"واشنطن تبتسم".. ونحن أيضًا

يطالب العراقيون بحقوق إنسانية أولية (Getty)

"واشنطن تبتسم"؛ بهذا العنوان الموجز، الذي يقول الكثير، افتتحت جريدة الأخبار اللبنانية المقربة من النظام السوري وحزب الله، ملفًا عن الاحتجاجات الجارية في العراق هذه الأيام، فيما لم تخرج تغطية الصحف والمنصات والشخصيات المناصرة للنظام السوري و"محور المقاومة" عن نفس المقاربة.

تبدو الخريطة واضحة إذًا في ذهن "الأخبار" ومن هم في صفها، فالثورة جائزة، ومحمودة، وربما مطلوبة، لكن ليس في تلك المناطق التي تديرها إيران

لم تكن واشنطن وحدها من تبتسم في هذا المشهد، على حد وصف الجريدة المعروفة باحتفالها المستمر بدم السوريين، غير أن المتابع العربي المنحاز إلى التغيير، سيبتسم ربما أيضًا، تارة لنسيم الربيع القادم من بغداد، وتارة بسخرية، من انكشاف فج للحضيض الذي وصلت إليه بروبغاندا مريدي الفقيه الإيراني العرب.

اقرأ/ي أيضًا: المركز العربي يرد على افتراءات جريدة الأخبار اللبنانية

ربما لم ينتبه حاملو الطرح المناهض للحرية في العراق، والخائف من موجات التغيير، ومن قدرتها على الإطاحة بزعامات تجعل العراق حديقة خلفية لطهران، أنهم قاموا هذه المرة بوضوح بتعرية مقولتهم الأكثر رواجًا، عن المؤامرة الكونية، أو ربما "الفتنة" في هذه المرة، حتى يتعزز المشهد العبثي بصيغة دينية أكثر.

وإن كان الظرف المعقد والمسار الغامض للثورة في سوريا وغيرها، قد جعل جزءًا من الجمهور العربي يمنح، غير محق، بعض الوجاهة لمقولة "المؤامرة" التي يسوقها بعض مثقفين الأنظمة وغيرهم، فإن الموقف مما يجري في العراق، حيث ما زالت تطلعات الناس بالحرية والضوء والماء والعمل، طازجة، يكشف بما لا يترك أي مساحة للشك، نوع الاصطفاف الذي يتبناه هذا الفريق.

تبدو الخريطة واضحة إذًا في ذهن "الأخبار" ومن هم في صفها، فالثورة جائزة، ومحمودة، وربما مطلوبة، لكن ليس في تلك المناطق التي تديرها إيران، أو تلك التي ترتبط أنظمتها بمصالحها وطموحاتها التوسعية. ولا يعرف المرء، فيما عدا هذا، ما هو الفرق مثلًا بين الثورة في السودان أو في الجزائر، وبين تلك التي تتطور الآن في العراق، بعد سنوات من الحرمان والمحاصصة، والديمقراطية التوافقية، التي لا توافق فيها إلا على أن المواطن والسيادة الوطنية ليسا أولوية.

أما الطريف في كل هذا، أن "منطري" البطش بالشعوب لأهداف استراتيجية وإقليمية ومصالح كبرى، يريدون إقناعنا، أن الأمر مجرد مصادفة. إنها مصادفة فقط، تلك التي تجعل الثورات الملغومة بالمؤامرات والفتن، دائمًا تندلع ضد أنظمة تتبع "ولاية الفقيه". محض صدفة، تلك التي تجعل التغيير حقًا لشعوب دون أخرى.

يقر هذا الفريق بالأوضاع المأساوية التي يعيشها العراقيون، بصيغة من يتكرم لا من يعترف بواقع واضح، وبغياب لحقوق إنسانية أولية، غير أن شيئًا لا يترتب على هذا الإقرار. إنه اعتراف بالمأساة، وإنكار للحق في رفضها أو تغييرها، لسبب وحيد، وهو أن رفضها يعني رفض أنظمة يوالونها، وتغييرها يعني تغيير مصالح تمثلهم.

اقرأ/ي أيضًا: بوصلة الممانعة الضائعة.. أين السبيل؟

يبدو هؤلاء قلقلين إذًا على "السيادة الوطنية" من المطامع الأمريكية، لكنهم ليسوا آبهين بما آل إليه التدخل الإيراني، الذي حول العراق إلى ما يشبه ولاية إيرانية، يدخلها جنرالات "الحرس الثوري" متى يشاءون؛ يحددون مسارات كاملة، ويقررون مصائر، ويجندون ميليشيات أقوى من الجيش الوطني نفسه.

أما فيما يخص القلق من "التآمر على الدولة"، فلعل التساؤل استنكارًا لا استفهامًا هو الإجابة هنا: هل يقصد هؤلاء نفس الدولة التي تتحكم فيها ميليشيات تمولها إيران؟ فرضت نفسها على المؤسسات، وصارت تتحصل على رواتب من ميزانياتها؟ فيما يجندون مال "الدولة" نفسها في خدمة مصالح طهران الإقليمية. أو ربما هي "الدولة" نفسها، التي ترى مواطنيها وحقوقهم وحتى خياراتهم، مجرد قضايا هامشية، على متن وحيد، هو أهداف استراتيجية لا يعرف ما هو الاستراتيجي فيها، سوى من عيون إيران.

 

اقرأ/ي أيضًا:

معركة جزائية بين حركة أمل وقناة الجديد.. الفساد يضرب حلفاء الممانعة من جديد!

"ليبرالية" الممانعة.. تلق طائفي للأخلاق