خالد البيه/ السودان

لا تتوقف الرسائل الملونة في التعبير عن أشواق ومباركات من أعرفهم منذ بدء العد النهائي لأيام رمضان هذا العام في روزنامة الصائمين وغير الصائمين، رسائل مختلفة التصاميم والابتسامات والعبارات.. صوتية وفيديو وصور وكل صرعات العالم في التعبير.

هل نحن ثرثارون وتجاوزنا العالم الجديد الذي لا وقت لديه لترهات المشاعر واجترار الأحزان؟

صديقي في السويد، أخي في سوريا، وأخو زوجتي في مصر، قريب بعيد في تركيا، جاري هنا، وحتى ابني في الغرفة المجاورة لديهم تقريبًا نفس الصور لهذا العام، والطرق الجديدة في التعبير عن الفرح والتهنئة بالعيد هي نفسها قد عممت على الجميع بسرعة خارقة، وفي كل وسائل التواصل "الواتساب والفايبر والفيسبوك والإيمو..." هي نفس الأدعية والأغنيات والألوان وألأمل.

اقرأ/ي أيضًا: الصحف القومية المصرية.. مومياوات في خدمة الرئيس

بصمتٍ الكل يرسل ولا أحد يكلف نفسه عناء الاتصال، الكتابة كانت بعض تواصل وانتهى أيضًا، ولم يعد ضروريًا أن ترهق نفسك بالحوار عن الصحة والأحوال وعناء الغربة والكلام المكرور، فقط بضع كلمات ملونة كافية للتعبير عن كل هذا الهذر العربي الذي يفضي إلى عبارات نهائية كاذبة سنة سعيدة مسبوقة بمئات عبارات اليأس والغربة والدموع... فقط صورة يتيمة تكفي.

اختصارات أخرى أصبحت نهاية لأي حديث تجريه مع صديق... تلويحة أو ابتسامة وفي أغلب الأحيان "لايك" ينهي المحادثة بصمت مطبق تشعر أن محدثك قد اختفى في ملكوت فضاء التواصل.

في المقابل، هل نحن ثرثارون وتجاوزنا العالم الجديد الذي لا وقت لديه لترهات المشاعر واجترار الأحزان، وأن الأجيال الجديدة اخترعت ما يغني عن هذا الوقت المهدور ببعض رسومات وتعبيرات صغيرة جميلة وواضحة المعنى، وبات العالم أكثر سهولة في التواصل والتعبير ببينما نحن ما زلنا نبحث عن مصطلحات جديدة لقاموس أحزاننا الطويل؟

لكن من حقك أن تتساءل أن هذا الجيل الجديد بمقابل تقليصه لمساحة العاطفة يضيع وقتًا كبيرًا في اللعب القاتل الذي يخلق أمراضًا مجرمة باعتراف من صمموها ومن يتابعون نتائجها، يختصر العالم على صعيد العالم، لكنه يحوّل اللعب إلى جريمة تأخذ وقتًا أقل في التفكير بارتكابها بعد أن سرق مشاعرنا الإنسانية إلى مجموعة من الملصقات و"السمايلات" البلهاء.

صار الوطن بعيدًا جدًا... في حالة السوريين المزرية في اللجوء والتشظي ما يحصل أبعد من لعبة تعبير ضيقة

صار الوطن بعيدًا جدًا... في حالة السوريين المزرية في اللجوء والتشظي ما يحصل أبعد من لعبة تعبير ضيقة، والعائلات التي كانت قبل أعوام قليلة تحتل حارات وشوارع كبيرة صارت مزقًا، والبيوت المتلاصقة قلوبًا وجدرانًا قسمتها محيطات وآلاف الدولارات للقاء.. صار الوطن بعيدًا جدًا.

اقرأ/ي أيضًا: حراك الريف المغربي وأزمة العقل السياسي المخزني

صار الوطن قليلًا... وأصبح الإنسان أكثر قدرة وخبرة على التعبير، وبأقل التكايف الحسية لكنه خسر الحب والحزن والأمل.

صار الوطن قليلًا... لا عناق ولا تلويحات بأيدٍ غارقة بالعرق والدمع، ولا رسائل معطرة، لا أغاني باكية، لا رسائل واتس وفايبر، لا شهقات أنفاس مسجلة تمررها هذا الجوّال اللعين... فقط "سمايل" مشاعر... ووطن أقل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تصلح أنقرة ما أفسدته الرياض؟

في هجاء الطريق الأحادي