وقت من أجل الضجر

وقت من أجل الضجر

خالد تكريتي/ سوريا

وأنتَ أيضًا تفكر بأشياء كثيرة حولك. وهذا وعادي وشائع ومبتذل. لكن أن تفكر بأحشائك.. فهذا يعني أنك قنبلة موقوتة، وإذا لم تمت حتى الآن، فلأنك بكل بساطة قنبلة معطوبة، أو قنبلة مصابة بالبلل في أضيق الأحوال. لا تنس.. فالزائدة الدودية صاعق أبدي ويمكن أن تنفجر في أية لحظة، وتحيلك إلى جثة باردة، ثم وداعًا.. نراك قريبًا!

 وتستمر الدبابات تحرث الحقول والبساتين يقودها أبناء الفلاحين

والانفجار بالبكاء أو بالضحك أو الغيظ.. هو مجرد تمارين على الانفجار ذاته، لا على الكركرة أو الدموع أو الغضب. من الانفجار الكبير.. جئنا. من ذلك الـ"بيغ بانغ" الهائل. جميعنا.. شظايا.
الضجر! لدرجة أنه لا معنى حقيقيًا لـ"حرير الضجر" الذي كان الشاعر الفلسطيني محمود درويش يتحدث عنه ويتمناه. ربما لأنه شعبه كان مشغولًا بالموت.. أو ربما لم لم يعد يقوى على معاينة الفلسطينيين المتساقطين واحدًا تلو الآخر في بئر الغياب. البئر التي تفوح منها رائحة القتل والبارود والدموع القديمة.

الضجر.. لدرجة أن "ستاتوس" قديم لصديق فيسبوكي ما يزال يحرر طاقة كثيفة في السؤال عن جدوى العمل والمواظبة على جحيم الشهيق والزفير. جاء في ذلك الستاتوس: "مالل لدرجة أنه جاي على بالي أضيف حالي على قائمة أصدقائي على الفيسبوك، وأبعت لحالي رسالة أكتب فيها: ممكن نتعرف؟ وبعدها أرد على حالي: لأ.. مو ممكن. وأرجع أبعت رسالة لحالي: على شو شايف حالك؟ وبعدها وبدون ما أرد.. أقوم أعمل نقفة دين بلوك لحالي، وأرتاح!".

اقرأ/ي أيضا للكاتب: هل توجد طبقة رجال دين في الإسلام؟

والضجر لا يعني أنه ليس لدى للمرء ما يفعله، فقد يضجر الواحد من عمله وعاداته اليومية. عندما تملأ الاستثناءات والغرائب والطرائف صفحات الأخبار وأفلام اليوتيوب. عندما يصير الموت رتيبًا، عاديًا ومألوفًا ويوميًا. ثم الشعور بالعجز أمام الدبابات وبنادق الإخوة المتحاربين.

والضجر لا يأتي من الفراغ. من كومة الوقت التي تأخرك عن الذهاب إلى المطبخ لغلي القهوة، ولا من قلة العمل، بل من التقاعس والكسل والروتين. من الذهاب الأبدي إلى المدرسة.. والضحكة المصطنعة على النكتة القديمة. من المجاملات. من طريقة المذيع أحمد منصور وهو يوبّخ جمال عبد الناصر في كل مناسبة. من ألعاب فيصل القاسم المكشوفة وتطاوله على ضيوفه وخصومه بشتائم شوارعية. من مقدمات زاهي وهبي وأسئلته حول الفن والأدب متجاهلًا دوي الرصاص الذي يلعلع حوله في الأستديو. من مقالات اليساريين السوريين وتحليلاتهم حول الحرب. من الإعلام المصري كله..

الضجر لا يعني أنه ليس لدى للمرء ما يفعله، فقد يضجر الواحد من عمله وعاداته اليومية

وأيضًا.. من وضع الأصدقاء لايكات على تعليقاتك التافهة. ثم وضع لايكات على تعليقات أصدقائك التافهة على بوستاتك التافهة. من هذه الدوامة المرة. في الوقت الذي يعلو فيه الطنين حتى بمناسيب غير مسبوقة. طنين.. حتى في الهدوء القاتل لشاهدة القبر. وثمة طنين سري في أرقام وإحصائيات الحروب والثورات لا يدركه إلا المكروثين وأصحاب المصيبة وأهالي الضحايا..

ولا مفر. لا طوق ولا درج نجاة. والمقاتلون الشرسون أقل شرفًا من المرابين وأكثر استعراضًا من مصارعي الثيران. وتستمر الدبابات تحرث الحقول والبساتين يقودها أبناء الفلاحين. للأرض صوت يعرفه الفيزيائيون ولا يفطن له القرويون. فيا للمهزلة!

للأرض صوت يدعى الـ"أوم" يملأ العالم بالأنين المر. تتوجع الأرض تحت عجلات ناقلات الجند. وتجفل من دوي الرصاص. وتدور.. كالأيام. من موت إلى موت.

وحبة الإسبرين تشفي البحر من الدوخة. وتعدّل مزاج التراب المريض وجهة النسيم الرطب إلى النافذة الصحيحة. وتنقذ القلب من الجلطات. وحبة الإسبرين تحيي الموتى، ولكنها لا تصلح للصداع في آخر الليل، لأن الصداع غامض ومعقد ولانهائي.. فيما الوطن يغوص أكثر وأكثر في الحروب!

اقرأ/ي أيضا للكاتب: تحولات الهوية عند العرب الأمريكيين