05-مايو-2020

من الوثائقي (يوتيوب)

 

عرض التلفزيون العربي، مساء يوم الإثنين الرابع من أيار/مايو الجاري، وثائقيًا عن فترة حاسمة من تاريخ شبه الجزيرة العربية، تحت عنوان "مملكة الحجاز"، وهو وثائقي يؤرخ للصراع بين جماعة عبد العزيز بن سعود والأشراف الهاشميين على حكم الحجاز، ما مهد لتأسيس المملكة العربية السعودية، على يد زعيم عصابة بدوية دينية متطرفة، وبدعم بريطاني.

كما يشير الدكتور سيمون روس فالنتين، المختص في شؤون الشرق الأوسط، فإنه لولا الدعم البريطاني آواخر القرن التاسع عشر، لبقيت الوهابية وآل سعود على هامش التاريخ الإسلامي

يبدأ الفيلم، الذي استمر لأكثر من ساعة، بمقاطع صوتية تتضمن وعودًا قطعها عبد العزيز بن سعود، عندما سيطر على الحجاز، بأنه غير معني بتملكه أو التسلط عليه، وإنما بجعل أهله يختارون حاكمهم، ثم بمقاطع أخرى يهتف فيها آخرون بأن "الحكم لله ثم لعبد العزيز بن سعود". كانت تلك البداية، إشارة موجزة للتناقضات في سيرة مؤسس "مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها" التي أصبحت بعد سنوات قليلة المملكة العربية السعودية.

اقرأ/ي أيضًا: وثائقي مملكة الحجاز.. كيف أجهز آل سعود على حكم الهاشميين؟

بداية الصراع

في عام 1908، أصدر السلطان عبد الحميد مرسوم تعيين الشريف حسين للحجاز، كسليل للهاشميين ممن حكموا الحجاز لسنوات. ترافق ذلك مع بداية الانهيار في الدولة العثمانية.

لكن وعند صحراء نجد، كان هناك طرف ثالث غير العثمانيين والشرفاء، يسعون إلى "تطهير الحرم" كما يزعمون. عصابة تجمعها دوافع الغزو البدوية، والنزعة نحو فرض العقيدة بالقوة. كان عبد العزيز بن سعود، سليل الأسرة الحاكمة في نجد، هو من يقودهم. إنها حركة "إخوان من طاع الله"؛ حركة عقائدية تريد نشر ما تؤمن به بالسيف. جيش من المتعصبين سيفرض سيطرته على جزء من جزيرة العرب في سنوات قليلة.

في ذلك الوقت، كانت بريطانيا تقود مساعيًا حثيثة لتقويض الحكم العثماني في شبه الجزيرة العربية. في عام 1914، وصل مبعوث سري إلى مكة باحثًا عن الشريف حسين، يبلغه رسالة بريطانية مرسلة من اللورد هربرت كوشنر، المعتمد البريطاني في القاهرة. كان كوشنر يريد أن يعرف إن كان عرب الحجاز مستعدين للوقوف مع بريطانيا ضد تركيا، في حال انحيازها مع ألمانيا في الحرب القادمة. كما تضمنت رسالته وعودًا بريطانية بحفظ حقوق أشراف مكة، وعدم السماح لأي تدخل خارجي في شؤون الحجاز، وتحدث عن ممكلة عربية تدور في الفلك البريطاني، حتى أنه أشار إلى إعادة الخلافة. 

على الطرف الآخر، كان بن سعود يتواصل مع المسؤولين البريطانيين، يطلب ضمان استقلال نجد، وهو ما وعدت بريطانيا به فعلًا. لاحقًا اعترفت بريطانيا باستقلال نجد عن العثمانيين، بدفع من ممثل الحكومة البريطانية في الهند، الكابتن شكسبير، أول بريطاني يلتقي ببن سعود ويلتقط صورًا له ولجيشه في الرياض بعد فترة وجيزة. كما أنه وعد الجيش العقائدي البدوي بالمال والسلاح، شرط أن يحارب دولة الرشيد في حائل، حلفاء العثمانيين.

كما يوضح البروفسور بوجين روغان، المختص في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، كان موقف بريطانيا منقسمًا  بين مركزيها في الهند والقاهرة، المعنيين بشؤون العالم العربي. على سبيل المثال، فقد نظرت حكومة الهند، إلى العالم العربي من خلال مصلحتها في الخليج الفارسي، لذلك كانت مهتمة بتوسيع الجهود البريطانية للسيطرة عليه. لكن في القاهرة دار الاهتمام حول وضع بريطانيا في مصر والأراضي المجاورة في سوريا والحجاز.

مع انطلاق الحرب العالمية الأولى، واقتراب الدولة العثمانية من نهايتها. أصبحت الثورة العربية الكبرى على الأبواب بدعم إنجليزي كبير ضد الحكم التركي. سرعان ما استقل الحجاز ليصبح مملكة الحجاز الهاشمية. ثم نصب الشريف حسين بن علي ملكًا عليها، وهو ما كان بمثابة حلم عربي هش لم يدم أكثر من تسع سنوات ثم تلاشى.

في تشرين الثاني/نوفمبر 1916، استدعت بريطانيا بن سعود للتشاور. حيث قال إنه لا يشعر بالأمان تجاه التوسع الحجازي، بعد أن كان الشريف حسين قد نصب نفسه ملكًا للعرب. وقتها، بدأ بن سعود يحظى بدعم بريطاني ضخم، بعد اقتناعهم بالقوة والجيش الكبير الذي يقوده. وهي قوات ضخمة نشأت من البدو في القرن الثامن العشر. في اللحظة التي كان يعلن فيها الجهاد، كان الآلاف منهم يتجمعون في ساعات. وكانت بريطانيا هي الجهة التي تمدهم بالسلاح والمال. وكما يشير الدكتور سيمون روس فالنتين، المختص في شؤون الشرق الأوسط، فإنه لولا الدعم البريطاني أواخر القرن التاسع عشر، لبقيت الوهابية وآل سعود على هامش التاريخ الإسلامي.

وعد بلفور وسايكس بيكو.. كيف اختارت بريطانيا بن سعود؟

في الحجاز، وصل إلى مدينة جدة للقاء الشريف حسين، كل من البريطاني مارك سايكس، والفرنسي فرانسوا جوروج بيكو، اللذين كانا قد أنهيا مخططًا سريًا لتقسيم الشرق الأوسط بين فرنسا وبريطانيا. حاول الرجلان إقناع الشريف حسين بشأن مصير سوريا، الذي بات مرتبطًا بفرنسا. لم يكن الشريف حسين وقتها يعلم عن أي اتفاق بين لندن وفرنسا، حسب ما تظهر الوثائق البريطانية. رفض الشريف تسليم منطقة عربية لدولة غير عربية. بينما كان الإنجليز مصرين على استثناء سوريا وفلسطين من أي دولة عربية قادمة، وهو ما كان يرفضه الشريف حسين أيضًا.

وقتها، أصبح الشريف الهاشمي صعب المراس بالنسبة لبريطانيا. بينما كان بن سعود مستعدًا لتقديم أي تنازلات. وببساطة، فقد قررت لندن التخلص منه، بعد أن توترت العلاقة بينهما وأصبح حجر عثرة في طريقهم. وهو ما انتهى إلى إعطاء عبد العزيز بن سعود الضوء الأخضر والدعم لاحتلال الحجاز. بداية من سقوط الخرمة بعد خيانة الشريف خالد بن لؤي لشريف الحجاز، ثم معركة تربة وهزيمة الجيش الهاشمي الأكثر قسوة على الجيش الهاشمي عام 1919.

وباختصار، فقد تركت بريطانيا الشريف حسين وحيدًا في معركته ضد الوهابيين. واستمر الجيش الوهابي يعسكر على حدود الحجاز، ومرت خمس سنوات من الترقب. كانت كل الإشارات من بريطانيا تشير إلى قرار بتسليم الحجاز لبن سعود.

في منتصف عام 1921، وصل توماس لورانس أو لورانس العرب إلى مكة، عارضًا على الشريف حسين كفرصة أخيرة، إبرام اتفاقية أنجلوهاشمية، شرط أن يوافق على نتائج الحرب وأن يقبل بوعد بلفور، مقابل حفاظ بريطانيا على أمن مملكة الحجاز. كان العرض البريطاني الأخير لحماية المملكة الهاشمية من هجوم بن سعود، لكن الشريف حسين تمسك بموقفه ورفض العرض، ولم يقبل بوعد بلفور.

عام 1924، اندفع الشريف حسين وأعلن نفسه خليفة للمسلمين، فتلقى بيعة واسعة في الحجاز والشام. ما جعل عبد العزيز بن سعود يقرر غزو الحجاز. انطلق جيش الإخوان في هجوم مباغت صوب الحجاز، ونفذوا غارات مكثقة في مناطق شريفية، بدءًا من شرق الأردن، وقتلوا سكان بعض القرى. ثم جاء سقوط الطائف، حيث قتل المئات من الناس. فيما تحدثت صحف بريطانية عن قطع حناجر أطفال ونساء هناك، بنوع من القوة والبطش المغلفين بغلاف ديني.

لقد كان استمرار رفض الشريف حسين لوجود اليهود في فلسطين ووعد بلفور، بمثابة لحظة حاسمة، في اختيار بريطانيا لبن سعود، الذي أبدى مرونة واضحة وتنازلات تجاه ذلك، وكان بمثابة "رجل يمكن التعامل معه".

نهاية عهد

قبل الشريف حسين التنازل عن العرش، وتسليم حكم الحجاز إلى نجله علي، بطلب من حزب الحجاز الوطني، الذي كان يريد الحجاز أن يبقى منفصلًا عن حكم بن سعود، لكنه كان يدرك أن القواعد تغيرت، وأنه لا بد من تخفيف وطأة الأحداث.

كانت لحظات صعبة على الشريف حسين، بعد أن تلاشت آماله بإنجاز دولة عربية. وبعد أيام، جمع الشريف الهاشمي أغراضه وغادر أرض الحرمين، التي لن يعود إليها إلى الأبد. وصل إلى ميناء جدة، وودعه عدد من الحجازيين. ثم أبحر نحو مدينة العقبة، وبويع نجله علي على الحجاز في ظروف صعبة.

اقرأ/ي أيضًا: 5 أفلام فضحت النظام السعودي من الداخل

بات الطريق ممهدًا إلى مكة بالنسبة لآل سعود، فدخلها خلال أيام، وأعلن ضمها إلى نجد. وكان عازمًا على ضم كل مناطق الحجاز، وخاطب أهل المنطقة بأنه لن يتم السلام ما دام هناك هاشمي يحكم في الحجاز. في خضم ذلك، استمر التوسع السعودي حتى وصل المدينة. وهو ما جعل القلق يتصاعد في العالم الإسلامي، بشأن مصير الحرمين.

لقد كان استمرار رفض الشريف حسين لوجود اليهود في فلسطين ووعد بلفور، بمثابة لحظة حاسمة، في اختيار بريطانيا لبن سعود، الذي أبدى مرونة واضحة وتنازلات تجاه ذلك

خلال تلك الفترة، توعد بن سعود بأن يحكم الحجازيون الحجاز، من خلال استفتاء يختارون فيه حاكمهم، تحت وصاية العالم الإسلامي، وأنه ليس له مصلحة بالحكم. وهي الوعود التي لم يطبقها بطبيعة الحال، مرسخًا مرحلة جديدة من الحكم الوهابي المتطرف.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تدمير مكة.. هكذا حوّل آل سعود تراث الرسول إلى رحلة استهلاكية!