وجهان لسلطة واحدة

وجهان لسلطة واحدة

خوسيبا موراليس/ إسبانيا

صفحة جديدة من صفحات السجال بين المؤسسة الثقافية والمؤسسة الدينية في مصر، يفتحها هذه المرة، حلمي النمنم، فور توليه حقيبة وزارة الثقافة. بدأت بصدامه مع مؤسسة الأزهر منذ أيام، بتأييده لفكرة تجسيد الأنبياء في الأعمال الدرامية، وبالتالي جاء رد الأزهر، كالعادة، بإجماع علماء الإسلام على حرمة ذلك.

 صرح وزير الثقافة المصري، أنه رغم اعتزازه بإسلامه، إلا أنه يحمي هوية مصر من الإسلام السياسي

لم يتوقف الصدام عند هذا الحد، لكن النمنم هذه المرة، يصطدم بالتيار السلفي، ممثلًا في "حزب النور"، بعد تصريح وزير الثقافة بأن مصر دولة علمانية بالفطرة. وبطبيعة الحال جاء رد "حزب النور" على النمنم بأن الشعب المصري متدين بالفطرة ولا يعرف العلمانية الدخيلة على ثقافتنا والمتعششة في رؤوس بعض النخب، وأن كلام النمنم يتنافى مع الدستور، الذي حدد هوية الدولة ومرجعيتها التشريعية، ألا وهي الشريعة الإسلامية.

اقرأ/ي للكاتب: الذبح على الشريعة العلمانية

من جهته صرح النمنم أنه رغم اعتزازه بإسلامه، إلا أنه يحمي هوية مصر من الإسلام السياسي. وبدأت المعركة تتصاعد إعلاميًا بين الفريقين: "حزب النور" ومؤيديه من جهة، والنمنم وبعض الأسماء الثقافية من جهة أخرى، من بينهم: الشاعر والناقد شعبان يوسف الذي دعا الجماعة الثقافية ألا تترك الكاتب الصحفي حلمي النمنم، وزير الثقافة، يواجه معركته ضد السلفيين وحده، في معركة تكسير العظام التي تقودها جماعات الظلام.

وبلا أدنى شك، يُعد حزب النور السلفي من أبرز قوى الرجعية في مصر، ومن المعروف أن القطاع الأكبر من السلفيين في مصر لم يكن لهم أدنى علاقة بالحياة السياسية فيما قبل "25 يناير"، حيث انصب اهتمامهم في مسائل تطهير العقيدة ونبذ البدع، وحذو نهج السلف في القرون الأولى، من منطلق أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. إلا أن كثيرا من معطيات هذه المعركة، تجعلنا نتساءل عن طبيعة هذا الصراع الذي لا ينتهي بين المؤسسة الثقافية والإسلاميين، وهل هو صراع جوهري يمس الأسباب الحقيقية لأزمات مصر، ولصالح من استمرار هذه الصراع؟ 

يجب الإشارة هنا إلى أن كلًا الفريقين من المتصارعين يلعب دورًا أساسيًا في دعم النظام العسكري في مصر. فحزب النور يمثل السلفيين المؤيدين للنظام العسكري، وحلمي النمنم، أحد أبناء دولة مبارك، تدرج في مناصبها المختلفة، وهو من المعروفين في المرحلة التابعة لثورة يناير بـ"الفلول"، حتى أن طلاب إحدى الجامعات المصرية قاموا بطرده أثناء إلقائه إحدى الندوات، باعتباره رمزًا ثقافيًا لزمن فاسد. بالإضافة إلى أن أغلب مؤلفات النمنم انحصرت في نقد الحركات الإسلامية.

كلٌّ من الفريقين المتصارعين، وزير الثقافة وحزب النور، يلعب دورًا أساسيًا في دعم النظام العسكري في مصر

المتابع للحياة الثقافية المصرية منذ عقود، سيلاحظ أن هذه المعركة ليست جديدة بالمرة. خاضها وزير ثقافة مبارك، فاروق حسني، بتصريحاته التي انتقد فيها الحجاب. من بعده خاض جابر عصفور أيضًا معركة شبيهة بمجرد توليه وزارة الثقافة، باعتراضه على قرار الأزهر بمنع عرض فيلم "نوح"، وغيرها من المعارك التي دعت فيها وزارة الثقافة، المثقفين إلى الاصطفاف حولها، باسم "التنوير" ضد "الظلامية". 

المعركة مع ما يسمى بجماعات الظلام معركة واجبة بالتأكيد، إلا أن تكرار هذا النوع من المعارك، ومحاولة إبرازها على حساب معارك أكثر جذرية واتساقًا مع الواقع، مثل المسائل الاقتصادية، وتحديدا في بلد يعاني اقتصاديًا مثل مصر، هو ما لا يدع مجالا للشك في أن النمنم تلميذ في مدرسة فاروق حسني، المعروف بمحاولاته على مدار ما يقرب من ربع قرن، في إدخال المثقفين في معارك وهمية مع الإسلاميين بدلًا من الانشغال بدور المثقف الحقيقي في نقد السلطة، وإلهاء الرأي العام عن ممارسات السلطة.

اقرأ/ي للكاتب: ليس للفلسطيني حتى الريح

فلو أننا سمعنا تصريحًا واحدًا لوزير الثقافة الحالي ومن يلتف حوله من المثقفين، حول انتهاك ملف الحريات في مصر منذ صعود العسكر إلى الحكم، لربما كان مقنعًا جدًا أنهم يقفون الآن ضد جماعات الظلام، لكنه لم يحدث، وهو ما يُفقد هذا النوع من الصراع مصداقيته، كأنه مسموح للبوط العسكري أن يدهس فوق هذه الحريات، دون أي اعتراض من هؤلاء المثقفين المنهمكين في محاربة طواحين الهواء.

أخيرًا، ألم يكن واضحًا لحلمي النمنم والمثقفين الداعمين له، أنّ "حزب النور" السلفي من جماعات الظلام عندما ركبوا معا فوق ظهر دبابة واحدة، في تحالف "30 يونيو"؟!