"هوس": حين يصنع يوتيوبر فيلم العام
25 يونيو 2026
حتى عرضه تجاريًا، لم يستطع ناقد كبير أو منتج متمرس التنبؤ بالنجاح الساحق الذي حققه فيلم "هوس"(Obsession)، فكل ما في الفيلم وضعه خارج سياقات السينما "التجارية" أو، بلغة أعلى، السينما "النمطية أو السائدة"، إذ كان قد مضى زمن طويل منذ أن اقتطع فيلم رعب "مستقل" حصته من عائدات الاستوديوهات الكبرى في هوليوود، بمثل كل هذه الجسارة والإفصاح. كونه، كما معظم إنتاجات السينما المستقلة، أتى إلى قاعة العرض السينمائية متكئًا على اللاشيء: لا أسماء كبيرة، ولا ميزانية ضخمة، ولا جنس فني رفيع الذائقة أو الحساسية. إلا أنه أتى معتمدًا على الذكاء، وعلى ليّ عنق مدروس بأناة، ومضبوط لجنس فني شعبي محبوب ومتابع كثيرًا، ألا وهو الرعب، حيث أيضًا راح لجمهور فتي عبر ممثلين ملهمين.
كاري باركر: طفل متمرد من ألاباما
وُلد كاري باركر في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر 1999، ونشأ في موبايل بولاية ألاباما. أمه مصممة غرافيك، وأبوه ممرضًا نفسيًا قبل أن يتحول لاحقًا إلى كاتب محترف للسيناريو. وفي هذه العائلة التي تقاطعت فيها الصورة بالنص، تشكّلت بذرة المخرج. كان باركر في المدرسة طالبًا بدرجات متواضعة، يقضي وقته كاملًا بصحبة فرقة موسيقية. تأثر منذ صغره بأفلام الرعب؛ إذ شاهد فيلم "مجزرة منشار تكساس" (Texas Chainsaw Massacre)، وهو في الحادية عشرة من عمره.
بدأت قصته مع الجمهور عبر منصة "يوتيوب" حين أسس مع رفيقه كوبر توملينسون قناة "That's A Bad Idea" للكوميديا الساخرة، التي تجاوز مشاهدوها المليون مشترك. إلى أن، في عام 2023، أخرج وكتب فيلمًا قصيرًا بعنوان "الكرسي" (The Chair) وضعه على قناته، فشاهده أكثر من عشرة ملايين شخص، وكان هذا الفيلم القصير هو الطُّعم الذي اصطادته هوليوود.
"هوس" في جوهره هو إعادة كتابة حديثة لأسطورة "كف القرد"، تلك الحكمة القديمة التي تقول: احذر مما تتمنى
موهبة رفضت الاحتكام لشروط السوق
في موقف شجاع، رفض باركر مليوني دولار حين عُرض عليه مقابل إعادة كتابة السيناريو، لا لسبب إلا لجعل شخصية (Bear) بطلًا إيجابيًا وبالتالي محببًا. لكنه رفض، واحتفظ بشخصيته المعقدة والمضطربة ليعرضها دون تعقيم، هكذا باختلالها ووحول رغباتها، وصوّر الفيلم بما يعادل 750 ألف دولار فحسب. هذا بعد أن تواصل معه أحد المنتجين طالبًا تحويل "الكرسي" إلى فيلم طويل، ففاجأه باركر باقتراح فيلم مختلف تمامًا، فكان "هوس".
وجوه من هامش الهامش
يقوم بدور (Bear) الممثل مايكل جونستون، موظف في محل موسيقى يشتري لعبة سحرية تمنح الأمنيات، فيتمنى أن تقع زميلته نيكي في حبه، التي تلعب دورها إيندي نافاريتي. نجمة حقيقية أشعلت فضول الجمهور وحركت افتتانًا خاصًا بها. وحماس النقاد لعملها لم يكن مجرد نقد كسول أو انطباع أولي، كونها تملك بحق وجهًا ذكيًا وانفعالًا مضبوطًا لدور فيه الكثير من المبالغة والهستيريا، مجدولين بأصالة في عمق الدور. نافاريتي ابنة لأم أسترالية وأب مكسيكي عسكري، قضت طفولتها تنتقل بين مدارس بلغ عددها 11 مدرسة قبل بلوغها الخامسة عشرة من العمر. سبق لها الظهور في مسلسل (13 Reasons Why) وفي (Superman & Lois).
حين تخونك أمنياتك
"هوس" في جوهره هو إعادة كتابة حديثة لأسطورة "كف القرد"، تلك الحكمة القديمة التي تقول: احذر مما تتمنى. يبدأ الفيلم بشاب يشتري لعبة تمنحه ما يريد: حب المرأة التي يهواها، ليكتشف أن الإكراه، حتى حين يتنكّر في صورة السحر، لا يمكن فصله عن عواقبه. نيكي تحبه، نعم، لكن بطريقة تمحو إرادتها، وتحوّل العاطفة إلى وحش. وصفه باركر بأنه قراءة في أزمة الذكورية المتعاظمة في أميركا الآن، محاولًا بذكاء ألا يضع ذلك في واجهة الخطاب الفني للفيلم، بعيدًا عن خطابه المباشر حول الإكراه في الحب، وإلحاح الرغبات التي لا تتركنا سوى وحيدين نتخبط برغباتنا المبتورة بسوء الفهم والرعب من الرفض.
الأرقام ومعجزة البدايات
صُوِّر الفيلم بأقل من مليون دولار، محققًا مع هذا واحدًا من أكثر إصدارات العام ربحًا. عرضه الأول في قسم (Midnight Madness) بمهرجان "تورنتو" أوصل شركة (Focus Features)، شركة الإنتاج الشهيرة، لشراء حقوق التوزيع العالمية بمبلغ 14 إلى 15 مليون دولار، وهو أعلى سعر دُفع عن فيلم "جانرا" في تاريخ المهرجان. يُعرض في أكثر من 2500 صالة خارج موسم الكريسماس، حيث بلغت إيراداته ما يزيد على 68 مليون دولار خلال أسبوعين فقط.
عندما انتزع الهامش صدارة المركز
قصة "هوس" ليست استثناءً في تاريخ السينما، بل هي بالحقيقة امتداد لتقليد أميركي طويل يؤكد أن أشد أفلام الرعب استمرارًا في الذاكرة هي تلك التي جاءت من خارج منظومة الصناعة الكبرى. في عام 1999 أنتج مخرجا "ساحرة بلي" (Blair Witch)، دانييل مايريك وإيدواردو سانشيز، فيلمهما بميزانية لم تتجاوز 60 ألف دولار ليحصد 248 مليون دولار عالميًا. كان الفيلم ضربًا من ضروب السحر، إذ بدلًا من الاستسلام للتطور الدرامي المعتاد، اختار المخرجان أن تغوص المشاهد في مساحة الأحداث دون تلك الفورمولا المعتادة. في عام 2007 جاء (Paranormal Activity) المنتج بميزانية 15 ألف دولار ليجني 193 مليونًا ويُشعل موجة اللقطات المعثور عليها في كاميرا مهملة. وفي 2018 فاجأت (Hereditary) الجميع، حيث حقق الفيلم 82 مليون دولار وكرّس نفسه كفيلم كلاسيكي.
هذه هي السينما المستقلة في أبهى صورها وأكثرها إثارة للأسئلة، تلك التي نحكيها لإدراك التناقض الهائل بين انحيازاتنا للفردية والتمرد وإخضاع المؤسسات لموهبة الأفراد وجنون طموحهم، وبين توقهم أنفسهم للاحتضان ولأمان الميزانيات الكبرى التي لا يحققها سوى الاستوديو وعقود الاحتكار، كون السينما، وبالتالي الرؤية المستقلة فيها، لا يُسمح لها بأن تنتج العظمة إلا في الظلام، ثم تُكتشف وهي ترتدي أرقام أرباح "نيونية" مشعة تثير شهية المنتجين. إن ما حدث مع فيلم "هوس" هو قصة نجاح عظيمة، إلى أن يُعاد توظيفها لخدمة النظام الذي كانت تقف خارجه. ربما هذا هو ثمن الاعتراف الوحيد المتاح في هوليوود: أن تصبح جزءًا مما كنت تختلف مع تقاليده، لكنك في الآن نفسه تتوق لتكون جزءًا منه، وبك رغبة وحيدة فقط، الاحتفاظ بروحك، إن أمكن.