" وعهد الله ما نرحل".. أسبوع فلسطيني في نقابة الصحفيين المصريين
14 يوليو 2026
انطلقت داخل أروقة نقابة الصحفيين المصريين فعاليات "أسبوع فلسطين.. وعهد الله ما نرحل"، الذي تنظمه اللجنة الثقافية والفنية بالنقابة خلال الفترة من 11 إلى 14 تموز/يوليو الجاري، في إطار دعم القضية الفلسطينية وتعزيز أشكال التضامن الشعبي والثقافي معها.
ويتضمن هذا الأسبوع سلسلة من الفعاليات الثقافية والفنية التي تستعيد الذاكرة الفلسطينية بكل ما تحمله من رموز وتجارب وشهادات، في محاولة لتشكيل جبهة أساسية في مواجهة محاولات طمس الهوية وتزييف التاريخ ومصادرة الرواية الفلسطينية، وسط مشاركة لافتة من أبناء الجالية الفلسطينية والصحفيين والمثقفين المصريين، إلى جانب حضور من جنسيات مختلفة، بما يعكس الطابع الإنساني العابر للحدود لهذه القضية.
وتكتسب مثل هذه الأنشطة، التي تستضيفها المؤسسات الثقافية والفنية في مصر وخارجها، أهمية متزايدة في ظل محاولات تهميش القضية الفلسطينية أو اختزالها في بعدها الإنساني المجرد، بعيدًا عن جذورها السياسية والتاريخية، حيث تسهم في إبقاء فلسطين حاضرة في الوعي العربي، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة التي عايشت بصدمة مشاهد حرب الإبادة والدمار الواسع الذي تعرض له قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأدركت من خلالها أن الصراع لا يدور فقط حول الأرض، بل أيضًا حول الهوية والذاكرة والحق في الوجود.
على باب الذاكرة 48
استهل "أسبوع فلسطين" فعالياته بعرض المسرحية الفلسطينية "على باب الذاكرة 48"، في أمسية فنية أعادت استحضار محطات مفصلية من التاريخ الفلسطيني، وأكدت أن المسرح يمثل إحدى أدوات المقاومة الثقافية في مواجهة محاولات طمس الهوية ومصادرة الذاكرة الوطنية.
تكتسب مثل هذه الأنشطة، التي تستضيفها المؤسسات الثقافية والفنية في مصر وخارجها، أهمية متزايدة في ظل محاولات تهميش القضية الفلسطينية أو اختزالها في بعدها الإنساني المجرد، بعيدًا عن جذورها السياسية والتاريخية
واعتمد العرض أسلوب الحكواتي داخل خيمة فلسطينية، في محاولة لاستعادة تجارب الفلسطينيين وذكرياتهم خلال الفترة الممتدة من عام 1948 حتى عام 1975، ورصد التحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها القضية الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني في ظل النكبة والتهجير والاحتلال.
وقدم العرض مقارنة مؤثرة بين خيمة النكبة عام 1948 وخيمة النزوح في قطاع غزة عام 2026، ليكشف أن مرور العقود لم يُنهِ معاناة الفلسطينيين، بل أعاد إنتاجها في صور جديدة، وبين الخيمتين تتكرر مأساة الاقتلاع واللجوء، فيما يواصل الفلسطيني التمسك بذاكرته وهويته وحقه في الأرض والعودة والبقاء.
ومن خيمة إلى أخرى، ومن النكبة إلى حرب الإبادة والنزوح المتجدد في غزة، تستمر الحكاية الفلسطينية بوصفها شاهدًا على فشل المجتمع الدولي في إنهاء الاحتلال وحماية الشعب الفلسطيني، وعلى قدرة هذا الشعب، في المقابل، على صون روايته الوطنية ونقلها من جيل إلى آخر، رغم محاولات التهجير ومحو التاريخ.
العرض من تأليف وإخراج مهند قاسم، وإنتاج مركز "طابو"، ويشارك في بطولته لينا السوسي، وليان عيد، وتولين عيد، وليان أبو صيام، ومريم مطر، ونور ماضي، ورود ماضي، ونور عقيل، ويامن عقيل، وجود عبيد. والدعوة عامة.
خرائط فلسطين في 2000 عام
وفي اليوم التالي، الثالث عشر من الشهر الجاري، واصل "أسبوع فلسطين" فعالياته بافتتاح المعرض التوثيقي "خرائط فلسطين في 2000 عام"، الذي يضم عشرات الخرائط التاريخية والجغرافية الموثقة للمدن والقرى الفلسطينية، ويرصد التحولات التي شهدتها الأرض الفلسطينية عبر قرون متعاقبة، منذ العصور القديمة، مرورًا بالعهد العثماني، وصولًا إلى خرائط النكبة والتهجير، وخطوط الهدنة، والضفة الغربية، وقطاع غزة.
ولا يقدم المعرض الخرائط بوصفها مجرد وثائق جغرافية، بل باعتبارها سجلًا بصريًا للذاكرة الفلسطينية، وشاهدًا على امتداد الوجود الفلسطيني وتنوعه الحضاري والعمراني، في مواجهة محاولات محو أسماء المدن والقرى وتغيير معالم المكان وإعادة صياغة تاريخه.
واستُهلت الفعاليات بكلمة للكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين المصريين، أعقبتها ندوة ناقشت تاريخ فلسطين من خلال الخرائط والسجلات وأعمال المسح الجغرافي التي أُنجزت على مدار قرون، وما تكشفه هذه الوثائق من حقائق تاريخية وسياسية وثقافية مرتبطة بالأرض والهوية.
وشارك في الندوة الباحث والمؤرخ الفلسطيني الدكتور سلمان أبو ستة، والدكتور أحمد يوسف أحمد، والمخرج يسري نصر الله، والدكتور خالد عزب، والكاتب الصحفي أشرف أبو الهول، والأسير المحرر والروائي الفلسطيني باسم خندقجي، فيما أدارتها الدكتورة مها شهبة.
وأبرزت المناقشات الدور الذي تؤديه الخرائط في حفظ الذاكرة الجماعية، وتوثيق التحولات التي فرضها الاحتلال والتهجير، فضلًا عن أهميتها في نقل تاريخ فلسطين إلى الأجيال الجديدة، وترسيخ الوعي بأن المكان الفلسطيني ليس مجرد مساحة جغرافية، بل حاضنة للهوية والتاريخ والثقافة.
"الخط الأصفر"
وتُختتم فعاليات الأسبوع مساء الثلاثاء، الرابع عشر من الشهر الجاري، بعرض الفيلم الفلسطيني القصير "الخط الأصفر"، الذي جرى تصويره بين خيام النزوح في قطاع غزة، بمشاركة مجموعة من أطفال القطاع، في تجربة فنية تستمد مادتها من واقع الحرب والحصار والتهجير.
ويجسد الأطفال في الفيلم مقاومة "الخط الأصفر"، الذي يرمز إلى الحدود العازلة التي فرضها جيش الاحتلال داخل قطاع غزة، بما تحمله من دلالات سياسية تتصل بتقسيم الأرض، وتقييد حركة السكان، وفرض واقع جغرافي جديد بالقوة، ومن خلال هذه الرؤية، يحول الفيلم الخيمة والركام ومساحات النزوح إلى فضاء للمواجهة الفنية، ويمنح الأطفال دورًا يتجاوز صورة الضحية إلى التمسك بالأرض والحق والهوية.
ويقدم "الخط الأصفر" نموذجًا لقدرة السينما الفلسطينية على توثيق الواقع ومقاومة محاولات تطبيعه أو محوه، وعلى تحويل الألم اليومي إلى شهادة بصرية تحفظ الذاكرة وتواجه رواية الاحتلال، كما يؤكد أن الثقافة والفن، حتى في أكثر الظروف قسوة، يظلان وسيلتين لصناعة الأمل وتعزيز الصمود، ونقل صوت الفلسطينيين إلى العالم.
الفيلم من قصة وسيناريو وإخراج سعود مهنا، وإنتاج جمعية الإنسان التنموية، ويشارك في بطولته حنين النجار، ودعاء الدباس، وبراء القصاص، ووسام النجار، ومرام الدباس، ونصر مهنا، وليلى السميري، وسعاد أبو الحصين، وعلي شبير، وربا الدباس.
حراك مهم في توقيت حساس
يرى الصحفي المصري السيد عبد الفتاح أن تنظيم الفعاليات الثقافية والفنية الداعمة لفلسطين لم يعد نشاطًا رمزيًا أو موسميًا، بل بات ضرورة ملحّة ومسؤولية مشتركة تقع على عاتق المؤسسات الثقافية والفنية والسياسية، من أجل إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العربي، والتصدي لمحاولات الطمس والتشويه التي تقودها قوى صهيونية وأطراف داعمة لها في المنطقة.
ويقول عبد الفتاح، في حديثه لموقع "الترا صوت"، إنه يحرص على اصطحاب أبنائه إلى مثل هذه الفعاليات لتعريفهم بتاريخ القضية الفلسطينية وتعزيز وعيهم بأبعادها السياسية والإنسانية، مشيرًا إلى أن تصاعد حملات التشويه والتضليل يفرض تحركًا جماعيًا ومنظمًا لحماية الوعي العربي والمزاج الشعبي من محاولات إعادة صياغة الرواية الفلسطينية أو تهميشها.
ويؤكد أن ترسيخ مكانة فلسطين في وجدان الأجيال الجديدة يمثل ضرورة سياسية وثقافية، باعتبارها القضية العربية المركزية، التي تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية لتلامس أسئلة الهوية والعدالة والحق في تقرير المصير.
وفي السياق ذاته، يعتبر الصحفي الفلسطيني خالد المنير أن هذه الفعاليات تمثل الحد الأدنى من أشكال الدعم الواجب تقديمه للقضية الفلسطينية، ولا سيما في ظل ما تعرض له الفلسطينيون من خذلان سياسي وإنساني خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن الحفاظ على حضور القضية في الذاكرة العربية والدولية بات أحد أهم أشكال المواجهة، في ظل محاولات فرض العزلة على الرواية الفلسطينية وتغييبها عن المجال العام.
ويطالب المنير، في حديثه لـ"الترا صوت"، بألا تظل هذه الأنشطة محصورة داخل نقابة الصحفيين المصريين، داعيًا إلى تعميمها على مؤسسات المجتمع المدني والجامعات والنقابات والكيانات الثقافية في مصر والعالمين العربي والإسلامي، إلى جانب توسيع نطاقها في دول العالم المختلفة.
ويشير إلى أن القيود والعقوبات والعراقيل التي قد تواجه تنظيم مثل هذه الفعاليات في بعض البلدان لا ينبغي أن تؤدي إلى التراجع، بل تستدعي تطوير أشكال من المقاومة الفنية والثقافية والإعلامية القادرة على مواجهة خطاب التشويه والتطبيع والتصهين الذي اتسع حضوره خلال الأعوام الماضية.
ويختتم المنير حديثه بالتأكيد على أن قيمة هذه الفعاليات، رغم طابعها الرمزي، تكمن في قدرتها على استحضار الذاكرة الفلسطينية وربطها بالواقع الراهن وفتح أفق نحو المستقبل، بما يحافظ على استمرارية القضية داخل الوعي العربي وبين الأجيال المتعاقبة، ويصون الزخم الشعبي والثقافي الضروري لدعم الحقوق الفلسطينية ودفع مسار القضية نحو حلول عادلة، مهما طال الزمن.