وداع مبتور

وداع مبتور

بهرم حاجو/ سوريا- ألمانيا

يمتد الوقت لزجًا، يتسرب من فتحات الباب ومن فتحات أنفي. ما أصعب الليل يمر أغلبه بوعيي لا تنسحب دقيقة منه إلا وتسحب معها ما بقي من قوة لتحمل ما تبقى من الساعات للصباح. في كل مرة أغلق عيني أستطيع رؤية حديقة منزلي، وأنا مستلقية كعادتي في جو ربيعي كقطة كسولة. صوتكِ يأتي من كل مكان تعالي "ساعديني كفاك كسلًا كالقطط". شعور الشمس على أجفاني. صوتك الذي يملأ المكان، هذا ما أنام وأصحو عليه.

واقفة في الباص عائدة من عملي وإذا بزميلتي تقول أنا حكمت، وأنا في الباص عائدة إلى المنزل تضحك، وتقول هذا تذكير لإدراكي اليومي، وأحيانًا اللحظي كي لا أتوه في من أنا، وأين أنا، أذكّر نفسي باستمرار.. تجمعت أفكاري بقوة للحظات ولفظتها بكلمات لا أذكرها كي أتجاوز اللحظة المريبة التي كانت تجري بداخلي. فجأة أدركت كل ما حولي من مدينة وروائح وأصوات، كأن بابًا فتح على مصراعيه أخذت تتسرب منه كل الأشياء التي أردت الالتفاف حولها أو نسيانها حتى.

أخذ صوت أمي يعلو في رأسي، أذكر تفاصيل لحظة الوداع التي غيّبتها الوداع الذي عاملته وقتها كوداع مؤقت. لم أكن أعرف أن السوريين باتوا عبئًا على الجميع فاقتضى تجميدنا كل في مكانه. لو كنت أعرف أن تلك اللحظة المبتورة هي الوداع لأشهر أو لسنين قادمة، كنت قضيت الليل وأنا أعد الورود الصغيرة على قميص نومك، كنت أكملت شرب فنجان القهوة وأخذت قطعة البسكوت التي قلت وقتها أنه لا رغبة لي بأكلها. كنت سأحبس أنفاسي لأحتفظ برائحتك التي لا زلت لا أستطيع وصفها، كيف لأحد أن يحمل رائحة عمر أو زمن؟ رائحتك هي إدراكي لنفسي وطفولتي وشبابي ممزوجة برائحة جلدك الأسمر.

لعبتنا وأنا صغيرة  جالسة في حضنك، تقولين: "رقبتك.. رقبتك"، وأنا أسأل: "شبها؟"، تجيبين وأنت تقبلينها "حلوة وجميلة". هذه هي رائحتك كهذه الكلمات شاملة وهائلة الحضور لا تزيحها مسافات.

أكره التكنولوجيا الحديثة، كيف أصبحت أحاديثنا تراتبية ولا علاقة لها بي أو بك، لا أريد لعلاقتنا أن تختصر بماذا طبختِ اليوم؟ وكيف كان العمل؟؟ لا أريد أن أدرك نفسي أنني من المغتربين، وتنتهي ذكرياتنا هنا، أو ما قد نكونه في المستقبل، وهو عبارة عن لقاءات عبثية وسط اللامعنى الذي أعيشه. لا أريد أن تكوني الذكرى التي أقتات عليها، أنت رائحة البحر التي ترافقني طوال الوقت.

تزورينني كل ليلة أشعر أنني تركت آثام جسدي الثقيل، وحلقت بعيدًا حيث أنت. وأغمض عيوني مرة أخرى، أسمع صوتك من كل مكان يناديني، فأقوم لأكمل يومي وأكتشف أن هذا الصوت هو ما يجعل لهذه الحياة معنى، ويعطيني القوة اللازمة لاجتياز يوم آخر.

اقرأ/ي أيضًا:

يُعانقونك طويلًا مثل قبر

ابتسامات لمواطن شريف