هوامش الانتخابات التركية

هوامش الانتخابات التركية

أنصار حزب العدالة والتنمية يحتفلون في إزمير (Getty)

تحولت الانتخابات التركية التي جرت في الأول تشرين الثاني/نوفمبر الحالي إلى الشغل الشاغل للكثير الكثير من الأوساط السياسية والاقتصادية والشعبية على المستويين الإقليمي والعالمي، وذلك بسبب الحساسية الشديدة لهذه الانتخابات وتأثيرها المباشر على مستقبل تركيا والشرق الأوسط، وارتباط ملفات عديدة دولية بها كقضية اللاجئين والحرب على الإرهاب وغيرها من الملفات.

نسبة المشاركة في أية انتخابات تركية هي نسبة عالية جدًا؛ غالبًا ما تكون أكثر من ثمانين في المائة من إجمالي الذين يحق لهم التصويت

وبعيدًا عن القضايا الرئيسية المعروفة لهذه الانتخابات كمستقبل الاقتصاد، وموضوع "سلطوية" رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، والقضية الكردية في تركيا، والتعاطي مع قضايا الإقليم كالشأن السوري، ساهمت أمور أقل "شهرة" وأقل تسليطًا للضوء عليها في عملية الإخراج النهائي لفيلم الانتخابات. هذه الأمور التي قد تبدو إكسسوارية، إن صح التعبير، تساهم في إدراك طبيعة النظام الديمقراطي والانتخابي في تركيا، وكذلك مدى اهتمام العناصر غير التركية بالانتخابات.

مما لا شك فيه أن نسبة المشاركة في أية انتخابات تركية هي نسبة عالية جدًا؛ غالبًا ما تكون أكثر من ثمانين في المائة من إجمالي الذين يحق لهم التصويت. الإقبال الكثيف على التصويت من قبل المواطنين الأتراك يشير إلى مدى ثقة الناخب التركي بنظامه الانتخابي بوصفه الطريق الوحيد لدعم أحزاب على حساب أحزاب أخرى، وتعبيد الطريق أمامها إلى سدة الحكم أو جعلها أحزاب معارضة. والإقبال أيضًا يعزز شرعية الصندوق الانتخابي حتى بالمقارنة مع انتخابات معظم الدول الديمقراطية، باستثناء أستراليا وإيطاليا وأمثلة قليلة أخرى ذات نسبة تصويت عالية، حيث تكون نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات شديدة الانخفاض كما في الولايات المتحدة وفرنسا حسب إحصائيات المعهد الدولي للديمقراطية ومساعدات الانتخابات، "آيديا".

من جهة أخرى، قد تشير هذه النسبة العالية إلى خطورة حالة الاستقطاب في تركيا إذ أن المجتمع، بشتى فعالياته وتجلياته، وصل إلى حالة متوترة ومنفعلة من التسييس وحتى العسكرة أيضًا. أي أن هذا الإقبال يدل ربما على اضطراب عمودي وأفقي يعاني منه المجتمع التركي أكثر من دلالته الديمقراطية الوردية في تركيا كما يصورها البعض.

إضافة إلى عدد من عيوب الديمقراطية التركية كمستوى حرية التعبير والصحافة المنخفض وقانون حاجز العشرة في المائة الذي بتجاوزه فقط يمكن للأحزاب السياسية دخول البرلمان، فإن مكانة وشرعية "الصندوق" الانتخابي تحظى بالكثير من الجدل بين الأوساط التركية. فبينما تقول أحزاب المعارضة أن الصندوق الانتخابي يجب أن يكون نتيجة للديمقراطية وليس مصدرًا لها وتردد كليشيه وصول الزعيم النازي هتلر إلى الحكم عبر الصندوق الانتخابي ومن ثم قيامه بجرائم كبرى، يرى الحزب الحاكم والأوساط المحسوبة عليه أن الصندوق هو الخيار الواقعي الوحيد لتطبيق الديمقراطية.

أما خارجيًا، فمثالا الدعم "الانبطاحي"، و"الإذلالي" أحيانًا، لحزب العدالة والتنمية التركي من قبل بعض الجهات المحسوبة على الثورة السورية لا سيما الإسلاموية منها من جهة، والنقد "الهستيري" للحزب إياه من قبل معظم كُرد سوريا وخطابهم التخويني ضد المصوتين للحزب من كرد تركيا والطعن في "شرفهم الجنسي" الذكوري من جهة أخرى، يشيران إلى مدى الارتباط العضوي شديد التعقيد والتركيب بين الشأنين التركي والسوري.

مكانة وشرعية "الصندوق" الانتخابي تحظى بالكثير من الجدل بين الأوساط التركية

خارجيًا أيضًا، قامت كبريات وسائل الإعلام الإقليمية والدولية والمؤسسات البحثية والقائمون عليها بفرز حيز كبير لهذه الانتخابات ليس على المستوى التحليلي الإخباري أو البحثي السياسي فحسب، بل على المستوى التوجيهي الانحيازي أيضًا. إذ قامت صحف وفضائيات عربية كبيرة بربط حزب العدالة والتنمية بالفوضى والديكتاتورية، كذلك دعت مجلة الإيكونوميست الإنجليزية العريقة، بصورة غريبة عن مهنيتها المعتادة، إلى "وجوب" قيام الناخبين الأتراك بالتصويت ضد حزب العدالة والتنمية، ناهيك عن وصف صحيفة العالم، "دي فيلت"، الألمانية نتائج الانتخابات، التي شهد الاتحاد الأوروبي بنزاهتها، بـ"اليوم الأسود" في تركيا!

هذه الجزئيات الأربعة؛ نسبة المشاركة الانتخابية وتموضع الصندوق الانتخابي في السياسة التركية، والتماهي أو الهجوم على جهات تركية معينة واتجاه بوصلة عينة من الإعلام العربي والدولي، قد تساعد القارئ باللغة العربية على توسيع أدواته ومقارباته للتعاطي مع الشأن التركي الذي أمسى جزءًا يوميًا وأساسيًا من الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في المشرق.

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا لن تحدث حرب أهلية في تركيا؟

تركيا.. اللاجئون في المزاد