ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

"هندسة الإبادة في غزة".. الأرض مسرح للجريمة

15 أغسطس 2026
هندسة الإبادة في غزة
كتاب "أندغراوند: هندسة الإبادة الجماعية" (الترا صوت)
محسن القيشاويمحسن القيشاوي

لا يقرأ المعماري والباحث الإسرائيلي إيّال وايزمان الحرب على غزة من منظور الطائرات والدبابات والقنابل والجنود، ولا من شاشات الأخبار، حيث تتزايد أعداد الشهداء والجرحى والنازحين بلا توقف. بل يقرأها من الأرض نفسها: من البيوت المهدمة، والمزارع التي جُرّفت، والأنفاق، والطرقات التي شُقّت فوق الركام، والتربة التي اختلط فيها الإسمنت بالزجاج وبقايا الأجساد والنباتات. في غزة، لا تحتفظ الأرض بآثار الحرب فقط؛ إنها تحمل روايتها كاملة.

في كتابه "أندغراوند: هندسة الإبادة الجماعية" الصادر عن دار "بنغوين البريطانية"، يستند وايزمان إلى عمل فريق من الباحثين على تسجيلات صوتية ومرئية، وصور، ومقابلات وشهادات، تخضع جميعها للتحليل والمقارنة وإعادة البناء، في محاولة لقراءة الحرب على غزة من زاوية مختلفة: لا بوصفها حملة عسكرية تستهدف البشر فحسب، بل عملية تدمير ممنهجة تطال المدن والمزارع والبنية التحتية، وكل ما يجعل الحياة ممكنة ويمنح المكان قدرته على احتضانها.

الأرض.. ذاكرة الحرب

ينطلق الكتاب من حقيقة بسيطة لكنها شديدة الدلالة: غزة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل أرض لها تاريخها وذاكرتها.

كانت أراضي القطاع، قبل عقود طويلة من الحرب والحصار، من أكثر المناطق الزراعية خصوبة في المنطقة. زرع الفلسطينيون القمح والخضروات والحمضيات، وحولت الزراعة أجزاء واسعة من غزة إلى سلة غذاء لسكانها ومحيطها.

لكن الحروب والاحتلال والحصار غيّرت علاقة الفلسطينيين بأرضهم تدريجيًا. ومع كل جولة عسكرية، كانت مساحة من الأرض تفقد وظيفتها، إلى أن تحولت الحرب الأخيرة إلى عملية تدمير واسعة لمقومات الحياة نفسها.

الحصار.. قتل بطيء

لا يبدأ وايزمان روايته في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فذلك التاريخ، على أهميته، ليس بداية القصة.

منذ عام 2007، عاش قطاع غزة تحت حصار إسرائيلي طويل، جعل الحركة والتجارة وإدخال المواد الأساسية خاضعة لقيود مشددة. ويرى وايزمان أن هذا الحصار شكّل نمطًا من العنف البطيء، تتخلله بين فترة وأخرى جولات قصف واسعة.

ينطلق الكتاب من حقيقة بسيطة لكنها شديدة الدلالة: غزة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل أرض لها تاريخها وذاكرتها

وكانت كل حرب تترك وراءها مدينة أكثر إنهاكًا، وبنية تحتية أكثر تدميرًا، واقتصادًا أكثر اعتمادًا على الخارج، ومساحات أكبر من الأرض غير الصالحة للاستخدام.

القصف.. أبعد من المباني

يرى الباحث أن ما حدث في غزة لا يمكن اختزاله في عدد المباني التي دُمرت.

فالقصف طال الأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات والمساجد والمخابز والجامعات والمكتبات والمصانع والمزارع. لكن الأخطر، بحسب وايزمان، هو أن التدمير لم يتوقف عند المبنى، بل امتد إلى النسيج الذي يجعل المدينة قابلة للحياة.

الجرافات فتحت طرقًا جديدة عبر الأحياء، وجرفت المنازل والأراضي الزراعية، ووسعت المناطق العازلة. وفي الوقت نفسه، أُجبر السكان على الانتقال إلى مساحات تضيق باستمرار، وُصفت بأنها "مناطق آمنة"، لكنها افتقرت إلى أبسط شروط الأمان والحياة.

هكذا لم تعد الحرب تستهدف مكانًا بعينه؛ بل بدأت تعيد رسم المكان كله.

التربة.. مقبرة مفتوحة

ربما يكون أكثر ما يميز الكتاب هو نظرته إلى التربة بوصفها شاهدًا على الحرب.

فغزة التي كانت أرضًا زراعية أصبحت، بعد الدمار، طبقات من الركام والغبار والزجاج والبلاستيك والخرسانة وبقايا الأشجار والمنازل.

لم تعد التربة تحمل المحاصيل فقط، بل تحمل آثار ما دُمّر فوقها. مياه الصرف التي تسربت إلى باطن الأرض، والأنقاض التي غطت الأراضي، والمواد الناتجة عن القصف، كلها تترك أثرًا قد يستمر سنوات طويلة.

ووفق المعطيات التي يستند إليها الكتاب، دُمرت آلاف البيوت البلاستيكية والبساتين، فيما تعرضت نسبة هائلة من الأراضي الزراعية في غزة للدمار.

الحرب هنا لا تقتل الإنسان فقط؛ إنها تفسد المكان الذي يفترض أن يعود إليه بعد الحرب.

الأنفاق.. حرب تحت الأرض

يفرد صاحب كتاب "أرض جوفاء.. الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي" مساحة واسعة للأنفاق التي بنتها حماس، لكنه يرفض الصورة التي تقدمها بعض الدعاية الإسرائيلية عنها باعتبارها شبكة ضخمة أشبه بمدينة كاملة تحت الأرض.

لا ينظر وايزمان إلى أنفاق غزة باعتبارها منشآت عسكرية أنشأتها حماس فحسب، بل يضعها ضمن تاريخ أطول من الحصار وإعادة تنظيم الحياة تحت الأرض. فقد استخدمت الأنفاق في مراحل مختلفة لربط أجزاء من قطاع غزة، والالتفاف على الحصار، ونقل البضائع والتجارة مع مصر، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى جزء أساسي من البنية العسكرية لحماس. وبذلك، لم تكن الأنفاق عالمًا منفصلًا عن الحياة فوق الأرض، بل امتدادًا لاقتصاد وُلد تحت ضغط الحصار وتكيّف معه.

لكن الحرب قلبت العلاقة بين الأرض وما تحتها. فمع استمرار القصف وتدمير المباني، أصبح الركام نفسه مادة تُستخدم في تدعيم الأنفاق، بينما تحولت الذخائر الإسرائيلية التي لم تنفجر إلى مصدر محتمل للمتفجرات التي يمكن إعادة استخدامها. هكذا تنتج الحرب مفارقة قاسية: ما يُستخدم لتدمير غزة فوق الأرض يمكن أن يتحول، بعد سقوطه، إلى مادة للمقاومة تحتها.

وهذه المفارقة هي إحدى النقاط التي تمنح قراءة وايزمان للأنفاق بعدها المعماري والسياسي؛ فالحرب، في تصوره، لا تدور بين سطح وآخر فحسب، بل بين طبقات الأرض نفسها. وما يجري فوقها يعيد تشكيل ما تحتها، وما يُدمّر في الأعلى قد يدخل، بصورة أو بأخرى، في إعادة بناء البنية التي تحاول إسرائيل تدميرها في الأسفل. 

والكتاب يضع هذه العلاقة ضمن مفهومه الأوسع لـ"الخريطة العميقة" لغزة، الممتدة من الأنفاق تحت الأرض إلى الطرق والحواجز والتضاريس العسكرية فوقها.

عندما تصبح البيئة هدفًا

يضع وايزمان غزة ضمن تاريخ أوسع للحروب التي دمرت البيئة إلى جانب البشر.

فالحرب لا تترك وراءها قتلى وبيوتًا مهدمة فحسب، بل تترك أراضي ملوثة، ومياهًا ملوثة، ومزارع مدمرة، وأنظمة صرف منهارة، وغطاءً نباتيًا مختفيًا.

وفي غزة، يتخذ هذا التدمير بعدًا أكثر قسوة بسبب الكثافة السكانية والحصار وطول أمد الحرب.

لذلك يصبح الدمار البيئي جزءًا من سؤال أكبر: كيف يمكن لمجتمع أن يعيش فوق أرض جرى تدمير شروط الحياة فيها؟

العمارة.. أداة للتحقيق

لا يتعامل مدير ومؤسس وكالة "العمارة الجنائية" (Forensic Architecture) مع العمارة باعتبارها مجرد مبانٍ، بل باعتبارها لغة يمكن من خلالها قراءة الجريمة.

موقع مبنى، اتجاه شارع، حفرة في الأرض، بقايا جدار، آثار قذيفة، صورة ملتقطة من نافذة أو طائرة مسيّرة؛ كل هذه العناصر يمكن جمعها لإعادة بناء ما حدث.

ومن خلال مؤسسة "العمارة الجنائية"، عمل وايزمان وفريقه على إعادة بناء أحداث محددة في غزة، مستندين إلى آلاف المواد البصرية والشهادات.

هنا تتحول المدينة إلى ملف تحقيق، وتتحول الأنقاض إلى أدلة.

في النهاية، تصبح غزة أكثر من ساحة حرب. إنها أرض تُستخدم بوصفها وثيقة؛ كل حفرة، وكل طبقة من الركام، وكل مزرعة جُرفت، وكل حي اختفى، تحمل أثرًا من قصة أكبر

إعادة رسم غزة

في جوهر الكتاب، لا يرى وايزمان الحرب الإسرائيلية على غزة مجرد حملة عسكرية لتدمير قدرات حماس، بل عملية أدت إلى إعادة تشكيل جغرافيا القطاع بصورة جذرية.

المناطق العازلة تتوسع، والطرق تتغير، والأحياء تختفي، والمزارع تُجرف، والسكان يُدفعون نحو مساحات أضيق.

وبهذه الطريقة، تصبح السيطرة على الأرض جزءًا من الحرب بقدر السيطرة على السماء.

ما بعد الدمار

السؤال الذي يتركه الكتاب ليس فقط: كم قُتل في غزة؟ وكم مبنى دُمّر؟

السؤال الأكثر قسوة هو: ماذا بقي من المكان الذي كان يفترض أن يعود إليه الناس؟

فالبيت يمكن إعادة بنائه، والشارع يمكن تعبيده، لكن استعادة الأرض الزراعية، وتنظيف التربة، وإصلاح المياه، وإعادة بناء النظام البيئي، وترميم النسيج الاجتماعي لمدينة دُمّرت بهذا الحجم، قد تستغرق أجيالًا.

ومن هنا تأتي قراءة وايزمان: الإبادة، في هذه الرواية، لا تُقاس فقط بما يموت من البشر، بل بما يُدمّر من شروط الحياة.

في النهاية، تصبح غزة أكثر من ساحة حرب. إنها أرض تُستخدم بوصفها وثيقة؛ كل حفرة، وكل طبقة من الركام، وكل مزرعة جُرفت، وكل حي اختفى، تحمل أثرًا من قصة أكبر.

وهكذا تتحول العمارة من فن بناء المدن إلى وسيلة لقراءة تدميرها، وتتحول التربة من أساس للحياة إلى شاهد على موتها.

كلمات مفتاحية
الدكتور عزمي بشارة

عزمي بشارة يقدم "أرابيكا".. مشروع عربي لتأسيس مرجع معرفي شامل

يطرح مشروع "الموسوعة العربية الشاملة: أرابيكا" نفسه بوصفه محاولة لإعادة بناء المرجعية المعرفية باللغة العربية، لا خارج العصر الرقمي، بل من داخله

المكتبات المستقلة في هونغ كونغ

فضاءات مساءلة للقراء الصينيين: لماذا تخسر هونغ كونغ مكتباتها المستقلة؟

في خضم التحولات السياسية التي تشهدها هونغ كونغ منذ سنوات، لم تعد المكتبات المستقلة مجرد مؤسسات ثقافية صغيرة تعمل على الهامش

القوة الناعمة

العقل السياسي الأميركي.. في نقد القوة الناعمة والهيمنة المعاصرة

في كتاب "القوة الناعمة" لجوزيف صموئيل ناي، طُرح مفهوم القوة الناعمة كوسيلة استراتيجية ناجحة في السياسة الدولية للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في حروبها

الليالي البيضاء.. من دوستويفسكي إلى BookTok
أدب

الليالي البيضاء لدوستويفسكي: كيف أعاد "تيك توك" الرواية إلى الواجهة؟

في ليلة هادئة من ليالي سان بطرسبورغ، كان رجل وحيد يمشي بلا وجهة، كأنه يبحث في شوارع المدينة عن شيء لا يعرف له اسمًا

فيلم "عطلة منتصف الشتاء"
أفلام

فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا

الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل