وطن ذاهب إلى الخدمة الإلزامية

وطن ذاهب إلى الخدمة الإلزامية

الجيش المصري في سيناء (ناصر ناصر أ ف ب)

في عدة شهادات متفرقة لأصدقاء ومعارف قضوا فترة التجنيد الإجباري في معسكرات القوات المسلحة المصرية، تعلمنا أن الجيش مؤسسة طبقية تعتمد تراتبية الأفراد حسب الرتبة فالأقدمية، لتكون المعيار الوحيد في توزيع السلطة بين الأفراد، وهو ما يمكن تجاوزه وفقا لطبيعة الجيوش في العالم وعلى مر العصور.

يعمل المجندون إجباريًا في نظام أقرب إلى السخرة منه إلى خدمة الوطن

ولكن من غير المفهوم أن دولًا عسكرية تعتمد نظام التجنيد الاجباري للمواطنين بشروط محددة، وتعتبر أن التجنيد الاجباري أكثر من كونه حافظًا للأمن القومي ومدافعًا عن الشعب، تشارك في حربها مع فرع لأقوى التنظيمات الارهابية في العالم حاليًا بـ1% من قوام الجيش، بينما يوزع 99% من الجيش بين معسكرات ووحدات للجنود النظاميين للجيش، وبين مؤسسات زراعية وصناعية يعمل بها المجندون إجباريًا في نظام أقرب إلى السخرة منه الى خدمة الوطن.

روى صديق، خريج إحدى كليات الهندسة المدنية، عن أيام الجيش حين سئل عن المهندسين المدني والمعماري، وهو ما حسبه سيكون توزيعًا يراعي مؤهله الدراسي، ولكن الكوميديا السوداء كانت في تشغيله كعامل بناء "فاعل"، يحمل مواد البناء على كتفه ويطأ بقدمه شهادته الجامعية بالبيادة الميري.

ليست الواقعة الوحيدة، كذلك مهندس الزراعة الذي عمل مزارعا بإحدى المزارع المملوكة لإحدى رتب الجيش، وخريج كلية الاعلام الذي يقف داخل مصعد "أسانسير" بإحدى دور أفراح القوات المسلحة .
باختصار التجنيد الإجباري في مصر ليس لخدمة الوطن أو لزرع الوطنية في نفوس الشباب كما تدعي قيادات القوات المسلحة، بل في سبيل تقوية إحدى مؤسسات الدولة عن غيرها، وتقديم مئات الألوف من الشباب المجبرين كعمال في فروع المؤسسة الاقتصادية التي تستولي يومًا تلو يوم على عالم الأعمال.

منذ كانون الثاني/يناير 2011، وهتافاتنا ترفض الحكم العسكري وتطالب بدولة مدنية، وهو ما كان ينقده أصحاب المصالح ومريدي الحكم العسكري، بأن كون الرئيس ذا خلفية عسكرية لا يجعل منه حاكمًا عسكريًا مادام قد وصل الى الحكم بآلية ديمقراطية، ويحكم عبر وزارات مدنية.

ربما المثال يكون صحيحًا نسبيًا في فترة حكم مبارك رغم الامتيازات التي استحوذت عليها المؤسسة العسكرية في عصره، إلا أن حكم السيسي يحمل الشكل العسكري في فجاجته وقبحه، دون أي محاولة لتزيين أو تجميل، الحاكم وصل الى الحكم عبر انتخابات صورية، أجراها رئيسٌ عيّن نفسه بنفسه بعد أن قام بانقلاب عسكري، ليركب موجة انتفاضة الشعب على الرئيس الإخواني، ثم كانت العسكرة الواضحة لما تبقى من الدولة والاقتصاد والإعلام، حتى الزي المدني للرئيس يتخلى عنه السيسي في المناسبات ليعود إلى بذلته العسكرية، وتترسخ صورة الحاكم العسكري في الأذهان.

مسؤولو الدولة من المدنيين لم يفلتوا من العسكرة، فرغبتهم في البقاء على كراسيهم وثقافة نظام الحكم التي يحملها رجاله، جعلت منهم عسكريين في زي مدني، لنجد تصريحات لوزير السياحة يتحدث عن أن الأمن القومي أهم من السياحة، ووزير الخارجية يعمل سكرتيرًا ومتحدثًا عن الأجهزة السيادية التي تدير ملف العلاقات الخارجية.

وأخيرًا، تقرر "وزيرة التضامن" أن تصدر قرارًا بتجنيد الشباب الخريجين من الإناث والمعفيين من الخدمة العسكرية، للخدمة العامة في الحكومة جبرًا، حيث يتم إرغام شباب الخريجين على العمل لدى مشروعات الحكومة دون أجر لمدة عام كامل، ضمن مشروع أطلق عليه "كتائب الخدمة المدنية". ليكتمل مشهد التجنيد الإجباري للوطن، فلا يفلت فرد أو مؤسسة من إجبار الجيش لها على العمل لخدمة نظام الحكم التابع للمؤسسة.