وساطة القاهرة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.. أي مقاربات؟
13 سبتمبر 2025
احتضنت القاهرة، يوم الأربعاء 10 أيلول/سبتمبر الجاري، توقيع اتفاق جديد بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لاستئناف التعاون، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمدير العام للوكالة رافائيل غروسي في مقر الخارجية المصرية على كورنيش النيل وسط العاصمة.
المتحدث باسم الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، أشار إلى أن استضافة مصر لهذه المشاورات تعكس حرصها على خفض التوتر وتهيئة المناخ الملائم لاستئناف المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني، فيما وجهت طهران رسالة شكر رسمية إلى القاهرة تقديرًا لدورها في احتضان اللقاء وتسهيل التفاهم الذي أثمر عن اتفاق ناجح.
ورغم أن الاتفاق لا يمنح المفتشين في الوقت الراهن حق الدخول إلى جميع المواقع النووية، كما أوضح عراقجي، مشيرًا إلى أن تفاصيل الزيارات ستُحدَّد لاحقًا ضمن المفاوضات المقبلة، فإنه يُعَدّ خطوة مهمة لتحريك المياه الراكدة في هذا الملف الحساس، لاسيما وأنه تزامن مع تحذيرات الترويكا الأوروبية (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا) من إعادة فرض العقوبات على طهران إذا لم تستأنف عمليات التفتيش بشكل كامل.
نجحت الوساطة المصرية في كسر جمود العلاقات بين طهران والوكالة بعد شهرين من التوقف، يثير تساؤلات حول أهداف القاهرة ودورها وسط التوترات الإقليمية والضغوط الغربية
وكان البرلمان الإيراني قد أقر في حزيران/يونيو الماضي قانونًا يحدّ من تعاون طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشترطًا موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي على أي عمليات تفتيش محتملة. وجاء هذا القرار ردًا على الهجمات الإسرائيلية، التي نُفذت بمشاركة أمريكية، ما زاد من توتير الأجواء بين إيران والمعسكر الغربي بأكمله. وقد حذرت أطراف عدة من أن استمرار هذا التوتر قد يرفع من احتمالات اندلاع مواجهات عسكرية مستقبلية بين الجانبين.
نجاح الوساطة المصرية في تحقيق اختراق في هذا الملف المهم بعد شهرين تقريبًا من تجميد العلاقات بين طهران والوكالة، وقبل الموعد المحدد في 18 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل ضمن اتفاق 2015 النووي، ومع استمرار التوترات الإقليمية وتزايد الضغوط الغربية لتفعيل "آلية الزناد" وإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، يفتح الباب أمام تساؤلات حول أهداف القاهرة ومقارباتها إزاء قيامها بهذا الدور رغم مرور 46 عامًا على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
أهداف القاهرة من الوساطة
بدأ الحراك الدبلوماسي المصري بشأن هذا الملف منذ نهاية حرب الأيام الاثني عشر، التي اندلعت في حزيران/يونيو الماضي بين إيران وإسرائيل بدعم أميركي. وهي الحرب التي أعادت رسم خارطة المنطقة وفق معادلات جديدة وأبجديات مغايرة. وقد انطلقت القاهرة في وساطتها مدفوعة بخمسة أهداف رئيسية:
تعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية:
تحاول الدولة المصرية استعادة دورها كقوة إقليمية مؤثرة ولاعب محوري في الملفات الحساسة التي تشهدها المنطقة، خاصة في ظل هذا التوقيت الحرج الذي يفرض تحديات جسام، ويدفع القاهرة للتخلي عن سياسة الحياد والاكتفاء بالمراقبة من مقاعد المتفرجين.
وقد شهد الحضور المصري خلال الآونة الأخيرة تراجعًا ملحوظًا، مع بروز قوى إقليمية أخرى سعت لملء الفراغ واستقطاب الاهتمام الدولي، الأمر الذي أثار قلق الداخل المصري ودفع القاهرة مؤخرًا للتحرك من أجل تأكيد مكانتها كقوة دبلوماسية قادرة على التوسط في الملفات الحساسة، لا سيما تلك المتعلقة بالأمن النووي في الشرق الأوسط.
ومن هنا تسعى مصر لأن تكون مركز التوازن في الإقليم، وهو ما يفرض عليها أعباء سياسية كبيرة في إدارة حوار بين أطراف متعارضة، لتجنّب مزيد من التصعيد في منطقة ملتهبة أصلًا، وهو ما يعزز من جانب مكانتها الدولية، ويمنحها من جانب آخر مصداقية إقليمية كوسيط موثوق قادر على لعب أدوار حيوية ومسؤولة في الملفات المصيرية.
- الحفاظ على الاستقرار الإقليمي:
تؤمن القاهرة أن أي تصعيد بين إيران والوكالة الدولية ومن خلفها الولايات المتحدة وأوروبا قد يقود إلى توترات أمنية خطيرة في المنطقة، ستكون لها ظلال قاتمة على المشهد الإقليمي برمته، وفي القلب منه مصر. ومن هنا تحاول القاهرة، بما تمتلكه من تاريخ دبلوماسي، نزع فتيل الأزمة قبل اشتعالها وتحويل الشرق الأوسط بأكمله إلى ساحة حرب مفتوحة لن يخرج منها أي طرف منتصر.
- تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة:
من النادر أن تدخل القاهرة كوسيط في ملف تتمتع فيه بعلاقات جيدة أو مقبولة مع طرفي الأزمة، إذ تحاول هذه المرة لعب دور "الجسر" بين إيران والغرب مستفيدة من علاقاتها المتوازنة معهما، الأمر الذي قد يسهل مهمتها الدبلوماسية في تحقيق الأهداف المرجوة. وقد تجلّى ذلك بالفعل مع الخطوة الأولى المتمثلة في إبرام الاتفاق الذي كسر حالة الجمود بين إيران والوكالة الدولية.
- تفعيل دور مصر كلاعب على الخارطة النووية:
تُعد القاهرة من أوائل الدول التي دعت إلى إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، انطلاقًا من قناعتها بأن مجرد وجود هذه الأسلحة، حتى وإن لم تُستخدم، يضع المنطقة بأسرها فوق فوهة بركان قابل للانفجار في أي لحظة. ومن هنا، تحاول عبر انخراطها في هذه الوساطة أن تتموضع في قلب هذا الملف الحساس أمنيًا وسياسيًا.
وتنطلق المقاربة المصرية من الدفع نحو تقريب وجهات النظر بين إيران والوكالة الدولية وتبريد الأجواء المتوترة بينهما، وذلك عبر فتح قنوات اتصال جديدة واستئناف التعاون ولو بشكل تدريجي، بما يجنّب أي خطوات قد تُفسَّر كتصعيد نووي أو تهديد للاتفاقيات الدولية، وهو ما من شأنه أن يحمي الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
- تحقيق مكاسب دبلوماسية واقتصادية:
هناك بُعد اقتصادي قد يفرض نفسه على الحراك الدبلوماسي المصري في هذا الملف؛ فإلى جانب الأهداف السياسية والأمنية، تنظر القاهرة إلى المكاسب المحتملة من تعزيز التعاون مع كل من إيران والدول الغربية، في وقت يسعى فيه الاقتصاد المصري إلى أي متنفس يخرجه من أزمته المستمرة منذ سنوات.
القاهرة – طهران.. إرهاصات التقارب ومقارباته
شهدت العلاقات المصرية ـ الإيرانية مؤخرًا بوادر تقارب بعد عقود من الفتور منذ قطعها عام 1980 عقب الثورة الإسلامية. ورغم استئنافها جزئيًا عام 1991، بقيت محدودة، قبل أن يتسارع الحديث عن تطبيع جديد إثر دعوة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في أيار/مايو 2023 إلى تعزيز الروابط مع القاهرة.
تُعَد العلاقة بين البلدين حالة استثنائية في العلاقات الدولية، إذ تقوم على معادلة "لا قطيعة ولا تقارب"، يغلب عليها الجمود المرن رغم وجود دوافع قوية للتفاهم وغياب أسباب عداء دائم. غير أن دخول لاعبين إقليميين مؤثرين خلال العقدين الأخيرين رسم ملامحها وحدّد مساراتها.
اعتمدت القاهرة في موقفها من طهران على ثلاث مقاربات أساسية:
-العلاقة مع الخليج: إذ ارتبط النظام المصري منذ 2014 بشعار "أمن الخليج خط أحمر"، ما جعله يصطف مع الرياض وأبوظبي على حساب أي انفتاح على إيران.
-العلاقة مع الولايات المتحدة: حيث خشيت القاهرة من إغضاب واشنطن التي تعارض أي تقارب مصري–إيراني.
-الأمن القومي المصري: نظرت القاهرة إلى طهران باعتبارها داعمًا لجماعات الإسلام السياسي وعاملًا مهددًا عبر نفوذها الإقليمي.
إلا أن تلك المقاربات شهدت تغيرات جذرية خلال الآونة الأخيرة، في ضوء عدد من المؤشرات:
- التحديات الإقليمية والدولية: الأزمات الاقتصادية والسياسية التي يعانيها الطرفان دفعت إلى إعادة تقييم السياسات وتخفيف حدة التوتر.
- التقارب السعودي–الإيراني: اتفاق الرياض وطهران في آذار/مارس 2023 أزال أحد أبرز معوّقات الانفتاح المصري على إيران، وشجّع القاهرة على تبني سياسة "تصفير الأزمات".
- انتفاء المخاوف الأمنية: تراجع نفوذ الجماعات الإسلامية المدعومة من طهران وتغيّر خطابها الإعلامي خفّف من الهواجس المصرية.
- السياسة الأميركية: محاولات واشنطن إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم الهيمنة الإسرائيلية دفعت القاهرة وطهران إلى البحث عن تقاطعات تقلل من تهميش دورهما.
شهدت العلاقات المصرية ـ الإيرانية مؤخرًا بوادر تقارب بعد عقود من الفتور منذ قطعها عام 1980 عقب الثورة الإسلامية
وبذلك باتت القاهرة اليوم أكثر استعدادًا للتعامل مع طهران ببراغماتية جديدة، بعدما تراجع تأثير العوامل المانعة لصالح دوافع الانفتاح والتقارب.
في ضوء ما سبق فإن نجاح القاهرة في جمع طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على طاولة واحدة، وتوقيع اتفاق لاستئناف التعاون بينهما، يمثل اختبارًا عمليًا لقدرة مصر على استعادة حضورها الدبلوماسي الإقليمي في لحظة شديدة التعقيد.
وبينما تتزايد الضغوط الغربية وتتأجج التوترات الإقليمية، اختارت مصر أن تتحرك بدور الوسيط لا المتفرج، محاولةً التوازن بين تعقيدات الأمن النووي ومصالح القوى المتصارعة.
هذا التحرك لا يعكس فقط حرص القاهرة على حماية الاستقرار الإقليمي وتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، بل يؤكد أيضًا رغبتها في ترسيخ صورتها كفاعل مؤثر قادر على إدارة الملفات الحساسة. وإذا ما واصلت مصر البناء على هذا النجاح، فقد تجد نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها الإقليمي والدولي، ليس فقط كوسيط في النزاعات، بل كصانع توازنات في بيئة مضطربة.