هومایون إرشادي: فلسفة الصمت في السينما الإيرانية
14 نوفمبر 2025
بدأ حياته المهنية كحكاية غنائية في فيلم. جالسًا خلف مقود سيارة، يلتفت إليه مخرج أفلام شهير، مأخوذ بملامحه ونظرات عينيه التي تشي برجل عاش ألف حياة. هنا يتحقق ما يحدث عادة بين كل ممثل كبير ومخرج مبدع: يطلب المخرج من بطله أن يجرب، أن يثق به، أن يلقي بنفسه في الهواء ليُستقبل برفق، أن يدخل المغامرة بكل لعب وخيال ومتعة ورعب. يقنعه بأن يخلع أقنعته ليحصل على أخرى أجمل، تتطلب عريًا روحانيًا كاملًا. يطلب منه أن يسلم له روحه، ويطمئنه أنه سيكون معه طوال الطريق، على الجانب الآخر من المغامرة، ليتلقاه قبل السقوط، ويحميه، والأهم أنه سيراه.
هذا ما فعله عباس كياروستمي مع هومایون إرشادي. رآه، وحمّل تلك الرؤية كرسالة فوق جسده، فحوّله إلى ألف وجه وروح وشخصية، وجعله ممثلًا حقيقيًا.
وُلد هومایون إرشادي في أصفهان عام 1947، ودرس العمارة في جامعة كا فوسكاري في البندقية قبل أن يعود إلى إيران للعمل مهندسًا. لم يكن التمثيل يومًا في حساباته، حتى التقطه كياروستمي من خلف زجاج سيارة متوقفة في طهران؛ وجه ساكن يتأمل العالم كمن يرى أكثر مما يُرى. تلك المصادفة صنعت أحد أهم الثنائيات في تاريخ السينما الإيرانية.
في فيلم "طعم الكرز" (1997)، منح إرشادي وجهه لشخصية السيد بديعي، الرجل الذي يجوب أطراف طهران باحثًا عن من يحمل قبضة تراب ويرميها على قبره، من يكرّمه بالذكرى حتى لو مات منتحرًا. يقود سيارته أكثر مما يتحدث، ويترك للصمت أن يفعل ما تعجز عنه الكلمات. يتنقل في تلال جرداء على أطراف العاصمة، بين مقالع التراب ومكبات الحصى والطرقات المتعرجة التي تفصل المدينة عن الصحراء، كأنه يبحث عن الحياة في المكان الذي انتهت فيه الأشياء. هناك، في الهامش بين العمران والعدم، يختبر معنى الرحيل، وتتحول الأرض القاحلة إلى مرآة للروح: كل حفرة فيها تشبه قبرًا محتملًا، وكل منعطف محاولة لفهم الوجود.
كرّر هومایون إرشادي الدرس ذاته بأساليب جديدة: الصمت يمكن أن يكون بطولة، والسكينة شكلًا من أشكال الدراما. لم يعد الممثل فقط من يؤدي، بل من يسكن الشخصية
وصفه النقاد في الغرب بأنه الوجه الذي خلق من الصمت لغة سردية كاملة، وأنه عبّر عن ثقل الشعور بملامح تكاد لا تتحرك. وأشار نقاد أمريكيون إلى أن غياب التدريب المسرحي جعله خاليًا من الزخارف التمثيلية، قريبًا من النبض الإنساني الخام.
ابن العمارة الذي تعلّم أن الفراغ ليس نقيض الامتلاء بل شرطه، بدا في أدائه كمن يبني المشهد نظرة بعد أخرى، متوجًا بإيقاع من ضوء وصمت. في حضوره تتجلى فلسفة كياروستمي: الإنسان جزء من المشهد، ووجه من أوجه الطبيعة، كما لو أنه مرآة للزمن. وهكذا، عندما وجد كياروستمي وجهه الأكثر دلالة، شق الفيلم طريقه إلى العالم، مظهراً إيران من جانب إنساني، حنون، وفارسي غني بالتاريخ والحكايات، بينما ساهم الفيلم في تثبيت مكانة كياروستمي في تاريخ السينما بحصوله على سعفة ذهبية من مهرجان كان.
بعد "طعم الكرز"، لم تتبدّل ملامح إرشادي، بل تغيّرت خرائط العالم حوله. انتقل من الواقعية الشاعرية في السينما الإيرانية إلى العالمية، دون أن يفقد لغته الخاصة ولا اقتصاد حركته. في فيلم "عدّاء الطائرة الورقية" (2007)، رأى المخرج مارك فورستر في أدائه صدقًا فطريًا واعتمادًا على القلب أكثر من التقنيات الظاهرية. هذه البساطة صارت علامته المميزة، وهي ما جعل أداءه يعبر الثقافات المختلفة.
في أفلامه التالية، من "شجرة الكمّثرى" (The Pear Tree) عام 1998 لداريوش مهرجوي إلى "30 دقيقة بعد منتصف الليل" (Zero Dark Thirty) عام 2012 لكاثرين بيغلو، كرّر هومایون إرشادي الدرس ذاته بأساليب جديدة: الصمت يمكن أن يكون بطولة، والسكينة شكلًا من أشكال الدراما. لم يعد الممثل فقط من يؤدي، بل من يسكن الشخصية. كانت عيناه نافذتين على العالم الداخلي، وكل سكون عنده مدروس ومفعم بالعاطفة، كأنه يكتب فيلماً داخل الفيلم عن الإنسان المرهف وعن النور الذي يخرج من الفراغ.
السينما منحته بيتًا، لا يسكنه فحسب، بل يأوي إليه مع احتدام أسئلة الكون. منحته حياة لا تتوقف عن التوالد، ومنحها هو درسًا في أن الوجه يمكن أن يحمل روحًا قلقة هو الآخر، روحًا عصية على الفهم أو الالتقاط، تحمل حكاية. ظلّ إرشادي بعيدًا عن الأضواء، يختار أدواره كما يختار المعماري حجارة ونوافذ بيته، بدقة وهدوء وسلام؛ مؤمن، اختبر الكفر قليلًا، ثم عاد تائبًا لوجه الله.
قبل أيام قليلة، في الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، رحل إرشادي عن عمر 78 عامًا بعد صراع مع السرطان، بعدما اعتبره النقاد على امتداد سنوات وجه الصمت الفلسفي في السينما الإيرانية. ونعاه المخرجون بوصفه الرجل الذي علّمهم أن التمثيل يمكن أن يكون إصغاءً للصمت، وأن يحكيه كما لو أنه أبلغ من أي حوار.
أما عن كياروستمي، فلم يجتمعا بعدها في أي عمل آخر. فقد ظلّ لقاؤهما الوحيد في "طعم الكرز" علامة كافية لتُسجّل حضور كليهما في ذاكرة السينما: المخرج الذي يرى في الصدفة قدرًا، والممثل الذي جعل من تلك الصدفة مصيرًا فنيًا كاملًا. رحل هومایون إرشادي كما عاش، بهدوء لا يُحدث ضجيجًا، كمن يكمّل مشهدًا بدأه قبل ثلاثة عقود، حين كان يقود سيارته في طرقات طهران باحثًا عمّن يكرّمه بالذكرى حتى بعد الموت.







