هُجنةُ الأشواق والكتابة

هُجنةُ الأشواق والكتابة

مارك شاغال/ روسيا

أحدّقُ في وجوهِ المارّة لأراك في وجوهِهم

آكلُ الشوارعَ شارعًا شارعًا لألحقَ بكِ، أتذلّلُ العطارينَ والخيمائيين وأنصافَ السَحرةِ، ليصنعوا عطرًا كعطركِ يَشّعُ منهُ النور، وتتبعهُ الأيائلُ والسيوفُ والرجالُ الأكباشُ!

تعضنُي الجملةٌ الطويلةُ بفمِ كلبٍ أدرد، تعضني الهشاشةُ، الجملةُ النبعُ التي تتوفرُ للجميعِ، لا تليقُ بشاعرٍ مثلي، يضاجعُ في سريرِ الغريبِ العابرِ أكثرَ من كائنةٍ لغوية، ينجبُ منها أطفالًا غير شرعيين، ثمّ في لحظةِ سكرٍ شديدةٍ يَعدمُهم رميًا بالنُكران. أنا أحدٌ يُشكّكُ باللغةِ، بالعطر، بالسَحَرةِ، وبنفسهِ وبكِ!

لكن لابأسَ بينَ الآنِ والآن من كنابةٍ سهلةٍ، تخلطُ السلاسةَ بالمعقّد، عائمةٍ في الشكلِ وفي العمقِ تصيبُ قلبَ الهدف، والأهم قلبكِ المليءِ بالمراراتِ وبي، أقولُ قولي هذا، وأنسحبُ من طابورِ الذين يكتبونَ لكِ المطوّلات. واثقٌ أنَّ السهولةَ -في هذه الحالةِ- ستنتصر، وستعرفينَ كم أنعمُ في البساطةِ وأنا مُركّبٌ كمعادلةٍ مستحيلةِ الحلّ، "بسيطُ كالماء، وواضحُ كطلقة مسدّس"!

"عيونك الحلوة بحر" مقطعّ من أغنية

لو لي من الحماقةِ ما يكفي سأنسبهُ لي، وأعرفُ في القَرارةِ بحكمةِ الصوفي وقلقِ الشاعرِ أنّ روحَكِ أوسعُ من بحرٍ، أكثَفُ من رؤيا، وأبعدُ من نصّ عالقٍ بينَ المجرّاتِ لا هو معدنٌ سائلٌ، لا هو غازٌ، ولا هوَ حجرٌ خاملٌ، حَسبهُ ينتطرُ ماءَ يديكِ وشرارةً من نارِ البلدِ الكبيرةِ ليشتعلَ!

يا سيدتي يراكِ الآخرونَ حسبَ أمزجتهم، الظمآنُ: ماءً، القلِقُ: سَكينةً، الخائفُ: كهفًا للاختباءِ، العاشقُ مَفازةً، وأنا أراكِ أنا، أفكرُ بكِ بي، ولهذا عندما جَدّفتُ بكلّ هذا العمر نحوَ الشواطئ، كنتُ أدركَ أنّ كائنًا مثلكِ عيشتهُ ليستْ على اليابسةِ فحسب، إنّما جزؤهُ الأهمّ يَسكنني، جزؤهُ القطعةُ من جحيمٍ، وجزؤهُ العذبُ من ماءِ الينابيعِ وعينيكِ، كأنيَّ نجوتُ بكلّ هذهِ الجثثِ التي أدللّها في داخلي!

"يا ذئبةَ السهوبِ البيضاء"

أحوّرُ عاجزًا عنونةَ هيرمان هيسه، أتكئُ على عكّازة النيرفانا: "ذئب السهوب الأبيض" يليقُ بكِ ندائي: يا ذئبةَ سنجار المتوسطةَ الطولِ والخفيفةَ على مَمشى قلبي، امشي، امشي فالجسرُ قريبٌ، وهذا السرابُ الذي تَرينَ آخرُ العالمِ الوحشِ وأولُ الماءِ العذبِ، "كوني وفيّةً، سأهبُكِ إكليل الحياة".

لستُ المسيحَ، لكنَّي صُفعتُ على خّديَّ، وغرقتُ في قهرِ الملاماتِ ونفسي، ليتني رددتُ على الأصدقاء قبلَ الأعداء، وعلى الأعداءِ الأعداءِ، ولمْ أبقَ نبيًا مريضًا أو شيطانًا أضعفَ من فزّاعة، يخوضون في دمي فرحين، فأسعدُ بفرحتِهم، بانتصارِهم على روحي البطيئةِ في الكُره!

"أون ونين الزلم بسكوت، وماوَرچ أحَد"

هذا حالي معَ نصلِ الشوقِ، يغورُ بعيدًا في داخلي

لا دَمَ، لا أثرَ، لا طقطقةَ لتهشّمِ روحي، ولا دموعَ

أمي تقرؤكِ السلامِ يا أميرةَ البدو والمدنِ الساحرةِ بين حمص والشام: ارأفي بهذا الولد، قد عاشَ يتيمًا وتبنتهُ أكثرَ من أمٍّ: أنتِ إحداهنَّ. ما أجملَ الأمهّات، ما أجملَ الأمهّات وأنتِ أحلاهنَّ، أكثرهنَّ أناقةً في رجّ سريري وإحداثِ زلازلَ نادرةٍ، لا يجيدُها النبي المتواري في داخلي، لذا سأطلقُ سراحَ الشياطين لتقرأ عني كتاب الملذّاتِ والسحرِ الأسود وبقايا اللاجئين وآثارَ دمِهم النقي على وجهِ العالم!

"هودَر هواكم ولَكْ حَدرِ السنابل گِطا"

أرقبُ مَشيتكِ، فأرى بطنًا ضامرًا، صَدرًا يَتجهُ إلى الحريةِ، إلى أعلى فأعلى، نهدًا يلتمعُ حليبٌ شفّافٌ فوق حلمتهِ، ردفينِ يتناوبانِ عليّ بما يشبهُ العتمةَ والضوء، ما أجملَ تأرجّحهُ بينَ الحار والبارد، بين الهوائي والناري والترابي، ما أجملهُ يُزاوجُ بينَ قلقي الذي ورثتهُ من سنينِ الجوعِ وحرماني من "أحبّكِ" العميقةِ وبينَ النومِ في غرفةٍ تَتهيّأ للانفجار!

هذا الذي سأسميه: دَرْجِ القطا..

كنتُ أصيدُ هذا الطائرَ في صغري، هوايةٌ متعثرّةٌ أخرى، ترفدُ هواياتي يا قطاتي الحنطيةِ، أنصبُ شَركي قربَ البركِ الصيفيةِ في ديرةٍ مالحةٍ، وأستدرجهُ بحبةِ حنطةٍ، يهبني بهجةً مؤقتةً فأهبهُ قفصًا بدائيًا مشغولًا على عجلٍ في ليل القرىَ. بعدَ هذه العقودِ من التنزّه الدامي في مساربِ الحتميات، انهارت جبالٌ جليديةٌ، خّرّت نيازكُ كثيرةٌ، توسّعَ ثقبُ الأوزون، اكتشفوا جديدًا عن الثقوبِ السوداء، تبدّلت قاعدةُ الصيادِ والطريدةِ!

انظري في عيني سَترينَ القطا، الشركَ، البِركةَ، مشهدًا كاملًا من حياتي البائسةِ آنذاكَ هناكَ، والهاربة آنَذا هنا، وستجدينَ كم أنا قريبٌ من روحِ الطريدةِ وبعيدٌ عن روحِ الصّياد.

"يا نصفي الثاني"

ولدتُ نصفًا، قلبًا مقضومًا كتفاحة، جسدًا كرقّاص الساعة ينامُ نصفَ المسافةِ، ويموتُ من القهر في النصفِ الثاني، نصفَ كاتب يُداري جروحهُ بالنصوص، ونصفَ سكيرٍ يقرأ كتاباتِهِ على العدَم، يأخذُ من وخزةٍ عابرةٍ أسفلَ قلبكِ، ويعطيكِ شعورَهُ الدائمَ بالسرطان!

لقد هرّ شعرهُ، أنّهُ يصنعُ خريفهُ، ويتلذذُ بالمظلوميةِ التي تجعلهُ ضعيفًا، هَشًّا، عُشبًا مائيًا، ويدكِ مَغرفةَ الحظوظ، فقط لو تبكين، لن تجعليهِ شجاعًا ليغرقَ، إنّما ليعرفَ كم هو يستدّرُ حليبَ عاطفتِكِ، ويعودُ طفلًا كالذي كان، خارقًا وممتعًا ومؤنسًا جلّاسهِ وباكيًا لحظةَ الاختلاءِ بنفسهِ ولحظةَ الانتصارِ للتفاهةِ حينَ لاجدوى ولا أحدَ يلوّح لمجيئيهِ على الضفّة الأخرى لنهرِ المسرّات.

يا نصفي الثاني لا أريدُ الذي صرتُ، أريدُ الذي كنتُ، لأسلمَ من الألغام في أحلامي، من الطريقِ الأفعى الذي يودي بي إلى الهوّةِ، من العطشِ الذي يفتحُ بقيةَ عمري على الينابيع، لا أرغبُ أنْ أكونَ مَعوزًا، أسيرَ حاجاتي طيّ روحك وجسدكِ ومنطقكِ في قتلي، ها أنا أموتُ جميلَ الشكلِ، لم أفقد طرفًا من أطرافي في الظاهرِ، وفي الحقيقةِ أنا ظلٌّ يجرُّ جثّةً ثقيلةً.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لو كنا في عالم افتراضي

قصاصات ورق من مذكرات الـ"فان 4"