وجبة السيسي من

وجبة السيسي من "صبيانه".. للتصفيق شروط

تحول عبدالرحيم علي، الابن البار للأجهزة الأمنية، إلى معارضٍ للنظام المصري (أيمن عارف/ المصري اليوم)

يعقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لقاءات دورية برؤساء تحرير الصحف. غضب عبدالرحيم علي لأنه لم يكن طرفًا فيها رغم أنه رئيس مجلسي إدارة وتحرير صحيفة البوابة. سرت تلك الأنباء في الوسط الصحفي والسياسي؛ إذ إن الرجل كان معارضًا مؤثرًا خلال فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، فدُعيَ إلى لقاء واحد، صرخ خلاله وهاج وسط الحضور، مهاجمًا جماعة الإخوان المسلمين، فاعتبرها السيسي مزايدة عليه، كما أشارت أنباء في ذلك الوقت. ومن يومها، لم يُدعَ علي، الشهير بـ"ملك التسريبات"، رغم الخدمات التي قدّمها للنظام المصري، أو قل الدولة المصرية العميقة طوال السنوات الماضية.

على مدار سنوات، كان عبدالرحيم علي ذراعًا بارزة للأجهزة الأمنية للتشهير بالنشطاء والمعارضيين السياسيين في مصر

عصا النظام الضالة!

كان عبدالرحيم علي، منذ فترة ما بعد ثورة 25 يناير، ذراعًا لأجهزة أمنية لتشويه بعض المعارضين، منهم الإخوان وحركة 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين. وعبر برنامجه "الصندوق الأسود"، أذاع عشرات التسريبات، التي قيل إنها "منحة المخابرات" له، بعدما تحفّظت عليها خلال اقتحام مقار أمن الدولة عقب الثورة.

اقرأ/ي أيضًا: "عسكرة" الإعلام المصري.. لم تعد الموالاة كافية!

تقاربَ عبدالرحيم علي مع النظام المصري بشكل لافت، فقد كان عصاه الغليظة لتشويه معارضيه، مخترقًا مواثيق العمل الصحفي والإعلامي، بنشر تسجيلات شخصية وصلت إلى محمد البرادعي، الذي شغل منصب نائب رئيس الجمهورية بعد الإطاحة بمرسي.

اعتقد عبدالرحيم علي أن التسجيلات، التي حصل عليها من جهاز أمني، ملكية خاصة، وحين عرض أحمد موسى، الإعلامي المقرب من النظام المصري، تسريبًا للبرادعي، أطلّ عبر شاشة النهار يتهمه بسرقة تسريباته في منافسة على التركة الحرام لأجهزة الأمن، قائلًا: "ما عرضه أحمد موسى من مكالمات للبرادعي سبق وعرضناها من قبل، وكلها أخذها من (الصندوق الأسود) مكتفيًا فقط بحذف لوجو البرنامج". هذا فصلٌ من فصول الخلاف.. لكنه ليس الأول، وليس السبب.

سر أحمد شفيق.. كفيل "الصندوق الأسود"

وسط الغضب البادي من النظام المصري على أحمد شفيق، المرشح الرئاسي السابق، الذي غادر إلى الإمارات قبل سنوات خوفًا من فتح ملفاته القديمة أمام القضاء، ولم يعد حتى الآن مدّعيًا أنه في "رحلة عمرة" لم تنتهِ، ولا يزال هو المنافس المحتمل الوحيد على الرئاسة للسيسي، بعدما أعلن نيته العودة والترشح للرئاسة عبر عدّة تسريبات؛ سافر عبدالرحيم علي إلى دبي، وأجرى حوارًا صحفيًا معه حين أذيعت الإعلانات الترويجية له على شاشة فضائية "القاهرة والناس"، التي كان يقدّم برنامجًا عليها. 

لكن مُنع بث الحلقة. وبعد عدّة محاولات لبثها لم يجد عبدالرحيم علي طريقًا إلى عرضها إلّا عبر قناة العاصمة المملوكة لصديقه سعيد حساسين.

بدا أن عبدالرحيم علي يستدعي شفيق، عدو السيسي الأول كما يبدو الآن، من نومه لسنوات، لإعادة تقديمه للرأي العام المصري، وهو ما لم يقبلْه النظام المصري، فاتسعت الهوّة بينه وبين علي، معتبرينه يدين بالولاء لشفيق، خاصة أنه خلال الحوار هاجم السيسي.

في معركة الولاءات تلك، كان معلومًا أن عبدالرحيم علي صديق شخصي قديم لشفيق، وتولّت صحيفته "البوابة"، الممولة إماراتيًا، الدعاية له في أكثر من مناسبة، بل الحديث بلسانه، وأحيانًا خوض معاركه بدلًا منه. وممّا يقال إن شفيق عرّاب تمويل الصحيفة، ولذلك فهي تدين بالولاء له وليس للسيسي، والنظام المصري يعمل على الإطاحة بالوجوه التي لا تدين بالولاء كاملًا للرئيس المصري منذ فترة، حتى إن وائل الإبراشي لم يظهر في برنامج "العاشرة مساء" على قناة دريم منذ استضافته شفيق تليفونيًا! ومن هنا يُمكن القول إنّ الخلاف قد بدأ.  

السبب الحقيقي لانقلاب عبدالرحيم على آبائه في "الداخلية"

كان عبدالرحيم علي حتى وقت قريب مؤيدًا لسعوديّة تيران وصنافير، وداعمًا لاتفاقية التنازل عن الجزيرتين، وهو ما بدا في معالجة صحيفة "البوابة" المصرية للأزمة، وبدا أيضًا في عدّة تصريحات له عن المتظاهرين من أجل مصرية الجزيرتين، فقال في تصريحات صحفية، إن "الداعين للتظاهر ضد اتفاقية تيران وصنافير، لا يريدون الخير لمصر".

بمرور الوقت، وبعد حادث تفجير كنيستيْ الإسكندرية وطنطا، انقلب عبدالرحيم علي على وزير الداخلية، وعرَّض به، بل طالب بإقالته على صدر الصفحة الأولى لصحيفة "البوابة"، رغم أنه أمسك العصا من المنتصف، مستعينًا بالسيسي باعتباره "الأسد المغوار" بسؤاله: "متى تشفي غليلنا؟".

صودرت الصحيفة، واشترط الأمن تغيير مانشيت الصفحة الرئيسية مقابل طباعتها، فرفض. وفي اليوم التالي، صدرت الصحيفة بنفس المانشيت، فصودرت للمرة الثانية. ظل عبدالرحيم علي على موقفه بالاستقواء بالرئيس ومهاجمة الأجهزة الأمنية. وفي اليوم التالي، استغلّ كونه نائبًا برلمانيًا، ووقف يصرخ في ساحة مجلس النواب: "حفضل سنة كاملة أنشر نفس العنوان، لو اتصادرت سنة كاملة، لو اتحبست هعيده، لو اتقتلت هعيده".

لكنه في اليوم الثالث، تراجع نهائيًا، ويبدو أنه خضع لضغوط من جهة ما، وصدر العدد مبتذلًا بعنوان "شدي حيلك يا بلد"!

إخوة عبدالرحيم علي في الداخلية

لا يبدو أنّ عبدالرحيم علي كان يبحث بالفعل عن حق شهداء الأقباط، فلطالما تواطأ على دمائهم ودماء غيرهم من المصريين، لكن معلومات المصادر تشير إلى أن القيادات التي كان يعمل لحسابها بجهاز أمن الدولة صدرت قرارات بإبعادها عن كراسيها بأمر من وزير الداخلية. ويبدو أنّه لحساب هؤلاء هاجم رئيس تحرير البوابة وزير الداخلية، معتقدًا أنّ تفجير الكنيسة كان كفيلًا بإقالته، وبالتالي سيخرج من المعركة منتصرًا ويفوز بالحسنييْن، فيقال إنه من تسبب في إقالة وزير الداخلية بهجومه ويرضي قيادات الداخلية المتضرّرة من مجدي عبد الغفار.

في تغيّر دراماتيكي، وليرد الصفعة لنظام السيسي، بدّل عبدالرحيم علي موقفه من اتفاقية تيران وصنافير، ليدافع عن مصرية الجزيرتين

هنا، بدأ موقف عبدالرحيم علي من تيران وصنافير يتبدل، فكان يرتّب لأي موقف يردّ به الصفعة لنظام السيسي ورجاله، الذي أراد له أن يركعْ أمام وزير الداخلية، فأعلن موقفه: "الجزيرتان مصريتان"، ولم يأخذ المنحى الذي اتخذته أغلب الصحف المصرية. فكانت صحيفته الوحيدة لاحقًا التي أيدت مصرية الجزيرتين. بدا تغيّرًا دراماتيكيًا من الابن البار للأجهزة الأمنية.

يومها، أدرك عبدالرحيم علي، أنه ليس آمنًا في مصر، فنقل أغلب أعماله وأمواله إلى باريس تحت غطاء مركز دراسات الشرق الأوسط، وبدأ في ترجمة وإنتاج وتحويل أبحاث ودراسات عربية إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، واعترف بذلك في مقال نشر على موقعه الرسميّ بعنوان "الحلم".

عقاب النائب.. هل يلقى مصير عكاشة والسادات؟

عقابًا لعبدالرحيم علي، وفي لفتة ليست الأولى من نوعها، تحالف عدد من النواب، مقدّمين مذكرة لإسقاط عضويته إلى رئيس مجلس النواب علي عبدالعال، في تكرار لسيناريو إسقاط عضويتي توفيق عكاشة ومحمد أنور السادات. وطرح موقع "مبتدا" المؤيد للنظام المصري، سؤال: "هل تسقط عضوية عبدالرحيم علي من البرلمان؟".

اقرأ/ي أيضًا: البرلمان المصري..ظل هزيل للسلطة

وللنواب، الذين اجتمعوا عبر عدّة أجنحة موالية للنظام المصري، عدّة حجج لإسقاط عضوية عبدالرحيم، الأولى إهانة البرلمان ونوابه والسخرية منهم ونشر أخبار مغلوطة عنهم في صحيفته وموقعها البوابة، والثانية تغيّبه عن حضور الجلسات لمدد طويلة، نظرًا لانشغاله بأعماله في باريس، أو كما قالوا.

خرج نشطاء على موقع فيسبوك، بدلالة انقلاب النظام المصريّ على عبدالرحيم علي لدرجة الرغبة في إسقاط عضويته من مجلس النواب والإطاحة به، والحملة التي يتعرض لها في الصحف القومية، بعد أن كان عصا النظام للتشهير بمعارضيه؛ إلى أن النظام الحالي تجاوز مرحلة عدم قبول المعارضة في المشهد، إلى مرحلة عدم قبول التأييد بطريقة لا ترضي النظام الحالي أو بأجندة مختلفة عن أجندته، فلا بد في مصر من أن تكون مؤيدًا وبالطريقة التي يريدها ويفضلها السيسي ورجاله الأقربون. لا يكفي أن تكون مؤيدًا فقط!

وقائع "تجريس" ابن الدولة بفضائح جنسية وأمنية

يكتمل مسلسل إحباط ظاهرة عبدالرحيم علي بطريقة "من حضّر العفريت يصرفه"، فالنظام المصري نفخه، ومنحه وجوده بالتسريبات التي وفرها له قبل سنوات، والآن يسحب البساط من تحت قدميه، ويحاول إخفاءه من المشهد، بالتزامن مع دعوات وأنباء وشائعات عودة شفيق إلى مصر ونيته الترشح للرئاسة. ورئيس تحرير "البوابة" أحد تجليات شفيق ورجاله في مصر، وهناك توجه لقطع أذرع شفيق الإعلامية في مصر، إلى جانب هجومه العنيف على أحد أجهزة الدولة، الذي انفجر مؤخرًا بمانشيت عن "هروب حبيب العادلي" استهدف به مجدي عبدالغفار وزير الداخلية الحالي.

وبعد مصادرة صحيفة البوابة من جديد، اندفعت الصحف القومية إلى الهجوم الضاري على عبدالرحيم علي، والتفتيش في تاريخه وفضح تلونه، الذي كانت أجهزة الأمن طرفًا فيه، ففي صحيفة الجمهورية صفحة كاملة تتحدث عن "قصة صعود وسقوط الصعلوك"، تروي تفاصيل الصندوق الأسود لعبدالرحيم علي وبوابته، وتصفه بـ"العنتيل والصرماتي"، وتدّعي أن له حكايات جنسية بعنوان "المتدربة الحسناء تفضح جواري نائب ميت عقبة".

وادّعت صحيفة "المساء" الحكومية أن عبدالرحيم علي "بدأ إخوانيًا ثم ارتمى في أحضان الداخلية، والآن يهين مشاعر المسلمين"، و"اشتهر عنه ابتزاز السياسيين بتسجيلات دون مصدر والتورط في فضائح جنسية"! ورغم أن جميع أجهزة الدولة كانت مؤيدة لبرنامجه، الذي أذاع فيه تسريبات التي أُعطي إياها من قبل هذه الأجهزة، لكن انقلبت عليه الصحيفة الآن، وكتبت عنوان "الصندوق الأسود بشهادة الخبراء من أبرز السقطات الإعلامية". كل ذلك تحت عنوان رئيسي كبير هو: "عبدالرحيم علي تاريخ حافل من التلون".

وفي مجلة روزاليوسف، كتب رئيس التحرير، أحمد باشا، مقالًا بعنوان "شبع بعد جوع"، ذكر فيه تفاصيل شخصية عن علي: "أول من ارتمى في أحضان الإخوان، وحضر إفطار الجماعة بملابس متواضعة، وبعدها أصبح يرتدي أشهر الماركات. أصبح يتناول ساندوتشات الكافيار في أفخم المطاعم ويتحرك في أسطول من السيارات. ابن حزب التجمع نسي أنه عرف طريق الشهرة من أوسع بوابات لاظوغلي (الاسم الحركي لأمن الدولة)".

العجيب فيما يفعله نظام السيسي، أنه يعاير الناس بما يعتبره فخرًا. الصحف القومية تعاير عبدالرحيم علي بكونه خرج من دواليب جهاز أمن الدولة سيء السمعة، وتهاجمه لأنه لم يصُن العيش والملح مع قياداته، فالسيسي يأكل رجاله الآن بعدما فرغ من استهلاكهم، فلم يعودوا وجوهًا صالحة للاستخدام من جديد بعدما أدوا أدوارهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جيش السيسي الإلكتروني.. تسريبات وفضائح فيسبوكية

عصابة "باشاوات" مصر.. و"رعاع" البلد