ورشة البحرين وكوشنر تاجر البندقية

ورشة البحرين وكوشنر تاجر البندقية

جاريد كوشنر، عراب صفقة القرن (Fox News)

يقف المرء أحيانًا عالقًا في المنطق وتصاريفه، مسائلًا نفسه: هل يمكن حقًا أخذ كوشنر وعصابته على محمل الجد؟ هل يمكن حقًا أن يجد الإنسان المحكوم عليه بعربيته، مدخلًا معقولًا للكتابة عن مشروعٍ هزيل ومتوسط القدرات وضحل بقدر مشروع السلام والازدهار الكوشنري؟

الأجواء شكسبيرية الخيال، فكوشنر بخطته الواهية التي استعرضها في ورشة البحرين، ليس إلا كتاجر البندقية البغيض المرابي

الأجواء شكسبيرية الخيال، بالنسبة لمن يدمنون الأدب مثلًا؛ فقد يعتقد أحدهم أن ملك الجن أسبغ سحر وردته الأرجوانية كتلك التي كانت في مسرحية "حلم ليلة منتصف الصيف"، لتسمح لكوشنر أن يرى جميع من في القاعة بشرًا برأس حمار، كما رأت الملكة في المسرحية أول شخص تقع عيناها عليه، فوقعت في حبه. لكن حظ كوشنر السيئ لم يجعل تأثير خطته الضحلة يماثل تأثير زهرة الأرجوان.

اقرأ/ي أيضًا: ورشة المنامة.. أوهام كوشنر المبددة في الشرق الأوسط

من ناحية تراه السلطة الفلسطينية في أحسن التجليات شيلوك البغيض التاجر المرابي في  مسرحية "تاجر البندقية"، كلما رآه بطل المسرحية أبغضه، حتى وإن مد يده ليقترض منه، أو يطلب دعمه. 

أما الجانب الإسرائيلي، فيرى القصة لعبة قد يخرج منها نتنياهو حاملًا تأثير زهرة الأرجوان، التي ما إن يرشها المحب في عيني حبيبه، وقع في حبه فورًا، رغم غرق نتنياهو حتى أذنيه في قضايا فساد، وأيضًا بعد فشله في تشكيل حكومة جديدة بعد انتهاء انتخابات الكنيست في نيسان/أبريل الماضي.

إدارة أمريكية صهيونية

مستشار الرئيس الأمريكي والمسؤول الرئيسي في إدارة ترامب عن ملف خطة السلام في منطقة الشرق الأوسط، والده رجل الأعمال والمطور العقاري تشازلز كوشنر الذي تبرع لمستوطنة بيت إيل، التي بُنيت على أرض فلسطينية استولى عليها الجيش الإسرائيلي في السبعينات. وسفير دونالد ترامب في الكيان الإسرائيلي هو ديفيد فريدمان، الرئيس السابق لمجموعة بيت إيل العقارية، وهكذا تتضح الصورة الواضحة أصلًا.

كوشنر ممول المستوطنات، وديفيد فريدمان، وجيسون غرينبلات كبير مفاوضي ترامب في منطقة الشرق الأوسط، هم أبطال "السلام والإزدهار" في ورشة البحرين، التي تعمل، وفقًا لبيان صادر عن البيت الأبيض، على "تسهيل رؤية وإطار طموحيْن وقابليْن للتحقيق، لمستقبل مزدهر للشعب الفلسطيني والمنطقة، بما في ذلك النمو السريع للقطاع الخاص". 

الخطة اقتصادية الطابع كما يصر صهر كوشنر، جاءت على يد أحد أعضاء الإدارة التي اعترفت بالقدس المحتل عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وأوقفت تمويلها لمنظمة الأونورا. الآن ربما تتضح الجوانب السياسية الحقيقية وراء الخطة.

ماهيّة الصفقة.. مطبعون يستكملون التطبيع

أصدق من يصف المشهد السياسي العبثي لمجموعة العابثين هذه، هو محمود درويش حين قال: "طريق غزاة يريدون ترميم تاريخهم بغدِ مودع في البنوك". إن هذا الغد الذي يحاولون تقديمه ليس حتى مودعًا في البنوك، بل هو صفقة وهمية من خزائن قيصر البيت الأبيض، الذي لا يمنح ولا يهب شيئًا، والذي يؤمن بأنه "لا توراة بغير خبز"، لكن المشكلة أن شيرلوك المرابي، لا يقدم صفقة بل وهمًا.

وبيع الوهم هذه المرة، هدفه سلسلة المانحين من حاملي سندات التطبيع المجاني، الذي بدأ من مصر التي قامت "علشان عيون كارتر" بإبرام سلام مُر في كامب ديفيد، ثم الأردن بكل الروابط الوثيقة بينها وبين السيد ترامب، ومن المفهوم أن المنامة هي الحديقة الخلفية للقيصر الصغير في السعودية ولمستشاره من أبناء زايد في الإمارات، حيث يقيمون فيها حفلات شواء، كتلك التي على شاكلة ورشة البحرين، حين لا يسمح الظرف التاريخي والجيوسياسي بإقامتها في الرياض، حيث لازالت "الملاهي الليلية الحلال" تواجه بعض الإعاقة في تقبلها!

يعلق كوشنر على انصراف ممثلين عن السلطة الفلسطينية عن الحضور، فيقول: "ليس لديهم ما يخسرونه، ويكسبون الكثير إذا انضموا إلينا"، كما تورد النيويركر التي ترى أن في قوله "منطقًا معقولًا"!

الفلسطيينيون الذين ترك أولادهم المدارس بسبب قرارات هدمها، والذين يتحركون في محيط 700 حاجز وحاجز، ويتعرضون للحصار والتجويع والمضايقات الأمنية فضلًا عن الاعتقال اليومي، يجب عليهم أن يصدقوا فجأة أن كل هذه المليارات التي ستتقدم بها خطة كوشنر، هي لتشييد بنى تحتية وفتح الأسواق المحلية من أجل صالحهم الخاص، وأن الاحتلال لم يكن المشكلة أبدًا! 

الخطة التي تحول جوهر القضية الفلسطينية من قضية سياسية تجتمع عليها من مجموعة من الإرادات والإدارات السياسية متعددة الجنسيات؛ إلى قضية اقتصادية لمجموعة من البشر ينتظرون قبض الثمن، والحقيقة أن الرفض الشعبي والرسمي أيًا كان منطقه في الحالتين، يُعد مؤشرًا قويًا على أن كوشنر لم ينجح في أن يصبح في "ربع" دهاء شيرلوك التاجر اليهودي بالبندقية.

أصدق وصف للمشهد العبثي لمجموعة العابثين هذه، قول درويش: "طريق غزاة يريدون ترميم تاريخهم بغدٍ مودع في البنوك"

الأمر برمته هو كما يقول درويش: "طريق يؤدي إلى طلل البيت تحت حديقة مستوطنة" أو "طريق السلام المُخاتِل بين الغزال وصياده".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مؤتمر البحرين في انطلاقته.. مشروع كوشنر الذي ولد ميتًا

ورشة البحرين.. خطوة في مسار التطبيع الخليجي وقفزة أمريكية في الهواء