هوية أفريقيا.. من المسرح المفتوح إلى وهم الاستقلال

هوية أفريقيا.. من المسرح المفتوح إلى وهم الاستقلال

أفريقيا ترسم ذاتها لـريمي كوخي/كينيا

يأتي هذا المقال استكمالًا وتفصيلًا لـمقال سابق حول الحركات الثقافية والأدبية التي ظهرت لمناهضة الاستعمار الثقافي في القارة السمراء. يتناول هذا المقال ثلاثة مواضيع رئيسية: الهوية الأفريقية، والمسرح المفتوح، والاتجاه الواقعي.

الهوية وإشكالية الأنا والآخر

تأتي روايات تشينوا أتشيبي لتتربع على عرش الأدب الأفريقي عمومًا، تمامًا كما يتربع أدباء كشيكسبير وغوته وغوغول على قمة الهرم الأدبي، كلّ في بلده من حيث الأهمية الكبيرة لأعمال هؤلاء الأدباء.

أفريقيا على صفحات روائييها، ليست تلك ذاتها على رفوف مكتبات المستعمر وآدابه

اقرأ/ي أيضًا: لأنّكَ معي أيُّها الحُبّ

في ألمانيا مثلًا، لا يزال غوته يحظى بمكانته كأهم أديب ألماني على الإطلاق. والأمر نفسه ينطبق على تشينوا أتشيبي. فأعماله الأدبية، وخصوصا الروايات "الأشياء تتداعى" و"نو لونغر آت إيز" و"سهم الله" تحكي جانبًا مهمًا لم يكون معروفًا لدى الكثير حول تفاصيل الحياة القبلية الأفريقية من وجهة نظر أفريقية محلية/أصلانية خالصة بعيدًا عن أي صور أو انطباعات نمطية تكونت عند "الآخر" عنها.

كذلك فإنها تروي قصة التحدي التي واجهته هذه المجتمعات لدى الدخول القسري للمستعمر البريطاني بثقافته وأسلوب حياته المختلف كليًا وسعيه لبسط ثقافته وقيمه بالقوة على حساب القيم السائدة والمألوفة لدى تلك الشعوب.

إلا أن إشكالية الأنا والآخر تتجلى بشكل أكثر وضوحًا في رواية "النهر بين القريتين" للكيني نغوغي وا ثيونغو. تدور أحداث الرواية في الريف الكيني بين قريتين، إحداهما اعتنقت الدين المسيحي الذي جاءت به حملات التبشير الإنجليزية، والأخرى بقيت متمسكة بمعتقداتها وتقاليدها وطقوسها القديمة.

بطل القصة هو شاب حالم يدعى "واياكي"، وهو ابن أحد زعماء وحكماء القبيلة الكبار. رغم أن أباه يسعى لتعليمه أسرار القبيلة ويزرع فيه القيم والعادات التي ورثها عن أجداده إلا أنه مع ذلك فتح له المجال لينهل ما ينفعه من علوم وثقافة "الإنسان الأبيض" أيضًا. ولذلك فقد أرسله ليدرس في المدرسة التي أسسها الإنجليز على مقربة من القرية. ترسخ هذه التربية في نفس واياكي قابلية لتفهّم الآخر والتعلم منه مع الحفاظ على ولائه واعتزازه بقريته وعاداته ومعتقداتها الأصيلة. ليقف القارئ أمام أنموذج للحالة المعرفية المثالية ضمن السياقات الاستعمارية، فالحفاظ على الأصيل يتوازى مع الاستفادة من المحدث، على استعماريته.

تتعقد الأمور عندما يحين موعد ختان واياكي. والختان هنا يشكل معضلة كبيرة للغاية، ففي الوقت الذي يعد الختان واجبًا لا بد منه وفق العرف السائد في القبيلة، ولا يكتمل نضوج الرجل أو المرأة وقبولهما في المجتمع إلا به، إلا أنه يعتبر في التعاليم المسيحية خطيئة كبرى. يؤدي هذا إلى حصول شرخ كبير بين القريتين، ويزداد الأمر سوءًا عندما تقرر ابنة زعيم القرية المسيحية الخضوع للختان رغم رفض والدها، ما يدفعه للتبرؤ منها. إلا أن عملية الختان لا تسير على ما يرام، إذ تصاب الفتاة بالتهاب شديد ثم تفارق الحياة بعدها بأيام.

كل تلك التعقيدات تدفع واياكي في سبيل إنشاء منظومة تعليمية تجمع وتوازن بين قيم القرية وعاداتها وببن علوم "الإنسان الأبيض" وثقافته. إلا أن هذا المشروع يضع واياكي وجهًا لوجه أمام زعماء القبيلتين الذين يرفضون رفضًا قاطعًا أي فكرة للتفاهم ورأب الصدع.

عن المسرح المفتوح وفيه

شكلت قضايا التحرر، سياسيًا واجتماعيًا، في أفريقيا معينًا لمخيال كتابها من أبنائها ولمخيال كتاب المستعمر ومستشرقيه في آن معًا

يعد المسرح المفتوح من أهم الإبداعات التي ظهرت بقوة في المسرح الأفريقي بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي. ولعل المؤلف المسرحي والروائي نغوغي وا ثيونغو من أبرز الأسماء التي يجدر ذكرها في هذا الصدد. ومن أبرز أعماله المسرحية مسرحية "محاكمة ديدان كيماثي" ومسرحية "أمي غنّ لي" ومسرحية "سأتزوج وقتما أشاء". ففي مسرحية "محاكمة ديدان كيماثي" حاول وا ثيونغو تقديم سرد لتفاصيل محاكمة الثائر الكيني وزعيم حركة الماو ماو المسلحة ضد الاحتلال الإنجليزي.

اقرأ/ي أيضًا: تحت السلّم.. هناك صلّيتُ وبكيت

بيد أن جوهر مشروع وا ثيونغو الثوري يظهر جليًا في المسرحيتين الأخريين. فقي المسرحيتين "أمي غنِّ لي" و"سأتزوج متى أشاء"، يطبق وا ثيونغو أسلوبًا مسرحيًا جديدًا كليًا ومختلفًا عن الأسلوب التقليدي. فبدلًا من أن يتم التحضير أو البروفة خلف جدران مغلقة بمعزل عن الجمهور، فإن كل إجراءات التحضير والأداء وتقسيم الأدوار تتم في حضور الجمهور هذه المرة. وليس هذا فحسب، بل يتاح للجمهور نفسه المشاركة في أداء الأدوار والإخراج، وفي تصويب بعض التفاصيل التي تتعلق بالحقائق التاريخية الخاصة ببعض الأحداث مثلا.

كما أن هناك نقطة أساسية أخرى تتعلق بنوعية الجمهور نفسه، فبدلًا من الجمهور المثقف الذي يسكن المدينة ويدرس في الجامعة، تستهدف هاتان المسرحيتان الجمهور القروي البسيط الذي لا تحسن نسبة كبيرة منه القراءة والكتابة، وربما لم تخرج من حدود القرية في حياتها. وكانت النتيجة نشوء عملية تعليمية تفاعلية متبادلة، تعلم فيها الجمهور الكثير عن ذاته وعن هويته وعن لغته الأم وواقع بلاده، كما تعلّم وا ثيونغو أيضًا الكثير عن حياة هؤلاء الناس وتاريخهم وهويتهم التي ينتمي هو نفسه إليها أيضًا.

أدى ذلك كله إلى إثارة غضب السلطات الاستعمارية، ما أدى إلى حظر أداء هاتين المسرحيتين بشكل نهائي وهدم وإغلاق المسرح الشعبي الذي احتضنهما. ثم تزايد عداء السلطات تجاه وا ثيونغو ما أدى بهم إلى اعتقاله وسجنه في محبس العزل الانفرادي لمدة عام كامل، ثم إطلاق سراحه ونفيه خارج البلاد نتيجة ضغوطات مارستها منظمات حقوقية طالبت السلطات بالإفراج عنه.

الواقعية ووهم الاستقلال

تضمحلّ كل أفكار الحرية والعدالة والتنمية الحقيقية التي حاكتها مخيّلة الحركات التحررية حول ما سيأتي بعد تفكيك الاستعمار في أعمال الكاتب الكينيّ ميجا موانغي. ففي رواياته "المسير على طريق النهر"، و"رقصة الصرصار"، و"اقتلني سريعا", تختفي كل صور الفانتازيا الأفريقية الريفية والعادات والطقوس القروية القديمة التي نجدها في روايات أتشيبي ووا ثيونغو وغيرهما.

اقرأ/ي أيضًا: الكوميديا الإلهيّة.. تشويقة للمبتدئين

ما نجده عند موانغي في المقابل هو صورة لمدينة نيروبي الحديثة بعد دخول عصر العمران المتسارع والنشاط الاقتصادي ودخول العمالة والشركات الهندية وغيرها. وبدلًا من أن نرى حبكة درامية من قبيل صراع الإنسان الأفريقي ضد القيم الدخيلة عليه بفعل الاستعمار، نجد هنا صورة المواطن المسحوق وقد ابتلعه النظام الاقتصادي والسياسي الحديث بقوانينه وقيمه الصارمة التي لا ترحم. هنا حيث المواطن المسحوق يسعى هائمًا على وجهه يجمع ما يستطيع من قوت يومه، ويخدّر أحاسيسه المنهكة في آخر النهار بقنينة جعّة من النوع الممنوع، أو بسيجارة حشيش تدخله عالما آخر، أو ببائعة هوى يقضي معها ليلة حمراء أو حتى بالأمور الثلاثة معًا.

ففي رواية "المسير على طريق النهر"، و"River Road" هو اسم لشارع سيئ السمعة موجود فعلًا في العاصمة الكينية نيروبي يشتهر بكونه بؤرة للجريمة والبغاء، يطغى جو كئيب من البؤس والفقر وقهر الرجال. أما عن المكان، فهو بيوت وشوارع تملؤها القاذورات ورائحة الفضلات، كما يركز موانغي كثيرًا على تصوير انتشار الصراصير في كل مكان، حتى في المطبخ وغرفة النوم. إلى جانب ذلك، تبرز أيضًا فكرة سوء التغذية التي يعاني منها الجميع. وسيقتصر الحديث عن هذه الرواية على أبرز ثلاث صور فيها: وهم التنمية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي، وصورة المرأة، وصورة الملهى الليلي.

تتميز الأعمال الأصلانية الأفريقية ببحثها عن تمثيلات التضاد مع المستعمر، وخيارات تفكيك هذا التضاد بين المواجهة وعدم الاكتراث

أما بخصوص ما يمكن تسميته "وهم التنمية"، فهو يتجسد في صورة مشروع أطلق عليه "بيت التنمية" يعمل بطل القصة واسمه "بِن واكيرا" في بنائه. ولكن ما إن ينتهي العمال من بنائه حتى يجدوا أنفسهم بلا عمل ولا سكن. فيتبين في النهاية أن مشروع التنمية كان سرابًا يحسبه الظمآن ماء. ومن ثم يجد صاحبنا نفسه تحت رحمة أصحاب العقارات عديمي الرحمة وهم يخرجون الساكنين من مساكنهم عنوة ويلقون بهم وبأمتعتهم في الشارع بسبب تخلفهم عن سداد أجور السكن.

وأما بشأن المرأة، فهي تكاد تكون غائبة تمامًا إلا في صورة بنت الليل. فالمرأة الوحيدة التي نتعرف عليها عن قرب في القصة هي فتاة في مقتبل عمرها تدعى "ويني" تدرس في الجامعة وتعمل سكرتيرة في إحدى الشركات الأجنبية نهارًا، أما ليلا فهي تعمل بائعة هوى تجتذب الزبائن في الملهى، ولها طفل صغير أنجبته بالخطأ من أحد "زبائنها" السابقين.

اقرأ/ي أيضًا: شوقي بوزيد يصرخ.. ماما أفريقيا

يتعرف عليها "بِن" ذات ليلة ويقضي معها ليلة "حمراء" في منزله ثم ما يلبث أن يقع في حبها فيقرر الارتباط بها أملًا منه أن حياتهما ستستقر وتتحسن بعد ذلك. أما بالنسبة لعلاقتها بطفلها فهي علاقة غريبة للغاية. فرغم أنها تتظاهر بحبه إلا أنها لا تكاد تطعمه شيًئا عدا الخبز والشاي كلما أحس بالجوع، وهو ما يتسبب في معاناته من التبول اللاإرادي باستمرار.

يتصدى ميجا موانغي لتبادلية الاحتياجات الحيوية بين الفردي والجمعي ضمن سياق الهيمنة والتضليل الاستعماري

وتأخذ الأمور منحى دراميًا عندما تقرر ويني، ومن دون سابق إنذار، الرحيل بصحبة مديرها الأوروبي الأبيض، تاركة طفلها مع بِن ليعتني به، وتركت لهما مبلغًا من المال يكفي لإدخال الطفل المدرسة.

ورغم عدم معرفتنا بالدافع الحقيقي وراء إقدام ويني على هذا العمل، إلا أننا نكاد نستشف تقريبا أنها تراه، في قرارة نفسها، مجرد "خطأ فني" حصل خلال "أداء وظيفتها" وقد وجدت في بِن طريقة سهلة للتخلص من هذا الخطأ.

وأخيرًا، تأتي صورة الملهى الليلي الذي يحمل اسم "نيو إيدن"/الجنة الجديدة، لترسم مشهدًا سيرياليًا عن أثر المنظومة الرأسمالية على الحياة العامة في المدينة. إذ يصف الكاتب في أحد المواضع هذا الملهى فيقول:

"منذ أن تصارع آدم مع الشيطان من أجل المرأة الوحيدة في حياته وخسر، هذا هو الحال الذي وصلنا إليه. النساء مصممات على الحصول على المال. الرجال يبحثون عن مساء هادئ بعيدًا عن الزوجة المزعجة. لا توجد أي خطوط حمراء في نيو إيدن. كلٌّ يفعل ما يشاء ليصل إلى ما يريد. واحتياجات الناس هنا تقتصر فقط على لفة من الحشيش، أو قطعة معدنية، أو قنينة جعة، أو امرأة في الفراش.

إذن فنحن أمام صورة لمجتمع متفكك مخدّر تمامًا لا يعي مشاكله، والقوانين الوحيدة التي تسري بين أبنائه تقريبًا هي قوانين العرض والطلب الصارمة. فهو صورة مقلوبة تمامًا عن صورة الحلم الوردي في الثراء والعيش الرغيد الذي ترسمه قيم الرأسمالية العالمية. جدير بالذكر أنه تمت إعادة نشر رواية "السير على طريق ريفر رود" عام 2012 مع بعض التعديلات الطفيفة، ولهذا دلالة على أن الصورة الكئيبة لتفاصيل الحياة في ذلك الشارع ما زالت على حالها تقريبًا رغم مرور كل تلك السنوات. ثم إنه لعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا أن أعمال الكاتب الكيني ميجا موانغي ترشحه لنيل لقب "تشارلز ديكنز" عن باب الأدب الأفريقي!

ختامًا، عند الحديث عن الاتجاه الواقعي في العديد من الأعمال الأدبية الأفريقية فإنه يتوجب الحديث عن الأدب النسوي. ومن أبرز الأسماء في اﻷدب النسوي الأفريقي: الكاتبة تسي تسي دانغريمبغا، والروائية الراحلة إيفون فيرا، والكاتبة بوتشي إيميتشيتا، وأخيرًا الكاتبة آما آتا آيدو. وسنأتي على الحديث عن بعض أعمالهن بشيء من الإسهاب في مقال مقبل.

اقرأ/ي أيضًا: 

أجمل 6 أعياد شعبية في أفريقيا

أفريقيا.. ملاذ الموريتانيين الأخير من البطالة