ultracheck
  1. قول

واحدة مؤقتة وأخرى مستمرة.. العالم بين جائحتين

15 يناير 2026
مخيمات
من مخيمات ريف حلب الشمالي (جيتي)
غياث تفنكجي غياث تفنكجي

كشفت دراسة نشرتها شبكة "بي بي سي" البريطانية حول ما بات يُعرف بـ"جيل الجائحة" أن انقطاع الأطفال عن العالم الخارجي، والذي استمر في المتوسط نحو خمسة أشهر ونصف بسبب إغلاق المدارس وتقليص الاختلاط الاجتماعي والاعتماد المكثف على الشاشات، ترك آثارًا نفسية وتنموية ملموسة.
ورغم أن هذه المدة تبدو قصيرة نسبيًا في حساب الزمن، فإنها كانت كافية لإحداث صدمة لدى كثير من الأطفال، في مرحلة تُعد من الأكثر حساسية في تشكّل الدماغ وبناء السلوك.

غير أن هذه التجربة، بكل ما حملته من قلق واضطراب، تبقى محدودة إذا ما قورنت بما عاشه الأطفال السوريون في المخيمات. هناك لم تكن العزلة إجراءً صحيًا مؤقتًا، بل واقعًا قسريًا امتد لأكثر من ثلاثة عشر عامًا. عزلة لم تقتصر على البعد الاجتماعي، بل كانت جغرافية وسياسية أيضًا، داخل مخيمات محاصرة أو مهمّشة، بعيدة عن المدارس والحدائق والمدن، وعن أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية الآمنة.

العالم يعيش بين جائحتين: واحدة مؤقتة وانتهت، وأخرى مستمرة. وما عاشه أطفال سوريا ليس مجرد تجربة قاسية، بل جريمة طويلة الأمد

حتى في التطور الجسدي والحركي، تبدو المقارنة كاشفة للفارق بين التجربتين. ففي دول عدة، لاحظ مربّون أن أطفال الجائحة باتوا أكثر حذرًا في الحركة، وأقل قدرة على القفز والتسلق والتوازن، نتيجة قلة اللعب والاستكشاف في سنواتهم الأولى.
في المقابل، نشأ أطفال المخيمات في ظروف أشد قسوة، حيث تداخل سوء التغذية مع البرد والأمراض المزمنة، وانعدمت المساحات الآمنة للعب، إلى جانب إصابات مباشرة ناجمة عن القصف أو الحوادث. وبينما قُيّدت حركة أطفال الجائحة بدافع الوقاية، قُيّدت حركة أطفال المخيمات بدافع الخطر ومحاولة النجاة.

ولم تتوقف الفوارق عند الجسد، بل امتدت إلى التجربة الحسية والنفسية. فقد أظهرت تقارير تربوية أن أطفال الجائحة أصبحوا أكثر حساسية للأصوات المرتفعة، وأن الموسيقى أو ضجيج الصفوف بات مصدر إرباك لهم.
أما الأطفال السوريون، فالأصوات المرتفعة لم ترتبط يومًا باللعب أو الفرح، بل بالقصف والطائرات. الصوت في ذاكرتهم ليس عنصرًا تربويًا مزعجًا، بل إشارة خطر، ارتبط بالموت والخسارة، وخلّف اضطرابات نفسية عميقة، في مقدمتها أعراض الصدمة وما بعدها.

وفيما يخص اللغة والتواصل الاجتماعي، تشير أبحاث "جيل الجائحة" إلى تراجع في الحصيلة اللغوية ومهارات التواصل، نتيجة قلة التفاعل الاجتماعي في مرحلة الرضاعة.
أما لدى الأطفال السوريين، فإن التأخر اللغوي غالبًا ما يأتي مركبًا، متداخلًا مع الصدمة النفسية، والتهجير المتكرر، وغياب التعليم المنتظم، ما ينعكس ضعفًا في التعبير العاطفي وصعوبة في بناء علاقات اجتماعية مستقرة.

التعليم، ربما، هو الوجه الأشد قسوة في هذه المقارنة. فالدراسات تشير إلى أن أطفال الجائحة خسروا ما يعادل سبعة أشهر من التعلّم، مع انخفاض ملحوظ في نتائج الرياضيات، ورغم ذلك ما تزال هناك محاولات مؤسسية لتعويض هذا الفاقد.
في المقابل، حُرم أطفال سوريا من التعليم المنتظم لسنوات طويلة. مدارس مدمّرة، مناهج منقطعة، وتعليم طارئ –إن وُجد – غير معترف به. ما تعرضوا له ليس خسارة تعليمية قابلة للتدارك، بل حرمان تعليمي بنيوي يهدد مستقبل أجيال كاملة.

وتنعكس هذه الفجوة التعليمية مباشرة على الواقع الاجتماعي والاقتصادي. ففي حين تحذّر الدراسات من خسائر مستقبلية محتملة لجيل الجائحة، يعيش أطفال المخيمات الفقر كواقع يومي، لا كاحتمال مؤجل. اعتماد شبه كامل على المساعدات، وعمالة مبكرة، وانعدام شبه تام لفرص الحراك الاجتماعي. هنا لا نتحدث عن خسارة مستقبلية، بل عن ضياع الحاضر والمستقبل معًا.

أما نفسيًا وسلوكيًا، فقد سُجّل لدى أطفال الجائحة ارتفاع في القلق والاكتئاب وصعوبات الاستقلالية وبعض المشكلات السلوكية بعد الإغلاقات.
غير أن ما يواجهه الأطفال السوريون أعمق وأكثر تعقيدًا: صدمات مركّبة، حزن مزمن، خوف دائم، وتطبيع قاسٍ مع العنف، إلى جانب فقدان الإحساس بالأمان الأساسي الذي يُفترض أن تقوم عليه الطفولة.

إذا كانت أشهر قليلة من العزلة خلال جائحة كورونا قد استدعت سنوات من البحث لرصد آثارها على الأطفال، فإن ما عاشه الأطفال السوريون على مدى أكثر من ثلاثة عشر عامًا لا يمكن اختزاله بوصفه "أثرًا جانبيًا" أو "فقدًا مؤقتًا". نحن أمام طفولة مصادَرة بالكامل، نشأت لا على أسس النمو الطبيعي، بل على دروس البقاء، حيث تصبح "حلاوة الروح" عنوان الحياة اليومي.

احتاج الباحثون قرابة خمس سنوات لإحصاء خسائر خمسة أشهر ونصف من تبعات الجائحة، فماذا عن أكثر من عقد من الحرمان؟
المأساة السورية لم تنتهِ بعد، والجرد الحقيقي لتبعات النشوء في المخيمات لن يبدأ إلا بعد إغلاق آخر خيمة. لكن قبل ذلك، لا بد من إدراك ما فعله نظام بشار الأسد بأجيال من الأطفال السوريين، وما تزال آثاره تمتد حتى اليوم.

العالم يعيش بين جائحتين: واحدة مؤقتة وانتهت، وأخرى مستمرة. وما عاشه أطفال سوريا ليس مجرد تجربة قاسية، بل جريمة طويلة الأمد، تستدعي الكثير من التعاطف، وتحتاج إلى فعل حقيقي يعيد لهؤلاء الأطفال حقهم في طفولة مسلوبة.

كلمات مفتاحية
الجيش السوري

الجغرافيا العسكرية في سوريا وحدود تفاعلات القوى على الأرض

أصبحت سوريا فضاءً عسكريًا وسياسيًا تُقاس أهميته بقدرته على تنظيم التفاعلات الإقليمية داخل حدوده وعبرها

حمزة عرباوي

في أربعينه: رسالة إلى طارد الضباع حمزة عقرباوي

عزيزي طارد الضباع عن حيّنا، حمزة عقرباوي

السلطة الجديدة في سوريا

التعيين بين الدولة والقرابة: كيف تكشف الوظيفة شكل السلطة في سوريا

بعد مرور أكثر من عام على سقوط الأسد، وانتقال العمل الإداري إلى حكومة مؤقتة، تُقرأ التعيينات بوصفها ملفًا إداريًا، إلى جانب كونها أول مساحة تظهر فيها طبيعة السلطة بعد الحرب

كوبا
سياق متصل

أزمة وقود خانقة في كوبا تعمّق المعاناة المعيشية وتشلّ النقل والسياحة

أزمة وقود خانقة في كوبا تدفع إلى نظام مواعيد صارم وتؤثر على النقل والطيران والسياحة وسط ضغوط أميركية

كفر كلا
سياق متصل

إسرائيل تعترف بأنها قوة احتلال.. ومهمة لبنانية معقّدة على وقع مفاوضات "النووي"

اعترفت إسرائيل بشكل فاضح وخطير، على لسان وزير الأمن يسرائيل كاتس، بأنها قوة احتلال في جنوب لبنان

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

بريطانيا تدرس حظر وسائل التواصل لمن هم دون 16 عامًا وتشديد قيود روبوتات الدردشة

تتضمن المقترحات أيضًا صلاحيات للحد من خاصية "الاقتران مع غرباء" في أجهزة الألعاب، ومنع إرسال أو استقبال الصور العارية، إضافة إلى النظر في تقييد استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)

غزة
سياق متصل

إدانة عربية وإسلامية لقرار إسرائيل بشأن أراضي الضفة وسط تصعيد ميداني واسع

إدانة عربية وإسلامية لقرار إسرائيل بشأن أراضي الضفة وسط تصعيد ميداني وتحذيرات من تقويض حل الدولتين