هل يُمكن للمصريين استرداد جزيرتي تيران وصنافير؟

هل يُمكن للمصريين استرداد جزيرتي تيران وصنافير؟

قانونيًا ودستوريًا تعتبر اتفاقية تيران وصنافير لاغية (محمد الشاهد/أ.ف.ب)

بعد سنوات مما يمكن وصفه بالخمول السياسي، وإعاقة التحركات الشعبية، خرجت تظاهرات مصرية منذ نيسان/أبريل 2016، وهو التاريخ الذي الذي أعلنت فيه السلطات المصرية توقيع اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية. وبعد صراع دام أكثر من سنة، ما بين الشارع والمحاكم، حيث حاول محامون مصريون خلالها إثبات الحق القانوني المصري في الجزيرتي وبطلان الاتفاقية؛ انتهى الأمر بتصويت البرلمان المصري بالموافقة على الاتفاقية، ثم صدّق السيسي عليها في حزيران/يونيو الماضي. 

في هذا التقرير نبحث في مدى قانونية ودستورية الخطوات التي اتخذتها الحكومة لتمرير الاتفاقية، واستعراض السُبل القانونية التي يُمكن من خلالها استرداد السيادة المصرية على الجزيرتين مرة أُخرى.

هل من الممكن أن تزيد أو تتقلص مساحة الدول؟

نعم، تزيد مساحة الدول وتتقلص تبعًا لمقتضيات الظرف التاريخي الذي تمر به، ومصر بشكل خاص توسعت في فترات من التاريخ ليدخل تحت سيادتها السودان وسوريا وغزة، ثم تخسر كل ذلك في فترات أخرى، لتنتهي بالصورة الجغرافية الحالية المتعارف عليها. وبشكل أكثر تفصيلًا عادت سيادة مصر على شبه جزيرة سيناء بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 واتفاقية كامب ديفيد، وبعد مماطلات إسرائيلية لسنوات عدة، لجئت مصر خلالها للتحكيم الدولي لاسترداد آخر قطعة من سيناء متمثلة في طابا. 

نظريًا تعتبر اتفاقية تسليم تيران وصنافير للسعودية معلقة نظرًا لوجود دعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية العليا

وجميعنا يتذكر المشهد الشهير للرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، عندما سألته إحدى المذيعات عن إمكانية تقديم مصر تنازلات من الأرض للجانب الإسرائيلي، ليجيبها بطريقة وصفها البعض بـ"السينمائية": "هل يمكنك مبادلة أحد أطفالك؟"، رغم تنازله عن أم الرشراش (إيلات)!

تيران وصنافير مقابل "الرز" السعودي

قدمت السعودية دعمًا كبيرًا لعبدالفتاح السيسي، بدايةً من قيادته الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، وحتى وصوله لسدة الحكم رسميًا في 2014، حتى اتضحت بمرور الوقت دوافع السعودية وراء هذا الدعم السياسي والأهم المالي متمثلًا في "الرز الكتير" بتعبير السيسي في إحدى تسريباته. 

اقرأ/ي أيضًا: المشاكسة بين صاحب الفكة وأهل الرز

ويبدو أن بين تلك الدوافع تنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للسيادة السعودية، بعد معركة طويلة مع المعارضة المصرية، على الأرض بالتظاهرات والاحتجاجات، وفي المحاكم، وصولًا إلى فرض النظام كلمته ببرلمانه المسيس، وبقمعه المفرط للاحتجاجات الشعبية، حتّى صدّق السيسي على اتفاقية تسليم الجزيرتين للسعودية، في 24 حزيران/يونيو الماضي. فيما يتردد أن مقابل هذا التنازل عن الأرض، عشرات ملايين الدولارات سلمت للسيسي من قبل السعودية بصورة غير رسمية.

هل من الممكن أن تسترد مصر تيران وصنافير؟

انطلاقًا من استرداد مصر لطابا، حاورنا المحامي الحقوقي وعضو لجنة الدفاع عن مصرية تيران وصنافير، مالك عدلي، لسؤاله عما إذا كان من الممكن أن يتكرر الأمر مع تيران وصنافير، والسبل القانونية التي قد تُساعد في ذلك، مع الوضع في الاعتبار بالطبع الإرادة السياسية، لذا كان سؤالنا لعدلي مبني على "ماذا لو؟".

بدايةً، وفيما يخص مدى "دستورية" الاتفاقية وتمريرها من قبل السلطات المصرية، قال عدلي: "قانونيًا ودستوريًا، لا توجد اتفاقية من الأساس"، مُوضحًا أن ذلك بسبب أن الاتفاقية حُكم بإلغائها من المحكمة الإدارية العليا، لذا فإنّ "دخولها قبة البرلمان أمر غير دستوري وغير قانوني"، كما قال عدلي. 

وبالعودة إلى المادة رقم 151 من الدستور المصري الحالي، وجدنا أنّها تنص على أنه "يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب. وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا لأحكام الدستور. ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة، وفي جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة"، وعلى هذه المادة، والوثائق المقدمة للمحكمة، انبنى الحكم القضائي.

من جلسة الحكم بمصرية تيران وصنافير (فايد الجزيري/ Getty)
من جلسة الحكم بمصرية تيران وصنافير (فايد الجزيري/ Getty)

وقال عدلي، إنّ "دخول الجزيرتين تحت السيادة السعودية مرتبط بنشر الاتفاقية في الجريدة الرسمية، ونظريًا فإن هذا القرار مُعلّق، نظرًا لوجود دعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية العليا"، وعليه فإنّه ليس من حق رئيس الجمهورية تمرير الاتفاقية أو التصديق عليها، إلا أنه عمليًا "نحن نشهد بلطجة سياسية، ونحن أمام سلطة لا تحترم القانون ولا تحترم الدستور ولا أحكام المحاكم، فكل شيء لديها جائز"، يقول عدلي.

ونوّه عدلي إلى اضطرار السيسي اللجوء للمحكمة الدستورية، وإقحامها في القضية، بُغية إيقاف تنفيذ حكم المحكمة الإدارية العليا بمصرية الجزيرتين، لكنّه أكّد أن قرار وقف تنفيذ الحكم الذي أصدرته الدستورية العليا يستلزم أن يصحابه قرار بوقف أي تعامل بشأن الجزيرتين كما يقول عدلي، الذي اضاف: "نحن بصدد إرادة سياسية تسعى إلى التفريط في الجزيرتين بدلًا من احترام القانون والدستور والشعب المصري وإرادته والعقد الاجتماعي الرابط بين السلطة والشعب، فتحوّل النظام في لحظة إلى عصابة مسلحة تفعل ما تريد بقوة السلاح، وتضرب بأحكام المحاكم والقانون والدستور عرض الحائط".

كيف نلجأ للتحكيم الدولي لاسترداد الجزيرتين؟

"هذا النوع من النزاعات لا يُغلق"، يقول عدلي مُشيرًا إلى مثال طابا التي "سُلبت من قبل بموجب احتلال عسكري. والآن نحن نشهد حالة احتلال طوعي، فللمرة الأولى في التاريخ يحدث الاحتلال بالتراضي!"، على حد تعبيره.

يستلزم اللجوء للتحكيم الدولي لاسترداد تيران وصنافير زوال النظام الحالي، وأن يأتي نظام لديه الإرادة السياسية لذلك

وأوضح عدلي أن "الرهان" الآن على اتفاقية فيينا للمعاهدات، والتي تنص المادة رقم 50 من فصل بطلان المعاهدات فيها، على أنّه "إذا تم التوصل إلى تعبير الدولة عن رضاها الالتزام بالمعاهدة عن طريق إفساد ممثلها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من قبل دولة متفاوضة أخرى، فإنه يجوز لتلك الدولة أن تحتج بالإفساد كسبب لإبطال رضاها الالتزام بالمعاهدة"، يعني ذلك أن الاتفاقيات التي يثبت فيها فساد ذمة ممثل الدولة، تعتبر لاغية، وكذلك إذا ثبت أن ممثل الدولة تفاوض لغير مصلحتها، أو أن ممثل الدولة خالف بسوء نية القوانين المحلية التي تحكم المعاهدات.

اقرأ/ي أيضًا: نهاية قصة تيران وصنافير.. برلمان السيسي يعطي ما لا يملك لمن لا يستحق

ما هي طبيعة التحيكم الدولي، وكيف للمصرين اللجوء إليه؟ يُجيب مالك عدلي على ذلك بقوله، إن "لجنة التحكيم الدولي، لجنة منشأة طبقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، وتلجأ لها الدول المتنازعة"، أما كيف يلجأ المصريون إليه، فها هنا مشكلة وهي ارتباط الشكوى المقدمة للتحكيم الدولي بممثل الدولة، بطريقة اُخرى، وبتعبير عدلي، فإنّه "إذا لم يتراجع النظام المصري عمّا يبديه من جنون، وفي حال عدم وجود إرادة سياسية لاسترداد حق الجزيرتين، فإنّ اللجوء للتحكيم الدولي يُصبح مرهونًا بزوال النظام الحالي، وأن يأتي نظام جديد لديه الإرادة السياسية لاسترداد تيران وصنافير، وإثبات فساد ذمة ممثل الدولة الذي مرر الاتفاقية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تذهب "تيران وصنافير" إلى التحكيم الدولي؟

كيف عرّت "تيران وصنافير" الواقع السياسي في مصر؟