاب الفظائع وتقديمه إلى العدالة، بمن فيهم من هم في صفوفها".
وحمّل روبيو، في منشوره المطوّل عن سوريا، الحكومة السورية القسط الأكبر من المسؤولية عما وقع في السويداء خلال الأيام الماضية. وطالب روبيو في منشوره الحكومة السورية بمنع من أسماهم "المتطرفين والجهاديين" من الدخول إلى محافظة السويداء، وإلى التحقيق "في حالات الاغتصاب والمجازر التي وقعت، حفاظًا على فرصة البلاد في أن تتوحّد".
وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، التقى أمس السبت في عمّان كلّا من وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي، ووصف برّاك وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين دمشق وتل أبيب بـ"الإنجاز الكبير".
تحويل المحنة إلى فرصة
أمام الحكومة السورية فرصة جديدة لتلافي الأخطاء التي وقعت فيها، فقد تبيّن، بما لا يدع مجال للشك، أنها لم تنجح بعد في نيل ثقة كلّ السوريين، وأنّ طريقة تعاملها مع الشأن الداخلي السوري لا تزال غير ناجعة مقارنةً بأدائها الخارجي. ولعل أبرز تحدّ داخلي يواجه هذه الحكومة يكمن في أنها غير منفتحة على الشراكة الحقيقية، في إدارة البلاد، مع مختلف مكونات الطيف السوري، إذ لا تزال بقية مكونات المشهد السوري غير ممثّلة في الحكومة بالشكل الكافي.
ويبرز تحدٍّ آخر على مستوى بناء القوة الصلبة للدولة ممثلة في الجيش وقوى الأمن، فثمة حاجة ماسة، حسب تقدير موقف للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إلى بناء "جهاز أمن داخلي وجيش بعقيدة دولة، عقيدة رسمية، لا عقيدة جماعة تسيطر على الدولة، وقوى حفظ نظام تُعامل السوريين بوصفهم مواطنين من دون تمييز بموجب الانتماء المذهبي أو الطائفي أو على أساس الجنس، إضافةً إلى عجز الإدارة السورية عن ضبط سلوكيات الفصائل المسلحة التي تتصرف باسمها أو ترتبط بها".