جان ميشال باسكيات/ امريكا

هي المشيئة إذًا أن تجلد ملايين السحب الأرض بسياط من نار تعوي في ليلة اشتهاء لاختصار كل المسافات، فتتركها تتلوّى ألمًا في كل جهة من جسدها العاري... الدروب المبعثرة، وكل فسحات البحر، والرمال الممتدة عبر رحلة الشبق تحضر عرس الجنون الأبدي، والثعالب تحمل جراءها بعيدًا حذر الغرق.

هو وحده من رآه الجميع، وقالوا إنه حمل زوجين من كل نوع، وسطا بسفينه فوق الكون كله، ليترك من خرج عن الغمار وحيدًا يناجي الفراغ والريح في محاولة أبدية للخلاص، فترديه سهام العشق اللانهائي للحياة قتيلًا.

ومن بعد؟! وماذا بعد؟! أيها الإنسان التائه عن السرب.. أيها الطيش الذي يقضي وحشته في صحراء لا نهاية لها.. أيها البجع المتمسك بخيط ذابل عندما مرّ عليه الشتاء، فتركه شهوة للتيه، سكران خلف أبواب موصدة لمدينة تطلق نشيجها كل ليل معلنة عن جوع كافر.

منعطف يتلو آخر، ونهار يتصاعد بشفة الكلام ليردد تلك الادعاءات منذ أمد بعيد.. ونحن ما نزال قابعين تحت الجَلْدِ في ذاك الوادي السحيق، نرفع أيدينا بابتهالات مليئة برائحة الريح، مشكلة زوبعة ناتحة في محاولة أبدية للخلاص عبثًا، فالجَلْدُ في كل شيء، تحت الجلود، وفوقها، وتحت أثداء تشتعل شبقًا لحظة الملامسة لتهيئة الأرض لذكرها القمر، في غرفة تحفل بعربدة، ومعدن شاطر يستطلع بعيون متلصصة من خلف ستائر خلاعية آخر أخبار النهار المسافر خلف أسوار متعبة من عجل ناتح يهوي بطرقته على السندان بقوة.

هي المشيئة إذًا.. فأحكم الضرب، واجلد بملايين السحب الأرض بسياطك، لنخسر جميعًا ترهاتنا وادعاءاتنا الكاذبة التي نطلقها كل مساء متشدقين بغيب نتكهن فيه أستار حيواتنا البائسة، نقترب من نهايتنا جميعًا، وربما تعود إلينا مرة أخرى بسفينتك تحمل الأرواح لتمضي بها بعيدًا عن هذه النار التي أخذت تشتعل في جنبات شرقنا المكلوم، فتخلّصها من شهوة الموت، والقتل التي أخذت تعيد رسم مشاهد الدم في عمرنا الذي يمضي بنا نحو السقوط، حيث الهاوية تنتظرنا، على أبواب المقصلة، لتكن أنت مخلصنا من زمن باتت فيه الدروب نحو الأبدية مغلقة، ومقفرة من كل شيء، إلا من حرائق حصدت الجميع، وتركتهم يعانون نارها التي لا ترحم أبدًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مملكة الضحك والكوابيس

لم تنجُ بعد