وباء كورونا وإعادة التفكير في سياسات الطوارئ

وباء كورونا وإعادة التفكير في سياسات الطوارئ

يمكن فهم إجراءات الطوارئ كمسؤولية اجتماعية للدولة تتخلى عنها (Getty)

مع البدء بفرض سياسات الطوارئ والحجر الصحي، على خلفية الانتشار السريع والمخيف لفيروس كورونا، الذي صنفته منظمة الصحة العالمية كجائحة، بدأت بعض الأصوات تخرج منتقدة تلك السياسات، ومستعينة بمقولات نظرية رائجة، ضد "سياسات الطوارئ" التي تتخذها الدولة، بما لها من دلالات اجتماعية وسياسية وأمنية.

لا يمكن فهم حالات الطوارئ وإجراءات منع التجول، باعتبارها جزءًا من سياسات الضبط والسيطرة، التي تتبعها الدول، ولكن على العكس، تبدو في حالة مكافحة الأوبئة جزءًا من المسؤولية الاجتماعية للدولة التي تحاول التخلي عنها

مع مرور الوقت على انتشار الوباء، تتبين حقيقة أنه وعلى عكس ما يشير إليه هؤلاء، فإنه لا يمكن فهم فرض حالات الطوارئ وإجراءات منع التجول، باعتبارها جزءًا من سياسات الضبط والسيطرة، التي تتبعها الدول. ولكن على العكس، فإنها تبدو في حالة مكافحة الأوبئة جزءًا من المسؤولية الاجتماعية للدولة، التي تحاول في عدة أمثلة التخلي عنها.

اقرأ/ي أيضًا: خراب الاقتصاد العالمي.. وجه كورونا القبيح

هناك فكرة بدأت تتبلور في خطاب بعض الأنظمة والأوليغارشيات الحاكمة، بأن الوباء جزء طبيعي من  الحياة، التي لا بد لها من الاستمرار. بدأت تلك المجادلة من المقارنة السطحية بين ضحايا الأمراض الموسمية وبين ضحايا وباء كورونا المستجد، ثم وصلت إلى إشعار الناس بأن انتشار العدوى شبح لا مفر منه، وسيقتل حتمًا جزءًا صغيرًا من أبناء المجتمع. ولا أدق كمثال من خطابي بوريس جونسون في بريطانيا ودونالد ترامب في الولايات المتحدة. خطابات تُبعت بتصريحات بعض الأثرياء الأمريكيين، التي أثارت جدلًا في وسائل الإعلام، تقول إنه لا يجب أن "نسمح" للمرض بأن يدمر عجلة الاقتصاد.

في لبنان، ضغط الشارع على السلطات من أجل فرض حالة الطوارئ، بينما تعنتت الحكومة أول الأمر، وفي البرازيل، شهدنا في الأيام الماضية دورًا أكبر تلعبه العصابات  لفرض منع التجول من أجل مكافحة الوباء، وفي بريطانيا وأمريكا، يبدو أن هناك تعمدًا في إبطاء الإجراءات والسياسات الوقائية التي يطالب بها عدد من المواطنين، لردع الوباء. وهي أمثلة تشير إلى انقلاب في معنى حالة الطوارئ، في السياق الذي نعيش فيه.

كما أن الأنظمة الأكثر استبدادًا، والتي تسيطر بالمطلق على كل المؤسسات بما فيها الإعلامية والطبية، تميل بوضوح إلى إنكار وجود حالات، أو التقليل من شأن الخطر، من خلال التكتم عليه. ففي مصر مثلًا، حيث يحكم واحد من أكثر الأنظمة استبدادًا في تاريخ المنطقة، وحيث تعيش البلاد أصلًأ في حالة طوارئ، فإن الخطاب الرسمي وللمفارقة، يقلل من أهمية موضوع الوباء، ويؤخر في فرض إجراءات "الطوارئ" التي يُفترض أنها مفروضة بدون سبب أصلًا، من سنوات.

صحيح أن الدول الحديثة تستفيد من فرض ما يطلق عليه جورجيو أغامبين حالة الطوارئ، وتكتسب أقوى أنواع شرعيتها من خلال التلويح بالفوضى، كما تبين مقولات نظرية عديدة دأب أصحابها على نقد السلطة الحديثة، لكن هناك مستوى، لا يمكن إغفاله، وهو الشرط الأساسي لفكرة النظام، سواء السياسي أو الاقتصادي، أي الاستقرار، الغاية النهائية لأي نظام.

فعندما تخرج تلك "الظروف الاستثنائية" عن السيطرة، تصبح  الوظيفة الوجودية للدولة، استعادة الوضع القديم، المتوازن، أو فرضه على الناس، وتطبيع الحياة من جديد لا الاستثمار فيما طرأ. وإن كان هناك ما يوازي بروبغاندا الرعب التي تصدرها بعض الأنظمة ضد الإرهاب أو اللاجئين، فهو بروبغاندا الطمأنينة التي تصدرها بعض الأنظمة، عندما تفقد القدرة على السيطرة على ظرف غير معهود. وإن كان التهويل بشأن الإرهاب يشي بشيء، فهو يشي بأن هذا "التهديد" تحت السيطرة، إلى درجة يمكن استثماره فيها، أما بروبغاندا الطمأنينة في حالة الوباء، فإنها تشير على الأرجح إلى فقدان السيطرة.

وفي هده الحالة أيضًا، لا يمكن إنكار أن الخاسر الأكبر غالبًا من توقف الحياة خارج المنازل، خاصة في الدول التي تتوفر على أبسط الضمانات لحقوق المواطنين، ليسوا الفقراء أو الناس العاديين، بقدر ما هي الأوليغارشية الاقتصادية، التي تسيطر على الأنظمة السياسية حتى في بعض الدول الديمقراطية، وتحاول استعادة توازنها من خلال "تطبيع الوباء"، لا من خلاله الإقرار باستثنائيته أو بكونه حالة طارئة. كما أن مصالحها تتقاطع مع الرؤساء المتلهفين لإنهاء فترة ولايتهم بـ"أرقام مقنعة" اقتصاديًا.

تستفيد الدولة بالتأكيد من الخوف، ومن ممارسة أنماط من "الأمننة" (Securitization)، والتهديدات الوجودية، لكن هذا كله يبقى مشروطًا بقدرتها على إدارة تلك المخاوف، وهو ما لا يبدو واضحًا في بعض الحالات، من بينها انتشار فيروس كورونا، كوباء عالمي.

اقرأ/ي أيضًا: اتحاد أوروبي بلا أوروبيين.. كورونا والقوميّة المتخيّلة

هنا وإن كان ممكنًا استلهام طروحات ماكس فيبر، فإنه يجدر بنا القول إن الدولة، تقوم في جزء واسع من خطابها الأمني والدعائي، لا فقط على احتكار العنف، ولكن أيضًا على احتكار الخوف، أو بمعنى ما احتكار مصادره. وهي تشعر بتهديد ما، من كل خوف لا يجيء من خلالها.

هناك فكرة بدأت تتبلور في خطاب بعض الأنظمة والأوليغارشيات الحاكمة، بأن الوباء جزء طبيعي من  الحياة، التي لا بد لها من الاستمرار

لقد حددت نقود الدولة الحديثة شكل المعرفة الاجتماعية المعاصرة بالتأكيد، ولا يمكن اعتبار أن ما أنتجه علماء الاجتماع والإنسان والسياسية والفلاسفة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أقل قيمة أو دورًا من مجمل المنجز العلمي والمعرفي قبله. بما هو مراجعة شاملة ونقدية للعلم والحداثة وما أنتجته من طموحات ومخاوف وأدوات وافتراضات. لكن ما لا يجب أن نغفله، نحن المتحمسون لنقد الدولة وأدوات الضبط، أن هذا النوع من النقد، نشأ في هامش الرخاء الذي حققه العلم، وحققته الدولة نفسها واكتسب شرعيته من خلاله. وربما يهتز هذا النوع من النقد، عندما تهتز تلك الحالة من الرخاء.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

كورونا من منظور أوروبي.. أسئلة الوحدة والتفكك