وباء الشخير الصامت: حين يتحوّل الضجيج الليلي إلى خطر صحي عالمي
10 فبراير 2026
لم يعد الشخير مجرّد مادة للسخرية أو نكتة عائلية عابرة، بل بات مؤشرًا صحيًا مقلقًا يضع ملايين البشر أمام مخاطر حقيقية، قد تصل إلى حد الوفاة المفاجئة.
وحسب تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" حذر خبراء النوم من أننا نعيش فعليًا بدايات "وباء شخير" عالمي، تقف خلفه عوامل بيولوجية وبيئية متشابكة، من السمنة والتقدم في العمر، وصولًا إلى التغير المناخي وتلوث الهواء.
قصة تشخيص متأخر
في العشرينات من عمره، لم يتخيّل البريطاني مات هيليير أن الشخير الذي سمعته صديقة له ذات صباح سيكون إنذارًا مبكرًا لحالة صحية خطيرة. شاب نحيف، غير مدخن، ونشيط بدنيًا، لم يرَ نفسه يومًا ضمن الصورة النمطية لمريض "انقطاع النفس أثناء النوم". لكن بعد سنوات من التجاهل، وتحديدًا عند بلوغه الثلاثين، قاده تسارع ضربات قلبه بعد ليلة صاخبة من الشخير إلى الطبيب، لتكشف الفحوص أنه يعاني من انقطاع نفس متوسط الشدة، يحدث تحديدًا عند النوم على الظهر.
لم يعد الشخير مجرّد مادة للسخرية أو نكتة عائلية عابرة، بل بات مؤشرًا صحيًا مقلقًا يضع ملايين البشر أمام مخاطر حقيقية، قد تصل إلى حد الوفاة المفاجئة
هيليير لم يكن حالة استثنائية. قصته تسلّط الضوء على واحدة من أكبر مشكلات هذا المرض، والمتمثلة بالاعتقاد الخاطئ بأنه حكر على كبار السن أو من يعانون السمنة.
خطر أكبر مما نتصور
تقدّر الجمعية البريطانية للشخير وانقطاع النفس أثناء النوم عدد من يعانون الشخير في المملكة المتحدة بنحو 15 مليون شخص، بينما يعاني قرابة 8 ملايين بالغ من انقطاع النفس أثناء النوم، وهي حالة أخطر تتسبّب في توقف التنفس مرارًا خلال النوم، ما يؤدي إلى انخفاض خطير في مستوى الأكسجين في الدم.
المخاطر لا تقتصر على التعب وسوء المزاج، بل تمتد إلى ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب، السكتات الدماغية، السكري، وزيادة خطر الوفاة المفاجئة. كما تشير التقديرات إلى أن 10% من حوادث السير مرتبطة بانقطاع النفس أثناء النوم نتيجة النعاس وفقدان التركيز. ويصف البروفيسور أما جوهال الشخير المنتظم والصاخب بأنه "ضوء تحذير مبكر على لوحة القيادة الصحية"، لا يجب تجاهله.
لماذا نشخر؟
يحدث الشخير عندما ينسد مجرى الهواء أثناء النوم، فتبدأ أنسجة الحلق أو سقف الفم أو اللسان بالاهتزاز مع مرور الهواء، منتجة أصواتًا تتراوح بين التنفس الثقيل والغرغرة والصفير.
أما الفرق الجوهري بين الشخير وانقطاع النفس، فليس في شدة الصوت، بل في توقف التنفس نفسه. فعندما تتكرر فترات التوقف أو الانخفاض الكبير في تدفق الهواء، مصحوبة بالاختناق أو الشهقات، يتحوّل الشخير إلى حالة مرضية خطيرة.
تلعب الجينات دورًا أساسيًا في شكل مجرى الهواء، حجم اللسان، ارتخاء عضلات الحلق، وحتى شكل الفك. كما أن التقدم في العمر يضعف توتر هذه العضلات، ما يجعل الشخير أكثر شيوعًا، إذ يعاني نحو نصف الأشخاص فوق سن السبعين من الشخير.
السمنة عامل مهم، لكنها ليست العامل الوحيد. فحتى الزيادة البسيطة في الوزن قد تضاعف المشكلة، رغم أن فقدان الوزن لا يضمن الشفاء التام.
الأكثر إثارة للقلق هو دخول عوامل بيئية جديدة على الخط. تلوث الهواء، سواء الخارجي أو داخل المنازل، يسبّب التهابات مزمنة وتورمًا في مجرى التنفس. كما أن ارتفاع درجات الحرارة، وازدياد موجات الحر، يؤديان إلى نوم أخف وأسوأ جودة، وهي البيئة المثالية لتفاقم انقطاع النفس.
وتوقعت دراسة حديثة من جامعة فليندرز الأسترالية، تضاعف حالات انقطاع النفس خلال 75 عامًا نتيجة الاحترار العالمي، وهو ما يضع النوم ضمن أولى ضحايا التغير المناخي.
الكحول والتدخين في قفص الاتهام
يحذّر الأطباء من نمط جديد يُعرف بـ"انقطاع النفس الاجتماعي"، حيث يتفاقم الشخير في عطلات نهاية الأسبوع. الكحول يرخّي عضلات الحلق، والتدخين – حتى السلبي – يهيّج مجرى التنفس. أما التدخين الإلكتروني، فما زالت آثاره قيد البحث، لكن الشكوك تتزايد حول دوره السلبي.
ورغم شيوع الاعتقاد بأن الشخير "مشكلة رجالية"، تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من النساء المصابات غير مشخّصات. أعراضهن غالبًا أقل ضجيجًا، لكنها أكثر خداعًا: إرهاق مزمن، صداع، تراجع التركيز، اضطرابات مزاجية. وغالبًا ما تُنسب هذه الأعراض إلى ضغوط الحياة أو، كما في حالة كثيرات، إلى سن اليأس.
مارِيانا سوير، 58 عامًا، عاشت سنوات من الإرهاق ظنًا أنه مرتبط بسن اليأس، قبل أن تكتشف أنها كانت تتوقف عن التنفس 27 مرة في الساعة أثناء نومها.
تقدّم واعد
علاج انقطاع النفس عبر النظام الصحي البريطاني ما زال محدودًا. الخيار الأكثر شيوعًا هو جهاز الضغط الهوائي المستمر (CPAP)، الذي يضخ الهواء عبر قناع أثناء النوم. ورغم فعاليته، يعجز ثلث المرضى عن تحمّله.
البديل الأحدث هو ما يُعرف بـ"منظّم النوم العصبي"، وهو زرع يحفّز العصب المسؤول عن حركة اللسان لمنع انسداد المجرى الهوائي، ويتحكم به المريض عبر الهاتف. كما توجد أجهزة فموية تُقدّم الفك للأمام، وعلاجات تعتمد على تمارين تقوية عضلات الفم والحلق، أو تقنيات تمنع النوم على الظهر.
متى يجب القلق من الشخير؟
ينصح الخبراء بمراجعة الطبيب إذا كان الشخير صاخبًا ومنتظمًا، أو مصحوبًا بأعراض مثل الإرهاق الشديد، الصداع، جفاف الفم، أو تقطّع النوم. فالتشخيص المبكر قد يكون الفارق بين إزعاج ليلي ومشكلة صحية مزمنة.
كما أن الشخير يمثل إنذارًا مبكرًا لصحة الفرد، يرى الخبراء أنه أيضًا يمثل إنذارًا عالميًا. فهو يعكس كيف بدأت أنماط حياتنا، وبيئتنا، وتعاملنا مع الكوكب، ترتد علينا بطرق غير متوقعة. وربما يكون هذا الضجيج الليلي أحد أصوات التحذير التي تخبرنا بأن ثمن إهمال صحتنا وصحة الأرض بدأ يُسمع بوضوح.