وفاة توم وولف.. رحل عراب تحديث الصحافة وبقي صديق ريغان

وفاة توم وولف.. رحل عراب تحديث الصحافة وبقي صديق ريغان

توم وولف

كان كاتبًا مدهشًا، ولا يمكن لأحد تقليده. عندما حاول الناس كان الأمر كارثيًا. كان ينبغي عليهم الحصول على وظيفة في دكان بدلًا من الكتابة. هذا ما يقوله الكاتب غاي تالس عن رحيل الكاتب الأمريكي، والمستشار السري لبعض جولات رونالد ريغان، توم وولف. التقرير الآتي، المترجم عن الغارديان، يرصد ردود الفعل حول وفاة رجل الإعلام المعبأ بالتناقضات المثيرة للجدل، فمن أقصى تقاليد اليمين المحافظ والتورط في تقديم نصائح، فضحت لاحقًا، لإدارة رونالد ريغان، وكذلك لمارغريت تاتشر، إلى الإسهام بمقالات عن حرية الذوق وتقدمية التنوع في الخيارات الموسيقية والثقافية عبر صفحات أبرز المجلات المعادي للنهج السياسي الذي تورط لصالحه. هذا هو توم وولف، أو العراب الذي أطلق موجة تجديد كبرى عمت الصحافة العالمية. 


توفي الكاتب والصحفي توم وولف، في نيويورك عن عمر يناهز 88 عامًا، وهو صاحب الكتب الأكثر مبيعًا، بما في ذلك Electric Kool-Aid Acid Test وBonfire of the Vanities. في مشفى بمانهاتن يوم الاثنين، حسبما أفاد وكيل أعماله يوم الثلاثاء، مضيفًا أنه نُقل إلى المشفى إثر إصابته بعدوى.

اُعتبر توم وولف واحدًا من رواد الصحافة الجديدة، لذوقه الأدبي وعادته في رسم نفسه كشخصية في كتاباته الواقعية

اعتُبر توم وولف واحدًا من رواد الصحافة الجديدة، لذوقه الأدبي وعادته في رسم نفسه كشخصية في كتاباته الواقعية. لعبت أعماله مثل كتابه The Kandy-Kolored Tangerine-Flake Streamline Baby، الذي نُشرت فيه مقالاته في عام 1965 - ورواية The Electric Kool-Aid Acid Test، وهي رواية مباشرة عن الحركة الهيبيّة المتنامية عام 1968، لا سيما تجارب الروائي كين كيسي مع الأدوية المخدرة، ورواية The Right Stuff التي نُشرت عام 1979، وهي رواية لطيارين يصبحون رواد الفضاء الأمريكيين الأوائل، وكان لها دور فعال في الاعتراف بالصحفي توم وولف كوجه لأسلوب جديد من التقارير التي يمكن قراءتها للمتعة. حتى أن توم وولف قد ساعد في تعريف مصطلح "الصحافة الجديدة" مع نشره لمجموعة مقالات عام 1973 تحمل نفس الاسم، والتي وضع فيها كتاباته الخاصة جنبًا إلى جنب مع كتابات ترومان كابوتي وجون ديديون وغاي تاليس وهنتر إس تومسون.

اقرأ/ي أيضًا: "الاستثنائيون": أبجديات النجاح

وقال غاي تاليس لوكالة أسوشيتد برس: "لقد كان توم وولف كاتبًا مدهشًا"، مضيفًا: "ولا يمكن لأحد تقليده. عندما حاول الناس كان الأمر كارثيًا. كان ينبغي عليهم الحصول على وظيفة في دكان بدلًا من الكتابة".

مع استخدامه المبهج لعلامات الترقيم والحروف المائلة، إضافة إلى التعليقات الجانبية المضحكة والتعابير الجديدة التي سرعان ما رسخت موضعها في المعجم الإنجليزي، ساعد ذلك توم وولف على التميز عن غيره من الصحفيين. ومن خلال متابعة حكايات مليئة بالحيوية عن تجاوز الحدود والبحث عن المكانة بعيون فاحصة وطاقة هادرة، روج وولف لما أسماه "إعداد التقارير المُشبعة"، أو إعداد التقارير الإشباعي، حيث يتعقب الصحفي موضوعًا ويراقبه على مدار فترة زمنية طويلة. قال وولف في مقابلة له عام 1999، "لا شيء يغذي الخيال أكثر من الحقائق الفعلية"، مضيفًا "وكما يقول المثل: لا يمكنك اختلاق هذه الأشياء".

وقال فيليب كوفمان، الذي كتب وأخرج نسخة الفيلم من رواية The Right Stuff، لصحيفة الغارديان: "لقد فقدنا كاتبًا أمريكيًا عظيمًا. قضيت حوالي خمس سنوات في صنع الفيلم ومحاولة الاستماع إلى صوت توم وولف، والوصول إلى هذه الجودة النابضة والمدهشة والحيوية التي كان يمتلكها في صحافته. [لكنه] كان أكثر من ذلك بكثير".

وأضاف كوفمان إن توم وولف كان من أوائل الذين شاهدوا عرضًا خاصًا وأراد على الفور مشاهدة الفيلم مرة أخرى. وأضاف: "لقد أحب بشكل خاص فكرة امتطاء سام شيبرد، في شخصية تشاك ييغر، ظهر الخيل، وعبوره الصحراء الواسعة، ووكأنه بشكل ما،  كان يحمل معه روح الغرب".

كان أسلوب توم وولف الرائع الأيقوني في الملابس مشهورًا تقريبًا مثل كتاباته، كان يرتدي دائمًا تقريبًا بذلةً من ثلاث قطع بيضاء صُنعت خصيصًا له (كان لديه حوالي 40 قطعة)، وصف ذاك المظهر مرة بأنه "مظهر طموح جديد". لقد ألغى المظهر العام، الذي يذكرنا بالشخص الجنوبي، دفاعات الناس"، حسبما زعم - مضيفًا بأن هذا جعله يبدو وكأنه "رجل من المريخ، الرجل الذي لم يكن يعرف شيئًا وكان حريصًا على المعرفة".

ولد توم وولف في ولاية فرجينيا عام 1930، وقام بأول تقرير صحفي له مباشرةً بعد الانتهاء من دراسته بالجامعة، بدءاً من ولاية سبرينغفيلد (ماساتشوستس). ثم غادر إلى واشنطن، ثم نيويورك، حيث وصل هناك عام 1962 للعمل في صحيفة The New York Herald Tribune، ولم يغادرها بل أسس أسرة هناك مع زوجته شيلا بيرغر، المديرة الفنية السابقة لمجلة الأزياء الأمريكية هاربر بازار، وطفليهما، ولم يرحل من هناك أبدًا حتى وفاته.

وصف جوناثان غالاسي، محرر توم وولف في دار النشر (Farrar, Strauss, and Giroux) في نيويورك، التي كانت تنشر أعمال توم وولف في الثمانينات والتسعينات، وهي فترة خصبة للمؤلف، بأنه مراسل وصحفي صانع للأساطير. وقال لصحيفة الغارديان: "كانت شخصياته هائلة الحجم، بما  في ذلك هو شخصيًا... لكن لم ينجح أحد أعرفه على الإطلاق في اختراق تحفظ توم وولف المهذب".

أضاف غالاسي "وبالنسبة لملابس توم وولف، ليس فقط بِدله بل حتى جواربه صُنعت خصيصًا له - لطالما شعرت بإجلال صامت لأولئك الذين يزدرون السلوك التفاخري. كنت أتخيل دائمًا أن مارك توين كذلك يرتدى ملابس للكتابة، لأن كل ما كتبه كان مذهلًا".

بعد نجاح The Kandy-Kolored Tangerine-Flake Streamline Baby في عام 1965، خلق توم وولف مسيرته المهنية من خلال الكتابة عن الثقافة الشعبية والسياسة والحياة الأمريكية، وخاصة كيف شكّل المال والازدهار البلاد منذ الحرب العالمية الثانية. أما كتاب  The Electric Kool-Aid Acid Test ، الذي يعتبره الكثيرون الكتاب الرئيسي حول لجذور ونمو الحركة الهيبيّة، فقد دفع الجمهور لاعتباره خبيرًا بالمخدرات - على الرغم من أن توم وولف قال في مقابلة عام 2008 مع The Observer Yنه لم يستخدم أبدًا مخدر LSD، على الرغم من بعض التشجيع اللطيف من الكاتب كيسي ("فكرت به بشدة لمدة ست ثوان،" حسبما ادعى).

حققت رواية Bonfire of the Vanities- التي نُشرت عام 1987، نجاحًا تجاريًا ضخمًا للكاتب توم وولف. وتمثل الرواية صورة ساخرة للجشع والمال في ثمانينات القرن العشرين في نيويورك، تتبعت الرواية رحلة تاجر السندات شيرمان ماكوي من وول ستريت إلى محكمة في برونكس، بعد أن صدمت سيارته رجلًا أسود. كانت روايته الثانية A Man in Full كذلك من أكثر الكتب مبيعًا، لكن جذب نجاحه النقاد. كتب المؤلف نورمان ميلر في مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس: "تجبر الكتابة الجيدة المرء على التفكير في الاحتمال المؤسف لأن يُعد توم وولف أفضل كاتب لدينا. كيف يمكن للمرء أن يشعر بالامتنان حينها لفشله وعجزه النهائي في أن يكون عظيمًا - وكذلك فقدانه للبوصلة الإجمالية حقًا. قد يكون هناك عجز مُزمن كذلك عن النظر في عمق شخصياته بأكثر من مجرد وجهة نظر صحفي ماهر".

ومع ذلك، كان وولف معروفًا بقوته ومعاملته للناس بالمثل، لذا دخل في عداوة معلنة مع النقاد الأدبيين الأكثر نقدًا له- تحديدًا، ميلر، وجون أبدايك، وجون إيرفينج، ونعوم تشومسكي، الذي أطلق عليه اسم "نعوم كاريزما". تحدى وولف ميلر، وأبدايك، وإيرفينج، في مقال كتبه عام 2000 بعنوان أغبيائي الثلاثة My Three Stooges، قائلًا "لابد أنهم غاضبون قليلًا لأن الجميع -حتى هم- يتحدثون عني، ولا أحد يتحدث عنهم".

الأشخاص الناجحون هم الأشخاص الذين يمتلكون أرواحًا حيوانية ويرفضون الاعتراف بالمخاطر المعرضين لها

كان لديه أيضًا معجبوه. "إنه يعرف كل شيء"، حسبما كتب المؤلف كيرت فونيغوت ذات مرة عن توم وولف. مضيفًا: "... أتمنى لو أنه ترأس لجنة وارن. ربما لكنا حصلنا على نظرة خاطفة على أمتنا".

اقرأ/ي أيضًا: كين لوتش: أنا مع فلسطين رغم توظيف تهمة "معاداة السامية" ضدي

في نهاية المطاف، كتب توم وولف، مؤلف السبعة عشر كتابًا -ثلاثة عشر كتابًا واقعيًا وأربع روايات - حتى الثمانينيات من عمره، ونشر كتابه الأخير عام 2016: مملكة الكلام، وهو نقد جدلي لتشارلز داروين وتشومسكي.

قال جون ماينارد كينز إن الأشخاص الناجحين هم الأشخاص الذين يمتلكون أرواحًا حيوانية ويرفضون الاعتراف بالمخاطر المعرضين لها بالطريقة نفسها التي يتجاهل بها الشاب السليم إمكانية الموت، حسبما قال توم وولف للأوبزيرفر عام 2008، عندما سُئل حول أخلاقيات عمله، "لست شابًا، ولدي نبض، ولكن عندما يتعلق الأمر بالوفاة، فإنني أختار تجاهل الموضوع في الأغلب".

اقرأ/ي أيضًا:

ماتياس إينار وروايته "البوصلة": صورة الشرق من ثقافته

إدموند وايت.. جائزة القلم/سول بيلو للإنجاز المهني