واشنطن تضغط على طهران: إيران في قلب معادلة التصعيد المفتوح
13 يناير 2026
تدخل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الخطورة، تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية والعسكرية مع احتجاجات داخلية غير مسبوقة منذ سنوات.
ففي وقت تلوّح فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالخيار العسكري، وتفرض عقوبات اقتصادية ذات طابع عابر للحدود، تواجه إيران موجة احتجاجات واسعة، وأزمة اقتصادية خانقة، وانقسامًا داخليًا متزايدًا حول سبل التعامل مع الغضب الشعبي المتصاعد يضعها أمام أحد أكثر التحديات تعقيدًا منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، ويحوّل أي قرار أميركي إلى عامل قد يعيد رسم موازين الاستقرار في المنطقة بأسرها.
خلافات داخل البيت الأبيض: اختبار الدبلوماسية أم تسريع المواجهة؟
كشفت تقارير صحفية أميركية عن نقاشات حادة داخل إدارة ترامب بشأن كيفية التعامل مع إيران، حيث يحث عدد من كبار المسؤولين، وعلى رأسهم نائب الرئيس جيه. دي فانس، على منح الدبلوماسية فرصة أخيرة قبل الانزلاق نحو عمل عسكري مباشر. ووفق هذه التقارير، يدرس البيت الأبيض عرضًا إيرانيًا للعودة إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي، في ظل قنوات تواصل مفتوحة مع المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف.
إلا أن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل الإدارة، إذ سارع مكتب فانس إلى نفي دقة هذه المعلومات، ما يعكس إما تضاربًا في الرسائل أو محاولة متعمدة للإبقاء على الغموض السياسي. ويبدو أن ترامب نفسه يوازن بين خيارين متناقضين: الضغط إلى أقصى حد لدفع طهران إلى التنازل، أو استثمار لحظة الاضطراب الداخلي لفرض وقائع جديدة بالقوة.
كشفت تقارير صحفية أميركية عن نقاشات حادة داخل إدارة ترامب بشأن كيفية التعامل مع إيران، حيث يحث عدد من كبار المسؤولين، وعلى رأسهم نائب الرئيس جيه. دي فانس، على منح الدبلوماسية فرصة أخيرة قبل الانزلاق نحو عمل عسكري مباشر
عقوبات اقتصادية غير مسبوقة: استهداف الشركاء لا إيران فقط
في تصعيد لافت، أعلن الرئيس الأميركي فرض تعرفة جمركية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران، تشمل جميع معاملاتها مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن القرار "نهائي وحاسم". وتمثل هذه الخطوة انتقالًا نوعيًا في سياسة العقوبات الأميركية، إذ لم تعد تستهدف إيران وحدها، بل شبكة علاقاتها التجارية الدولية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تعتمد فيه طهران على عدد محدود من الشركاء الرئيسيين، أبرزهم الصين والإمارات وتركيا والعراق والهند، في ظل عقوبات أميركية مشددة مفروضة منذ سنوات. ووفق بيانات البنك الدولي، صدّرت إيران إلى 147 شريكًا تجاريًا في عام 2022، ما يعني أن القرار الأميركي قد يضع عشرات الدول أمام اختبار صعب بين مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع واشنطن.
غير أن غياب أي توضيح قانوني رسمي بشأن آلية فرض هذه الرسوم أو نطاقها الزمني يثير تساؤلات حول قابليتها للتطبيق، واحتمال أن تتحول إلى أداة ضغط سياسية أكثر منها سياسة تجارية قابلة للاستدامة.
الخيارات العسكرية: من الضربة الجوية إلى الحرب السيبرانية
بالتوازي مع التصعيد الاقتصادي، تؤكد تسريبات من وزارة الدفاع الأميركية أن الرئيس ترامب اطّلع على مجموعة واسعة من الخيارات العسكرية والسرّية للتعامل مع إيران. وتشمل هذه الخيارات ضربات صاروخية بعيدة المدى، واستخدام القوة الجوية، إضافة إلى عمليات إلكترونية وحملات نفسية تستهدف هياكل القيادة والاتصال داخل النظام الإيراني.
ووفق مسؤولين في البنتاغون، فإن أي رد عسكري أميركي سيعتمد على التفوق الجوي، مع السعي إلى شلّ قدرات القيادة الإيرانية دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وفي هذا السياق، يُنتظر أن يعقد فريق الأمن القومي اجتماعًا حاسمًا لمناقشة السيناريوهات المطروحة، وسط تنسيق وثيق مع إسرائيل التي أكدت مصادر عبرية أنها ستُبلّغ مسبقًا بأي قرار أميركي يتعلق بعمل عسكري.
طهران تلوّح بالرد: استعداد للحرب ورسائل تفاوض متوازية
في المقابل، تحاول إيران تقديم نفسها كطرف لا يسعى إلى الحرب لكنه مستعد لها. فقد أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن بلاده منفتحة على المفاوضات، شرط أن تكون "عادلة وقائمة على المساواة في الحقوق والاحترام المتبادل"، فيما حذّر وزير الدفاع عزيز نصير زاده من أن أي هجوم سيقابل "برد موجع يستهدف مصالح الخصوم وأي دولة تسهّل الاعتداء".
وتسعى طهران، بحسب تقديرات إسرائيلية وأميركية، إلى كسب الوقت عبر إبداء مرونة دبلوماسية تكتيكية، في محاولة لتخفيف الضغوط أو تأجيل الضربة المحتملة، خصوصًا في ظل وضع داخلي هشّ.
الاحتجاجات الداخلية: أخطر تحدٍ للنظام منذ سنوات
يتزامن هذا التصعيد الخارجي مع اندلاع أكبر موجة احتجاجات مناهضة للحكومة منذ سنوات، بدأت على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وسعر صرف العملة، قبل أن تتحول إلى حراك ذي شعارات سياسية. وتشير منظمات حقوقية إلى مقتل ما لا يقل عن 648 متظاهرًا، واعتقال نحو 10 آلاف شخص، وسط مخاوف من أن يكون العدد الحقيقي أعلى بكثير في ظل الانقطاع شبه الكامل للإنترنت.
النظام يرد بتظاهرات مضادة وخطاب تعبوي
في مواجهة هذا المشهد، لجأت السلطات الإيرانية إلى تنظيم تظاهرات حاشدة مؤيدة للنظام، شارك فيها آلاف في طهران ومدن أخرى، بحضور الرئيس مسعود بزشكيان، وتخللتها مراسم تشييع لعناصر أمن قتلوا خلال الأحداث. وأشاد المرشد الأعلى علي خامنئي بهذه التظاهرات، معتبرًا أنها "أحبطت مخططات الأعداء"، موجّهًا تحذيرًا مباشرًا للولايات المتحدة.
وفي خطاب تعبوي، وصف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ما يجري بأنه "حرب على أربع جبهات": اقتصادية، ونفسية، وعسكرية، وأمنية داخلية، في محاولة لإعادة تأطير الأزمة ضمن منطق المواجهة الوجودية.
لجأت السلطات الإيرانية إلى تنظيم تظاهرات حاشدة مؤيدة للنظام، شارك فيها آلاف في طهران ومدن أخرى، بحضور الرئيس مسعود بزشكيان، وتخللتها مراسم تشييع لعناصر أمن قتلوا خلال الأحداث
ويعيش الاقتصاد الإيراني أزمة عميقة: تضخم مرتفع ومزمن، عملة شبه منهارة، وانكماش اقتصادي متوقع بعد نمو محدود في 2024. ورغم محاولات السلطات تصوير الاحتجاجات على أنها مدفوعة بتدخل خارجي، فإن اتساع رقعتها ووصولها إلى شرائح تقليدية من الطبقة الوسطى يعكس أزمة بنيوية أعمق.
مفترق بالغ الخطورة
تقف إيران اليوم عند تقاطع بالغ الحساسية بين ضغط خارجي متصاعد، واضطراب داخلي غير مسبوق، فيما تلوّح واشنطن بكل الأدوات المتاحة من العقوبات إلى القوة العسكرية. وبينما يكرر ترامب تفضيله للحلول الدبلوماسية، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى تضييق مستمر لهوامش التهدئة.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل الأزمة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، تدفع ثمنها إيران أولًا، لكن ارتداداتها ستطال المنطقة بأكملها.






