وجه فرنسيّة اسمها لين

وجه فرنسيّة اسمها لين

عمل فني لـ JR/ فرنسا

كان مساء جميلاً حين تعرفتُ إلى لين. تقول اسمها بفخر مصحوبًا باسم العائلة، عائلة زوجها الدمشقي. لين الفرنسية التي كان لها الحظ بأن تزور سوريا في عطلاتها الصيفية منذ العام 2000، حين كان والداها يعيشان في سوريا حيث عمل والدها.

تتذكر لين كيف كانت تصل المطار، ثم تصعد سيارة الأجرة "التاكسي". كل تاكسي في سوريا متحف صغير، أشياء تتدلى من هنا وهناك، أشغال يدوية، لوحات، مناظر طبيعية، ليس هناك "جي بي إس". "يمين، يسار، دغري دغري"، هكذا كنت أصل ببساطة إلى منزل والدي في حي المزة غرب دمشق. تتذكر ضاحكة والحنين يفيض من عينيها!

تحكي لي لين كيف كانت تتجول في أسواق دمشق، الحميدية والصالحية وباب شرقيّ، وكيف كان باستطاعتها البقاء نهارًا بكامله تتجول في محل الأقمشة تضع الأثواب على جسدها وتنظر للمرآة وتعود لتنتقي ثوبًا آخر، والبائع الباسم يستمهلها "خدي وقتك مدام..".

الوقت هناك في دمشق طويلّ، والناس بسطاء، والابتسامة لا تفارق محياهم. لقد عشقت دمشق، أدمنتها يومًا بعد آخر.. بلد ساحر هي سوريا!

لين تزوجت من خالد، الشاب السوري الذي منحها حبه وحياته واسمه، فباتت تشرح للفرنسيين بأن اسمها، لين، يعني النخلة باللغة العربية. شامخة هي وفخورةّ: أنا سوريِّة واسمي سوري بالكامل.

في عام 2011، غادرت مع زوجها إلى فرنسا. كانت لين حاملًا، وكان الحزن يملأ قلبها لمغادرة سوريا. تكاد الدموع تتدحرج من عينيها وهي تتذكر صغيرها في مهده، كان مغمض العينين وقبضة يده مرفوعة كأنه خارج في مظاهرة. تريني صورته بفخر: هذا طفلي السوري.

لم يكن من السهل أن تشرح لين لمن حولها كم تفتقد دمشق، وكيف تشعر بالحرمان لأنه لم يعد بوسعها زيارة هذه المدينة النابضة بالحياة. ووسط نمط حياة فرنسي بارد ومنهك بين العمل والمنزل، كانت تبحث عن صديقة سورية تذهب لزيارتها وترتشف معها الحنين إلى دمشق، وتسمح لوقت الحنين ذاك أن يتمدّد دون أن تنظر إلى عقارب الساعة.

تركها خالد في فرنسا والتحق بعمله في رومانيا، وكلما عاد إلى المنزل كان يشيح بوجهه الحزين محاولًا تفادي الحديث عن سوريا أو رؤية المشاهد التي تعرضها قنوات التلفزة الفرنسية، وتتكرّس فيها صورة سوريا بلدًا للموت، لم يعد أحد للحديث عما كان عليه هذا البلد من قبل موطنًا للحضارة وجنّة للناظرين، وبلدًا نهض شعبه في وجه الظلم وصرخ: "حرية!".

الحرية بين أيدينا في فرنسا، فماذا فعلنا بها؟ وهل استعملناها لاكتشاف طاقاتنا؟ لا أنفكّ أقارن بين الفرنسيين الذين إن واجهتهم مشكلة صغيرة سقطوا أمامها وقالوا "الوضع سيء.. نحتاج طبيبًا نفسيًا لتجاوز هذا"، وبين السوريين الذين يواجهون جبالًا من المصائب، ويبحثون عن القوة هنا في الداخل ووجوههم تشعّ بالأمل!

لين تركت صغارها عند أمها وسرقت نفسها لكي نتمشى معًا في هذه المدينة ونرسم تحت ضوء المساء الخافت وجه دمشق، ونتحدث عن عنفوانها كي نستطيع الابتسام من جديد. وجدت لين طريقها لتعبر عن حبها لسوريتها. تطوعت كمدرّسة لغة فرنسية للسوريين القادمين، ولتتعلم منهم العربية التي تعشقها وتعلّمها لصغارها، بانتظار أن تتمكّن من احتضان دمشق قريبًا لتقول لها بالعربية: اشتقتلك!

اقرأ/ي أيضًا:

مس اللحظة

مايسترو