وداعًا للحدود

وداعًا للحدود

أسامة دياب/ فلسطين

تعتبر اتفاقية وستفاليا (1648) نقطة تحول هامة في التاريخ الدولي، كونها أرست ما يعرف بنظام الدولة الذي بدأ يتقدم تدريجيًا ليحل مكان نظام الإمبراطورية خلال مسار طويل تطوّرت خلاله فكرة الدولة وتشعبت وتنوّعت، حد ولادة نظريات متعددة للدولة أفضت إلى نماذج مختلفة لها. إلا أن هذا الاختلاف لم يمنع وجود التشابه المطلق في عدد من الأمور التي يمكن اعتبارها السمات الأساسية أو العامة للدولة: الحدود، السيادة الوطنية، العلم، الجيش.

 أغلب الحروب التي نشبت بين الدول بسبب الحدود أو الأرض، كانت حروبًا قابلة للفهم والتفسير والتحليل

تعتبر الحدود عاملًا أساسيًا في العلاقة بين الدول، فهي تحدد مجال سيادة كل دولة ومكان تطبيق قانونها وموضع ثروتها الوطنية والطبيعية، الأمر الذي جعل أي اعتداء يتجاوز هذه الحدود يمس السيادة والكرامة الوطنيتين وبالتالي يستوجب الدفاع عنها وحق الرد. ومن هنا نشأت الحروب بين الدول التي كان أكثرها ناشئًا بسبب التعدي على الحدود أو وجود مشاكل تاريخية رافقت تكوّن تلك الدول جراء عدم ترسيم الحدود، أو عدم اعتراف دولة بالحدود المفروضة في ظرف تاريخي ما، كما في حالة الحرب بين باكستان والهند و بين العراق وإيران وأرمينيا وأذربيجان.. ناهيك عن التوترات التي لم تزل معلّقة على حواف الحرب مثل لواء اسكندرون، الجزر الإماراتية الثلاث.. إذ تخفت وتعلو على ضوء الاستخدام السياسي.

ولكن رغم ذلك، وبقليل من الدقة، نقول إن أغلب الحروب التي نشبت بين الدول بسبب من الحدود أو الأرض، كانت حروبًا قابلة للفهم والتفسير والتحليل، بمعنى أنه يكفي المرء قراءة الظاهرة/ الحرب في إطارها المحدود بين دولتين ليفهم أسباب الحرب ودوافعها. وهو الأمر الذي بات متعذرًا أو لنقل أكثر تعقيدًا في حروب اليوم.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عاش العالم نوعًا من التوازن بين قطبي العالم الأمريكي السوفييتي مع حروب محدودة هنا وهناك، حيث حافظ نظام الدولة على قوته ومتانته صامدًا في وجه المتغيرات الدولية، خاصة أنه وجد في الأمم المتحدة حاضنًا أساسيًا له، من خلال تحديد مجالات التدخل "القانوني" في سيادة الدول، من خلال موافقة مجلس الأمن، رغم ما يشوب نظامه من خلل. علمًا أن ثمة انتهاكات كبرى جرت لمفهوم الدولة وحدودها في أكثر من مكان في العالم، مرة بفعل القوة المحضة ومرة بفعل تحالفات إقليمية أو تفاهمات سرية تمنع إحالة الموضوع إلى مجلس الأمن، العدوان الإسرائيلي على فلسطين ولبنان وسوريا، التدخل السوري في لبنان.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى دول متعددة حاز كل منها شرعيته القانونية والدستورية وسط ممانعة روسية لم تزل قائمة، بدأ مفهوم الدولة يتعرض للهتك تدريجيًا، مرة تحت شرعية "القانون الدولي" كما في الحرب على أفغانستان، ومرة تحت شرعية "تحالفات دولية" خارج سلطة مجلس الأمن، وهي تحالفات لا شرعية لها إلا القوة المحضة كما في الغزو الأمريكي للعراق (2003)، ومرة تحت شرعية القوة العظمى التي ظهرت بموقع شرطي العالم الأمريكي الذي يضرب حيث يشاء "الصومال، السودان، العراق"، أو قوة دول أخرى ترى أنه تم الاعتداء على أمنها القومي كما في تصرفات روسيا في جورجيا 2008 وأوكرانيا 2014.

هذه الحروب والضربات الجوية التي تمت بين عامي 1990- 2011 كانت عبارة عن انتهاكات علنية لمبدأ الحدود وسيادة الدول، حيث تقرر دولة ما أو مجلس أمن يعكس مصالح الدول الخمس، أو تحالف ضرب دولة أخرى، لنكون بذلك أمام أمثلة حيّة وعلنية عن انتهاكات للحدود تجري على الملأ، ما مهد عمليًا لمرحلة أكثر خطورة بتنا نشهدها منذ عام 2011 وحتى اليوم، حيث تتعرض الحدود لانتهاكات متكاثفة ومتكررة تبدأ من الحظر الجوي على ليبيا الذي ساهم عمليا بإسقاط القذافي بقرار من مجلس الأمن، إلى الاعتداء الروسي على أوكرانيا، إلى التحالف الدولي لضرب داعش في العراق وسوريا إلى التدخل الفرنسي في مالي إلى التدخل السعودي في البحرين، وعاصفة الحزم في اليمن والتدخل الإيراني الروسي في سوريا. 

يُنتهك مفهوم الدولة مرةً باسم القانون الدولي، ومرةً تحت عنوان تحالفات دولية

الأمثلة السابقة هي عبارة عن انتهاكات دولة أو تحالف دول على دول أخرى، وبموازاتها تكاثر عبور الميليشيات من دول إلى دول، بدءا من حزب الله وعبوره إلى العراق وسوريا واليمن أيضًا، وعبور ميليشيات أفغانية ويمنية وعراقية إلى سوريا، يقابله تدخل تركي خليجي أوروبي أمريكي، ناهيك عن داعش الذي أعلن رسميًا زوال الحدود بين سوريا والعراق، "موّحدة" ما عجز البعثان السوري والعراقي عن توحيده تحت اسم "دولة العراق والشام الإسلامية"، ناهيك عن تمددها إلى ليبيا وسعيها للتدخل في مصر وتونس.

في القارة الأفريقية تقدم بوكو حرام نموذجًا آخر من داعش، فهذا التنظيم الإرهابي الذي ولد في نيجيريا اجتاز الحدود لأول مرة نحو تشاد في شباط/فبراير 2015 ليوسع نطاق هجومه خارج الحدود النيجيرية معلنًا استهداف كل الدول التي تشكلت في تحالف ضده "نيجيريا، النيجر، الكاميرون، تشاد"، لنكون أمام صورة مصغرة عن التحالف الدولي الذي شكل لمواجهة داعش في العراق.

قبل داعش وبوكو حرام وحزب الله والمليشيات الشيعية كان تنظيم القاعدة بأجندته العالمية من التنظيمات التي أعلنت عن تجاوزها الحدود الدولية، موّزعة ضرباتها في شتى أنحاء العالم "كينيا، أمريكا، أوروبا، سوريا، العراق، اليمن.."، لنكون أمام قاعدات تشي أسماؤها بمعاداتها للحدود، القاعدة في بلاد الشام، القاعدة في شبه الجزيرة العربية، القاعدة في المغرب العربي.. لتتشكل بموازاة كل ذلك تكتلات دولية أو اتفاقات دولية تجيز محاربة هذه الجماعات، بكل ما يعني ذلك من تجاوز للقانون الدولي و للحدود مثل الطائرات من دون طيار التي تتجاوز الحدود وغيرها من الإجراءات.

ما سبق، يوّضح أن الحدود التي تعتبر الرمز الأساس لسيادة الدولة وكرامة مواطنيها باتت تتعرض للانتهاك من طرفين، الأول دولي تنفذه مجموعة من الدول باسم "القانون" أو "القوة" أو الدفاع عن "الأمن القومي". والثاني: ميليشيات حزبية أو طائفية أو مأجورة. الفرق بينهما أن الأولى تنتهك الدول لتحافظ على النظام العالمي ومن ضمنه مفهوم الدولة، وفق رأيها، ولكن بالطريقة التي تحفظ مصالحها حصرًا وليس مصالح كل الدول، في حين أن الثانية لا تعترف بالدولة كلها، بل تقيم حروبها وتدخلاتها بناء على مفاهيم عضوية، العرق، الدين، الطائفة أو الارتزاق المالي بمعناه الفج والمباشر، مقسمة العالم بين الأخيار والأشرار، وهي نفس القسمة التي ينظر من خلالها أحيانًا الفريق الأول للأمر، حين يقسم العالم بين من "معنا ومن ضدنا" أو بين عالم الإرهاب وعالم السلام، كما تجلى الأمر في حديث جورج بوش الابن بعد أحداث أيلول/سبتمبر.

ما سبق، يطرح أسئلة كثيرة ومكثفة عن العلاقة بين تجاوز الدول الكبرى للسيادة الوطنية للدول الصغرى وتلك الميليشيات التي تتجاوز الحدود؟ وأي منها يخدم الآخر؟ وما حقيقة حفاظ الدول الكبرى على حدود الدول الصغرى حقًا حين تنتهك مصالحها؟

تعيش المستعمرات السابقة أو الدول الصغرى في العالم جرحًا نرجسيًا ناتجًا عن الشعور بالتخلف تجاه الآخر، الغرب المتفوق، وعدم تحقيق الاستقلال للدولة التي يطمحون، إذ بات أقصى أحلامهم أن يركبوا "قارب موت" نحو أرض المستعمر الذي طردوه من بلادهم، مما خلق جرحًا وسعته جملة من التحولات العالمية، انهيار الإيديولوجيات التحررية، انتصار الليبرالية بشقها العولمي الليبرالي المتوحش وظهور وجه متطرف لها جعل من الإسلام والثقافات والأديان غير المركزية عدوًا لها كما روّجت نظريات من نوع "صدام الحضارات"، اشتداد قبضة الدولة الاستبدادية التي حولت الأجيال الجديدة إلى مهمّشين على أبواب السفارات أو طالبي خلاص على أبواب الجوامع فتلقفهم التطرف.

ليست طروحات ضرورة إصلاح الأمم المتحدة سوى صدى لتحولات تحفر في جوف العالم ببطء

ضمن هذا السياق، بدأت الدول المنتصرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تمارس سطوتها على العالم، من نهب الأطراف اقتصاديًا إلى نشر القواعد العسكرية إلى التدخل العسكري المباشر عبر ضربات هنا وهناك أو تشكيل تحالفات عسكرية لهدف معين في تجاوز وتعدي على مفهوم الحدود وبالتالي الدولة، الأمر الذي عمّق جرح الكرامة الوطنية لمواطني هذه البلدان وجعلهم يشعرون بالانتهاك والذل والغربة مرتين، مرة على يد جلادهم "الوطني" الذي يعمل في خدمة "المستعمر" السابق الذي جاء اليوم ليخلصهم من جلادهم! 

وجرّاء تضافر الطرفين، المستبد والمستعمر السابق، على الحرب على الإرهاب التي ربطت في كثير من جوانبها بين الإرهاب والإسلام، أضحى السفر إلى "الإسلام المتطرف" نوعًا من خلاص لهذه الأجيال التي تبحث عن الثأر بعيدًا عن أي إطار وطني، الأمر الذي يعني أن انتهاك الحدود هذا نتاج عرج ينتاب قمة القرار العالمي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتفوق النموذج المتوحش لليبرالية، ما ولد رد فعل سلبي في الأطراف، زاده ازدواجية الغرب الفاضحة من الثورات التي اندلعت.

إلا أن رد الفعل لم يختصر في جانبه السلبي الذي تحدثنا عنه في الأعلى، بل منذ ولادة العولمة عملت تيارات وقوى كثيرة على الانضواء تحت إطار البحث عن عولمة بديلة فتشكلت نماذج عابرة للحدود أيضًا مثل المنتدى الاجتماعي العالمي وحركة سياتل التي تنظم مظاهرات تتجاوز إطار الحدود الوطنية، حيث يعبر هؤلاء النشطاء من بلد إلى بلد لينظموا تظاهرة ما، ناهيك عن شيوع ظاهرة تجاوز الحدود رمزيًا، حين تتظاهر حركة فيمن في باريس أو أي بلد أوروبي ضد جلد الناشط السعودي رائف بدوي أو ضد بوتين وغيره من الدكتاتوريين.

رغم أن مفهوم الدولة لم يستنفذ جدواه بعد، رغم ظهور ملامح إمبراطورية هنا وهناك "إيران، تركيا، روسيا، أمريكا". إلا أنه من الواضح أن ثمة خللا في النظام العالمي بات ينعكس سلبًا على العالم كله، فالأمم المتحدة باتت عاجزة عن حل خلافات عالمية، ومجلس الأمن بات أسير مصالح طغمة دولية لم تعترف أن العالم تحوّل وتغير كثيرًا منذ وضع ميثاق الأمم المتحدة الذي عليه أن يتغيّر أيضًا ليستجيب للتحولات الحاصلة في عمق العالم، وإلا الصدام قادم لا محالة. وما الطروحات الكثيرة حول ضرورة إصلاح الأمم المتحدة وتعديل نظامها إلا صدى خجول لهذه التحولات العميقة التي تحفر في جوف العالم ببطء.

هل ندرك أن الأمم المتحدة (1945) ولدت بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد أن عجزت عصبة الأمم (1919) التي ولدت بعد الحرب العالمية الأولى أن تكون بمستوى التحديات التي طرحتها التحولات العالمية آنذاك! هل يستجيب أحد لصوت الألم البشري الصادر من جوف هذا الكوكب، ويتجه نحو "الإصلاح"، أم نذهب نحو حرب عالمية ثالثة هي بطريقة أو بأخرى تعبير عن ثورة بوجه استبداد العولمة بعد اليأس من الإصلاح؟!