هيمنة الهند على تجارة الأرز العالمية تُنذر بأزمة مياه عميقة
30 ديسمبر 2025
حققت الهند خلال السنوات الأخيرة قفزة تاريخية في قطاعها الزراعي، تُوِّجت هذا العام بتجاوزها الصين لتصبح أكبر منتج للأرز في العالم، في إنجاز احتفت به الحكومة باعتباره ثمرة سياسات داعمة للمزارعين ونجاحًا في تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز الصادرات.
ولكن حسب تقرير نشرته وكالة "رويترز"، فإن هذا الصعود السريع يخفي خلفه أزمة بيئية واقتصادية متفاقمة، تتمثل في الاستنزاف الخطير للمياه الجوفية، خصوصًا في الولايات الزراعية الشمالية التي تُعد العمود الفقري لإنتاج الأرز.
تجاوزت الهند الصين لتصبح أكثر دولة منتجة للأرز في العالم، لكن خلف ذلك ثمة أزمة مائية تلوح في الأفق
وخلال العقد الماضي، ضاعفت الهند تقريبًا صادراتها من الأرز، لتتجاوز 20 مليون طن متري في أحدث سنة مالية، ما يجعلها مسؤولة عن نحو 40% من تجارة الأرز العالمية. هذا الحجم الضخم من الإنتاج يمنح نيودلهي نفوذًا واسعًا في الأسواق الدولية، لكنه في الوقت نفسه يضع ضغطًا غير مسبوق على مواردها الطبيعية، في بلد يُصنَّف أصلًا من بين أكثر دول العالم إجهادًا مائيًا.
مزارعون بين الفخر والقلق
في ولايتي البنجاب وهاريانا، حيث تُزرع كميات هائلة من الأرز لتغذية السوق المحلية والتصدير، يعيش المزارعون واقعًا مغايرًا للاحتفالات الرسمية. فبحسب شهادات عشرات المزارعين وبيانات حكومية، كان الوصول إلى المياه الجوفية قبل عشر سنوات يتم من أعماق تقارب 30 قدمًا فقط، بينما باتت الآبار اليوم تُحفَر إلى أعماق تتراوح بين 80 و200 قدم، في سباق مكلف مع منسوب مياه يواصل الهبوط.
يقول المزارع بالكـار سينغ من ولاية هاريانا إن كلفة الزراعة ترتفع عامًا بعد عام، بسبب الحاجة إلى تعميق الآبار وشراء معدات أقوى لاستخراج المياه. ويضيف أن هذه النفقات باتت تلتهم جزءًا كبيرًا من أرباح المزارعين، بل تدفع بعضهم إلى الاستدانة لمجرد الاستمرار في زراعة الأرز.
دعم حكومي يفاقم المشكلة
ويرى خبراء أن جوهر الأزمة يكمن في منظومة الدعم الحكومي نفسها. فمنذ عقود، تعتمد الدولة سياسة سعر الشراء المضمون للأرز، إلى جانب دعم واسع للكهرباء والأسمدة، وهي سياسات صُممت في الأصل لضمان الأمن الغذائي في فترات كانت الهند تعاني فيها من نقص الحبوب. إلا أن هذه السياسات، بحسب باحثين في الاقتصاد الزراعي، باتت اليوم تشجّع على الإفراط في زراعة محصول شديد الاستهلاك للمياه، وتثني المزارعين عن التحول إلى بدائل أقل عطشًا.
إنتاج كيلوغرام واحد من الأرز في الهند يستهلك ما بين 3 آلاف و4 آلاف لتر من المياه
ويؤكد خبراء في سياسات الغذاء أن النتيجة الصافية لهذه المعادلة هي أن الدولة تدفع فعليًا للمزارعين مقابل استنزاف موارد المياه الجوفية. وتشير بيانات رسمية إلى أن ولايتي البنجاب وهاريانا تستخرجان سنويًا ما بين 35% و57% من المياه الجوفية أكثر مما تعوضه الطبيعة عبر الأمطار، ما دفع الحكومة إلى تصنيف مساحات واسعة فيهما على أنها "مستنزفة" أو عند مستويات "حرجة".
كلفة بيئية واقتصادية باهظة
ورغم تسجيل موسمين جيدين من الأمطار الموسمية خلال العامين الماضيين، فإن كثافة السحب من المياه الجوفية حالت دون تعافي الأحواض المائية. وفي محاولة لاحتواء الوضع، فرضت السلطات المحلية منذ عام 2023 قيودًا على حفر آبار جديدة في المناطق الأكثر تضررًا، غير أن هذه الخطوة لم تمنع استمرار الاستنزاف، بل دفعت المزارعين إلى الاستثمار في معدات أكثر كلفة لاستخراج المياه من الأعماق المتزايدة.
وتكشف تقديرات خبراء زراعيين أن إنتاج كيلوغرام واحد من الأرز في الهند يستهلك ما بين 3 آلاف و4 آلاف لتر من المياه، أي أعلى بكثير من المتوسط العالمي. هذا الواقع يضع عبئًا مضاعفًا على المزارعين الصغار، الذين لا يملكون القدرة المالية لمجاراة ارتفاع التكاليف، في حين يستطيع كبار المزارعين الاستمرار نسبيًا بفضل مساحات أراضيهم الواسعة وفهمهم لآليات الدعم.
محاولات إصلاح متعثرة
سياسيًا، حاولت الحكومة الهندية في السنوات الماضية إدخال إصلاحات على القوانين الزراعية لتشجيع تنويع المحاصيل وزيادة دور القطاع الخاص، إلا أن تلك المحاولات واجهت احتجاجات واسعة من ملايين المزارعين الذين خشوا فقدان ضمانات الدولة، ما أجبر الحكومة على التراجع.
وعلى المستوى المحلي، بدأت ولاية هاريانا تقديم حوافز مالية لتشجيع التحول إلى محاصيل أقل استهلاكًا للمياه مثل الدخن، الذي يشهد طلبًا متزايدًا في المدن الهندية بوصفه خيارًا صحيًا. غير أن خبراء يرون أن هذه الحوافز المؤقتة، التي لا تتجاوز موسمًا زراعيًا واحدًا، غير كافية لإحداث تحول جذري في أنماط الزراعة.
ويشير اقتصاديون إلى أن إعادة توجيه جزء من الدعم المخصص للأرز نحو محاصيل بديلة قد يحقق نتائج أفضل دون زيادة الإنفاق الحكومي، بل وربما يخفف العبء عن الميزانية العامة على المدى الطويل.
ومع اعتماد جزء كبير من العالم على الأرز الهندي، فإن أي تراجع في الإنتاج أو تغيير في السياسات ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي العالمي والأسعار الدولية. لكن في المقابل، تستمر الهند في إنتاج وتصدير هذا الكم الهائل من الأرز، في وقت تتآكل فيه مواردها المائية بوتيرة مقلقة.







