وسط العدوان على إيران.. لماذا أقال وزير الحرب الأميركي رئيس أركان الجيش؟
3 ابريل 2026
أقال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، يوم الخميس، رئيس أركان الجيش الأميركي، الجنرال راندي جورج، في أحدث خطوة ضمن سلسلة إقالات طالت كبار القادة العسكريين في البنتاغون، الذي يشهد منذ عودة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملة واسعة لإعادة تشكيل قياداته العليا.
وأعلن البنتاغون رحيل جورج من دون تقديم أي تفسير رسمي لأسباب الإقالة، رغم أن رئيس أركان الجيش يتولى المنصب عادة لمدة أربع سنوات. وكان جورج قد تسلّم مهامه في أيلول/سبتمبر 2023، من دون أن تصدر عنه أي مؤشرات إلى استعداده للتقاعد. وأكد مسؤول في وزارة الحرب أن هيغسيث طلب منه التقاعد المبكر.
وسيتولى الجنرال كريستوفر لانييف مهام رئيس الأركان بالوكالة. ويُعدّ لانييف، القائد السابق للفرقة 82 المحمولة جوًا، من الشخصيات القريبة من هيغسيث، إذ سبق أن عمل مساعدًا عسكريًا له قبل تعيينه نائبًا لرئيس أركان الجيش. وداخل البنتاغون، كان كثيرون ينظرون إلى تعيينه في هذا المنصب بوصفه خطوة من هيغسيث لتمهيد الطريق أمامه لخلافة جورج.
موجة إقالات غير مسبوقة تضرب قمة الهرم العسكري الأميركي
ويُعدّ معدل الإقالات التي قام بها هيغسيث، وهو مذيع سابق في قناة "فوكس نيوز"، داخل المؤسسة العسكرية، الأعلى مقارنة بأي وزير دفاع في العصر الحديث، حتى خلال عقدين من الحروب في العراق وأفغانستان. فمنذ توليه منصبه، أطاح البنتاغون برئيس هيئة الأركان المشتركة، وهو أعلى رتبة عسكرية، وبقائد العمليات البحرية، وبنائب رئيس أركان سلاح الجو، إضافة إلى عشرات الضباط الكبار والمستشارين القانونيين العسكريين.
وسبق للجنرال جورج أن شغل منصب المستشار العسكري الأول لوزير الدفاع السابق لويد أوستن في إدارة الرئيس جو بايدن، لكنه سارع لاحقًا إلى العمل على تنفيذ سياسات إدارة ترامب، بما في ذلك جهود تحديث الجيش ونشر الطائرات المسيّرة التكتيكية.
وفي ظل هذه الحملة الواسعة، خلص كثير من الضباط إلى أن إبداء الرأي أو التشكيك في سياسات إدارة ترامب قد يعرّضهم لخطر فقدان مناصبهم
وشملت الإقالات الأخرى في عهد إدارة ترامب كلًا من الرئيس السابق لوكالة استخبارات الدفاع الجنرال جيفري كروز، وقائدة خفر السواحل الأدميرال ليندا فاغان، وقائد القيادة السيبرانية الأميركية ومدير وكالة الأمن القومي الجنرال تيموثي هوغ، ما يعكس اتساع نطاق التغييرات التي تضرب قمة الهرم العسكري الأميركي.
وتُطرح تساؤلات حول أسباب إقالة هؤلاء المسؤولين في وقت تخوض فيه القوات الأميركية حربًا مع إيران تدخل شهرها الثاني، وفي ظل تقارير تتحدث عن عمل بري محتمل في طهران، مع غياب أي توضيح رسمي من وزارة الحرب، فيما تشير تقديرات، نقلًا عن مجلة "ذا أتلانتك"، إلى أنهم قد يكونون ضحايا صراعات داخلية بين هيغسيث والجيش.
لماذا أُقيل رئيس أركان الجيش الأميركي؟
بحسب "رويترز"، لم تكن هناك مؤشرات علنية على وجود توتر بين هيغسيث وجورج، رغم اتخاذ هيغسيث خطوات مثيرة للجدل، مثل إقالة كبير المستشارين القانونيين للجيش وتنظيم عرض عسكري ضخم للاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الجيش، والتي تزامنت مع عيد ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتُعدّ هذه الخطوة متهورة حتى وفق معايير هيغسيث، بحسب معلومات المجلة، خصوصًا أن جورج يُعد من القادة ذوي الخبرة القتالية، وكان من المفترض أن يستمر في منصبه حتى عام 2027، ولم يُعرف عنه أي خلاف علني مع وزير الحرب.
وتشير إلى أن ترامب وهيغسيث يسعيان إلى إعادة تسييس المؤسسة العسكرية، وتحويلها إلى امتداد سياسي، في ظل تدخلات في الترقيات العسكرية وإلغاء ترقيات لضباط من أقليات ونساء.
ويُنظر إلى هذه الإقالات على أنها ليست جزءًا من إصلاح استراتيجي مدروس، بل نتيجة خلافات طويلة الأمد داخل البنتاغون وصراعات شخصية، بحسب ما نقلته المجلة عن مسؤولين في وزارة الحرب.
وفي ظل تصاعد الحرب على إيران، التي تهدد بالاتساع، ومع إرسال آلاف الجنود إلى المنطقة، قد تؤثر هذه التغييرات على استقرار القيادة العسكرية، خاصة أن الولايات المتحدة تخوض أحد أكبر نزاعاتها منذ عقود.
من الإشادة إلى الإقالة
رغم إشادة هيغسيث والرئيس الأميركي دونالد ترامب مرارًا بأداء الجيش في الحرب ضد إيران، فإن موقع جورج كان يُنظر إليه على أنه هش منذ وصول هيغسيث إلى البنتاغون.
كما أفاد مسؤولون حاليون وسابقون بأن هيغسيث ودريسكول، وهما من قدامى الجيش ولديهما طموحات سياسية، كانا منخرطين في صراع نفوذ خلال العام الماضي.
وفي الوقت نفسه، يناقش مسؤولون في البيت الأبيض مستقبل دريسكول، وهو صديق مقرّب لنائب الرئيس جيه دي فانس، وفق ما قاله أشخاص مطّلعون على الأمر. وأشار أحد مسؤولي البنتاغون إلى أن دريسكول يُتوقع أن يغادر الوزارة قريبًا.
وفي المقابل، وجّه هيغسيث انتقادات متكررة لكبار قادة الأفرع العسكرية، معتبرًا أنهم لا يُظهرون ولاءً كافيًا لأجندة ترامب، وأنهم يبالغون في الالتزام بالقواعد القانونية للحرب، وهو موقف قال إنه يستند إلى تجربته في الحرس الوطني خلال خدمته في العراق.
وجاءت إقالة جورج بعد يوم واحد من قرار غير معتاد اتخذه هيغسيث بإلغاء تعليق الجيش عمل طاقمي مروحيات من طراز "أباتشي"، كانا قيد التحقيق بسبب التحليق قرب منزل المغني كيد روك، أحد أبرز مؤيدي ترامب، حيث كتب الوزير على منصة "إكس": "واصلوا، أيها الوطنيون".
وفي ظل هذه الحملة الواسعة، خلص كثير من الضباط إلى أن إبداء الرأي أو التشكيك في سياسات إدارة ترامب قد يعرّضهم لخطر فقدان مناصبهم. وقال مسؤول سابق إن ما حدث "كان سيُعد قضية كبيرة قبل ثلاث سنوات، لكن بعد إقالة رئيس هيئة الأركان المشتركة وقائد العمليات البحرية، يمكن القول إن اللافت هو أن جورج بقي في منصبه كل هذه المدة".
تنافس على مراكز القرار
وبعد عودة ترامب إلى الرئاسة في عام 2025، حاول جورج التقارب مع الإدارة الجديدة، مبرزًا جهود تحديث الجيش واعتماده أدوات الحرب الحديثة، وتعزيز علاقاته مع قطاع التكنولوجيا. غير أن مسؤولين أفادوا بأنه ظل هدفًا لهيغسيث منذ فترة طويلة.
وخلال معظم العام الماضي، بدا أن هيغسيث نفسه يواجه ضغوطًا داخل البيت الأبيض. إلا أن دعم الوزير القوي لترامب، الذي يقدّر الولاء، إلى جانب إشرافه على عمليات عسكرية ناجحة تكتيكيًا، مثل قصف المنشآت النووية الإيرانية في حزيران/يونيو 2025، ومداهمة 2 كانون الثاني/يناير للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عزّز موقعه. وهو يشرف حاليًا على الحرب الأميركية–الإسرائيلية الأكثر تعقيدًا ضد إيران.