وفاة

وفاة "السفاح المؤمن".. القصة الكاملة لدكتاتور غواتيمالا ريوس مونت

لقب ريوس مونت بـ"السفاح المؤمن" (رودريغو عبد/أسوشيتد برس)

نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تقريرًا يختصر مسيرة الطاغية الغواتيمالي ريوس مونت، على خلفية وفاته بسبب أزمة قلبية، قبل نحو يومين. في السطور التالية ترجمة بتصرف للتقرير.


قبل نحو يومين، توفي إفراين ريوس مونت، الدكتاتور العسكري الغواتيمالي، الذي اتُهم بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، بسبب الفظائع التي ارتكبتها قواته إبان الحرب الأهلية الطويلة في البلاد، عن عُمر يناهز 91 عامًا.

نصف جميع الانتهاكات الحقوقية التي وقعت في غواتيمالا على مدار 36 عامًا، حدثت خلال عام حكم الطاغية الراحل إفراين ريوس مونت

وقد أمضى الجنرال المتقاعد ريوس مونت، الذي قيل إنه كان يعاني من مرض الخرف، السنوات الأخيرة من حياته في معارك قانونية نتجت عن فترة حكمه القصيرة والهمجية كزعيم للبلاد. وقال محاميه خايمي هيرنانديز لوكالة أسوشيتيد برس، إنه أصيب بنوبة قلبية أدت إلى وفاته.

اقرأ/ي أيضًا: صالح وصدام والقذافي: الدكتاتور العاقل يترك الحكم حيًا

وتولى ريوس مونت السلطة في 23 آذار/ مارس عام 1982، في انقلاب نظمه صغار الضباط. وكانت غواتيمالا قد اعتادت من زمن على حكم رجال الجيش المستبدين وانتهاكات حقوق الإنسان. ولكن خلال فترة حكم ريوس مونت، والتي بلغت 17 شهرًا فقط، وصل القمع من قبل قوات أمن الدولة إلى مستويات غير مسبوقة من الوحشية.

وقد وجدت لجنة الحقيقة والمصالحة التي ترعاها الأمم المتحدة، أن ما يقرب من نصف جميع انتهاكات حقوق الإنسان خلال الصراع الأهلي الذي دام 36 عامًا، وقعت في عام 1982، وهو العام الذي كان فيه الجنرال ريوس مونت حاكمًا فعليًا لغواتيمالا لمدة تسعة أشهر. 

ووفقًا للجنة الأمم المتحدة، فقد لقي أكثر من 200 ألف غواتيمالي حتفهم خلال أعمال العنف التي سادت في فترة الحرب الأهلية، وكانت القوات الحكومية مسؤولة عن الغالبية العظمى من تلك الوفيات.

جمعت صداقة بين ريوس مونت الذي كان مسيحيًا إنجيليًا وواعظًا غير متفرغ، مع المبشّريْن التلفزيونيين، بات روبرتسون وجيري فالويل. وقد أشاد روبرتسون بالطاغية الغواتيمالي، الذي يُعد الرئيس البروتستانتي الوحيد في أمريكا اللاتينية، باعتباره البديل الوحيد "لقمع القلة الحاكمة الفاسدة وطغيان الشمولية الشيوعية المدعومة من روسيا". كما كان الجنرال معروفًا لأشد معارضيه، بلقب "السفاح المؤمن"!

وفي البداية، حظي الجنرال ريوس مونت بتأييد واسع النطاق بسبب وعده باستتباب الأوضاع وإقرار النظام في البلاد، حيث ثارت المليشيات الماركسية ضد الأنظمة العسكرية، كما هو الحال في الكثير من بلدان أمريكا الوسطى خلال فترة الحرب الباردة. وقد دعت خطته الصارمة إلى إخلاء معاقل المتمردين من أجل حرمان المليشيات من الدعم المدني.

وبعد فترة وجيزة من توليه الحكم، صرح ريوس مونت بأن "العصابات كالسمك والناس كالبحر، إذا لم تتمكن من اصطياد السمك، يجب عليك تجفيف البحر"، والذي بدا تصريحًا معاديًا للشعب.

وفي ظل قيادة الجنرال ريوس مونت، دمرت القوات المسلحة ما يقرب من 600 قرية في المرتفعات الشمالية، وقتلت الآلاف من المدنيين الأبرياء، وفقًا لتقرير لجنة الحقيقة والمصالحة التابعة للأمم المتحدة الذي نشر في عام 1999. وكان معظم الضحايا من شعب المايا الذين يشكلون حوالي نصف سكان غواتيمالا.

وتم إخلاء قرى بأكملها وأجبر أهلها على العيش فيما سميت بـ"القرى النموذجية"، والتي كان الكثير منها بمثابة معسكرات اعتقال خاضعة لسيطرة الجيش. وهربت الآلاف من العائلات إلى المكسيك. وقد وصف وزير الخارجية السابق، إدغار غوتيريز إن غواتيمالا تحت قيادة الجنرال ريوس مونت "كانت مثل كمبوديا تحت قيادة بول بوت" قائد مليشيا الخمير الحمر.

لكن ريوس مونت حاول التبرأ من الاتهامات الموجهة إليه، فصرح لصحيفة لوس أنجلس تايمز في عام 1995،  بأنه لم يكن ضابط شرطة؛ "لقد كنت رئيس دولة. أنا المسؤول، وأدرك ذلك، لكنني لست الطرف المذنب"، وبدلًا من ذلك، ألقى اللوم على الحرب! 

على الرغم من أن العديد من الحكومات الأجنبية قد أدانت وحشيته، إلا أن واشنطن كانت تساند الجنرال ريوس مونت. ونتيجة لحرص الرئيس رونالد ريغان على المساعدة في سحق حركات التمرد اليسارية التي كانت تدعمها كوبا والاتحاد السوفيتي، قدم مساعدات عسكرية لغواتيمالا، وأثنى على الجنرال ريوس مونت لكونه "مُكرسًا بالكامل للديمقراطية"!

وفي غواتيمالا بدا أن ريوس مونت لم يكن مُكرسًا بالكامل للديمقراطية كما زعم ريغان، فأقله حظره للأحزاب السياسية. ومن جهة اُخرى، بدأ في إثارة غضب الضباط العسكريين بتجاهل التسلسل الهرمي للسلطة وترقية الضباط الذين ينتمون إلى الفرع الغواتيمالي من كنيسة نشر الإنجيل في مدينة إوريكا، بولاية كاليفورنيا، وهي طائفة تبشيرية بروتستانتية إنجيليّة انضم إليها الجنرال.

ترقى ريوس مونت في العسكرية حتى تولى رئاسة أركان الجيش الغواتيمالي (Amnesty)
ترقى ريوس مونت في العسكرية حتى تولى رئاسة أركان الجيش الغواتيمالي (Amnesty)

وأطيح بالجنرال ريوس مونت في انقلاب قاده وزير دفاعه السابق في الثامن من آب/أغسطس عام 1983. وبعد عدة سنوات، ومع انتهاء الحرب، وعودة البلاد إلى الحكم من قبل حكومة منتخبة، اشتكى الغواتيماليون من جرائم الشوارع، وفساد السياسيين التقليديين. وقد مهد إحباطهم الطريق أمام الجنرال ريوس مونت، الذي شكل حزبًا شعبويًا شدد على القانون والنظام والمسؤولية الفردية.

دُعم الدكتاتور الغواتيمالي ريوس مونت، من قبل الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، لدرجة أن ريغان قال عنه إنه "مُكرّس بالكامل للديمقراطية"!

وبدعم من العديد من مناطق المايا التي دمرتها قواته، انتُخب الجنرال ريوس مونت للكونغرس الغواتيمالي في عام 1990، وفي نهاية المطاف أصبح ريوس مونت رئيسًا للهيئة التشريعية. وفي الواقع، أشارت استطلاعات الرأي في ذلك الوقت إلى أنه كان يتمتع بفرصة قوية للعودة إلى القصر الوطني كرئيس للبلاد، لو لم يكن هناك نص دستوري يمنع الأشخاص الذين شاركوا في الانقلابات من الترشح للرئاسة.

اقرأ/ي أيضًا: اقتلوا الطاغية الذي نحيا بفضله!

لكن الدعم الذي حظي به ريوس مونت، انهار في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، عندما اتهم الرئيس الغواتيمالي ألفونسو بورتيو، بالفساد وغسيل الأموال. وكان بورتيو منتميًا لنفس الحزب التابع له ريوس مونت، وكان يعتقد على نطاق واسع، أنه ليس إلا بديلًا صورًا عن ريوس مونت.

وبحلول ذلك الوقت، أصبح الجنرال ريوس مونت أيضا هدفًا للدعاوى القضائية التي تتهمه بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، بما في ذلك الدعوى التي رفعتها ريغوبيرتا مينتشو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، وهي ناشطة من شعب المايا الأصلي، قُتل والداها وشقيقها على أيدي قوات الأمن الغواتيمالية.

وتراجعت القضايا القانونية جزئيًا لأن الجنرال ريوس مونت كان يتمتع بالحصانة كعضو في الكونغرس. ولكن في 27 من شهر كانون الثاني/يناير عام 2012، بعد فترة وجيزة من تقاعد الجنرال من الكونغرس، حكم قاضٍ بأنه يتحمل مسؤولية التسلسل القيادي عن الانتهاكات الواسعة ويجب أن يحاكم.

وفي العاشر من أيار/مايو عام 2013، أدين ريوس مونت بتهمة قتل 1771 فردًا من السكان الأصليين، ينتمون إلى شعوب المايا. وتُعد هذه هي المرة الأولى التي يُدان فيها رئيس دولة سابق بارتكاب جريمة إبادة جماعية داخل بلده. وفي كلمة  ألقتها  القاضية ياسمين باريوس، التي ترأست المُحاكمة، أمام هيئة المحكمة، قالت إن الجنرال ريوس مونت "كان على دراية كاملة بكل ما كان يحدث ولم يوقفه".

غير أنه بعد 10 أيام، ألغت المحكمة الدستورية في غواتيمالا الإدانة استنادًا إلى أسباب إجرائية. وبعد الكثير من الجدل القانوني، أمرت هيئة مكونة من ثلاثة قضاة في عام 2015 بإعادة المحاكمة. وفي ذلك الوقت، كان الجنرال ريوس مونت يعاني من مرض الخرف، وفي حالة أن ثبتت إدانته، لم يكن لينفذ الحكم بسبب حالته الصحية.

ولد خوسيه إيفراين ريوس مونت في مدينة هويهويتنانجو بغواتيمالا، في الـ16 من حزيران/يونيو عام 1926. وانضم إلى الجيش عندما بلغ الـ17 من العمر، ونال العديد من الترقيات سريعًا، وبحلول عام 1970 كان قد حصل على رتبة جنرال، وشغل منصب رئيس أركان الجيش.

ومن بين عائلته الذين ما زالوا على قيد الحياة، زوجته، ماريا سوزا أفيلا، وابنان، والعديد من الأحفاد، وفقًا لأسوشيتيد برس. وقد تزوجت ابنتهما زوري ريوس مونت، التي خدمت أيضًا في الكونغرس في غواتيمالا، من عضو الكونغرس الأمريكي السابق جيري ويلر.

ترشح الجنرال ريوس مونت لأول مرة للرئاسة في عام 1974. وعلى الرغم من أنه اُعتقد على نطاق واسع أنه فاز، إلا أن المجلس الانتخابي الحكومي أنكر فوزه. وقبل بشغل منصب الملحق العسكري لغواتيمالا في إسبانيا.

وفي عام 1978، انضم الجنرال ريوس مونت إلى كنيسة الكلمة، التي وصل مبشروها قبل ذلك بعامين لمساعدة الناجين من الزلزال المدمر الذي ضرب أجزاء من غواتيمالا. وقد فُسر تحوله على أنه توبيخ للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، التي تجاهلت مناشدات الجنرال ريوس مونت بإدانة ما اعتبره "تزويرًا" للانتخابات في عام 1974.

وعندما تولى السلطة في انقلاب عام 1982، أعلن الجنرال ريوس مونت أن الله قد اختاره لإنقاذ البلاد من الشيوعية. وألقى خُطبًا أخلاقية أسبوعية على شاشة التلفزيون، حتى في أثناء انتشار قواته الهمجية في الريف.

عندما تولى السلطة في انقلاب عام 1982، أعلن الجنرال ريوس مونت أن الله قد اختاره لإنقاذ البلاد من الشيوعية!

وبعد ثلاثة عقود، عندما لحقت به في المحكمة، الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها أثناء فترة ولايته الدكتاتورية، لم يعترف ريوس مونت بالتهم وأظهر تحديًا ملحوظًا، وقد قال أثناء محاكمته في عام 2013: "لم أشترك في الإبادة الجماعية. لم يسبق لي أبدًا أن أذنت، ولم أوقع قط، ولم آمر أبدًا بشن هجوم على عرق أو مجموعة إثنية أو دين. أنا لم أفعل ذلك!"

 

اقرأ/ي أيضًا:

في نفسية الطاغية

الطغاة سبب الكوليرا