هل يودع العرب

هل يودع العرب "زمن النفط الجميل"؟

صورة لأحد حقول النفط (Getty)

في كانون الأول/ديسمبر 2014، أعلن وزير النفط السعودي "علي النعيمي" أن منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك لن تقدم على خفض الإنتاج حتى لو انخفضت أسعار النفط إلى عشرين دولارًا للبرميل، كان هذا ردًا حاسمًا على المطالبات المتزايدة للمملكة وأوبك من ورائها -والمستمرة حتى اليوم- بخفض الإنتاج حتى تستعيد الأسعار بعضًا من عافيتها، اليوم وبعد عام من تصريحات النعيمي، تبدو نبوءته أقرب إلى التحقق، فقد انخفض سعر البرميل إلى ما دون الثلاثين دولارًا -مقارنة بـ62 دولارًا وقت تصريحات النعيمي و115 دولارًا قبلها بستة أشهر فقط، كان الظن يغلب أن الإصرار السعودي على رفض خفض الإنتاج ينبع من الرغبة في تعويق قطاع النفط الصخري الأمريكي الذي يهدد الصدارة التاريخية لدول الخليج في سوق النفط.

 رفض "أوبك" خفض الإنتاج يؤكد التقديرات بأن دول الخليج عازمة على خوض حرب الأسعار حتى لو أدى الأمر إلى استنزاف مرحلي في احتياطاته

شكلت مصادر الطاقة التقليدية -خاصة النفط والغاز- رافعة أساسية للتنمية في البلدان العربية في العصر الحديث، إذ استخدمت عائدات النفط في تحقيق مستويات غير مسبوقة من التنمية والرفاه في الدول النفطية وبخاصة دول الخليج العربي وشكل الذهب الأسود حجر الزاوية في العقد الاجتماعي لكل دوله تقريبًا. كما تحققت استفادة الدول العربية غير النفطية عبر المعونات والمساعدات المستمرة، إضافة إلى الأعداد الكبيرة من العمالة العربية في البلدان النفطية، حتى يمكن القول بأن طبقة اجتماعية كاملة قد تكونت في بعض البلدان غير النفطية اعتمادًا على العمالة في البلدان النفطية، هذا من جهة الاقتصاد.

أما من جهة السياسة، ففي كانون الثاني/يناير 1980 أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ما أطلق عليه «مبدأ كارتر»، وهو المبدأ المعتمد إلى الآن للحفاظ على أمن الخليج. وينص هذا المبدأ على أن أمريكا «سوف تعتبر أي محاولة من قبل أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد مثل هذا الاعتداء بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية»، منذ ذلك الحين احتلت منطقة الخليج العربي أولوية كبرى في السياسة الأمريكية، حيث شكل استقرار المنطقة والالتزام بحماية أمن أنظمتها ضمانة للوصول إلى نفط الخليج العربي وحماية الممرات الملاحية لإبقائه متدفقًا.

النفط الصخري والنفط التقليدي الزمن يتغير

تعرف جمعية المهندسين النفطيين النفط الخام التقليدي بأنه نفط في شكل سائل قادر على التدفق بصورة طبيعية، ويشير ذلك إلى النفط والغاز المنتجين من خلال بئر تكون في حالة تكوين جيولوجي، فيها خصائص الخزان الجيولوجي، وتسمح السوائل الموجودة فيها للنفط أو الغاز بالتدفق إلى السطح بسهولة، أي أنه يمتاز عن النفط غير التقليدي بسهولة الاستخراج، الأمر الذي ينعكس في انخفاض تكاليف الإنتاج عن الأنواع الأخرى التي سترد لاحقًا.

ويصنف النفط الخام طبقًا لكثافته إلى ثلاثة أنواع "ثقيل ومتوسط وخفيف"، كما تهتم صناعة التكرير بمستوى الكبريت في النفط، فيطلق عليه وصف "حلو أو مسكر" عند وجود كميات قليلة من الكبريت، ووصف "مر" عند وجود كميات كبيرة من الكبريت وهو ما يتطلب مصانع تكرير مجهزة خصيصًا من أجل تكريره والحصول على مواد بترولية ذات مواصفات كيفية عالية.

مع المخاوف المتزايدة من استنزاف احتياطات العالم من النفط الأحفوري "الفحم والنفط والغاز الطبيعي"، وفي ظل السعي الدؤوب لكسر احتكار سوق الطاقة من قبل الدول المنتجة للنفط التقليدي، نسمع بين حين وآخر عن النفط غير التقليدي، ويساعد على ذلك الاختراقات التكنولوجية في تقنيات إنتاج أنواع جديدة من النفط والغاز مثل الغاز الصخري shale gas، النفط الصخري shale oil، والصخر الزيتي oil shale الذي سيمثل وحده نقلة نوعية في قدرات إنتاج النفط في الولايات المتحدة على المدى البعيد.

والنفط الصخري shale oil هو من حيث نوعيته نفط تقليدي، فهو خفيف ولا يحتوي على كميات عالية من الكبريت، لكن طبيعة الطبقة الجيولوجية التي تحتويه تحتم اللجوء إلى تقنيات مكلفة ومعقدة لإنتاجه ما يجعله نفطًا غير تقليدي.

أما الصخر الزيتي oil shale فهو صخر أو حجر طيني متكون من كميات كبيرة من الكيروجين (مادة عضوية رسوبية) أو من رواسب مشابهة تتحول عبر عمليات الانحلال الحراري أو الهدرجة إلى سائل كربوني يشبه النفط في مكوناته، يعتبر الصخر الزيتي بالفعل نفطًا غير تقليدي فهو محبوس في صخور ذات مسامية ونفاذية ضعيفة جدًا ويحتاج إلى عملية تسخين وتكرير مكلفة من أجل استخراجه.

طفرة الغاز والنفط الصخريين في أمريكا… نموذج قد يتكرر

بدأ إنتاج الغاز الطبيعي من المكامن الصخرية للولايات المتحدة في الثمانينيات، وقد أدى التطور التكنولوجي وزيادة الاستثمار في تقنيات إنتاج الغاز الصخري "بتشجيع من الحكومة الأمريكية" عن طريق استعمال الحفر الأفقي horizontal drilling والتفتيت المائي hydraulic fracturation - يضخ مزيج من الماء والرمل والمواد الكيميائية تحت ضغط عالٍ لتفتيت صخور السجيل وتحرير الغاز المحبوس فيها، إلى زيادة إنتاج الغاز بصورة حادة في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فانخفضت أسعار الغاز بصورة كبيرة في الأسواق الأمريكية، واليوم يبلغ إنتاج الغاز الصخري نحو نصف إنتاج الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي، ووصلت البلاد إلى تحقيق اكتفاء من الغاز، وهناك توقعات أن تتحول الولايات المتحدة إلى دولة مصدرة للغاز.

المبدأ ذاته انتقل إلى قطاع النفط الصخري الذي يشهد ثورة مماثلة، فقد تم استخدام التقنيات ذاتها لاستخراج النفط الصخري، وأنتجت الولايات المتحدة عام 2013 من النفط أكثر مما استوردت، وذلك لأول مرة منذ عام 1995. وازداد الإنتاج اليومي بـ3.7 ملايين برميل خلال السنوات الخمس الماضية. كما انخفضت واردات الولايات المتحدة من النفط بمعدل 44% خلال السنوات الخمس الماضية، وسوف تستمر هذه الواردات في الانخفاض كما يرى خبراء وكالة الطاقة الدولية التي توقعت أن تحقق الولايات المتحدة وكندا معًا بحلول العام 2020 اكتفاءً كاملًا من الطاقة، في حين ستحقق الولايات المتحدة هذا الاكتفاء وحدها بحلول العام 2035.

سوق الطاقة سوق متقلب، الأمر الذي يجعل من الضروري إعادة النظر في الهيكل الاقتصادي للدول العربية ككل والخليجية على وجه الخصوص

تمثل الحالة الأمريكية نموذجًا يحتذى به بالنسبة للعديد من الدول التي تمتلك احتياطات كبيرة من النفط غير التقليدي، وتأتي الصين على رأس تلك القائمة الطويلة، إذ تحاول بكين -إلى جانب دول أخرى- استنساخ التجربة الأمريكية، كما بادرت بإطلاق دراسات من أجل تقييم الموارد المحتملة للنفط والغاز غير التقليديين على أراضيها، ويبدوا أن النتائج مبشرة للغاية لبكين في هذا المجال.


النفط الصخري.PNG
خريطة توضح موارد الطاقة غير التقليدية في مختلف دول العالم، وتبرز كيف يمكن أن تتغير خريطة الطاقة العالمية حال استنساخ التجربة الأمريكية

التأثيرات الاقتصادية والسياسية لتغير خريطة الطاقة على المنطقة العربية

 رفض "أوبك" خفض الإنتاج يؤكد التقديرات بأن دول الخليج عازمة على خوض حرب الأسعار حتى لو أدى الأمر إلى استنزاف مرحلي في احتياطاته

بالنظر إلى محورية دور النفط في الاقتصاد والسياسة العربية، يمكن بقليل من الخيال تصور الحال حين يختفي نفط الخليج أو يفقد أولويته لصالح أنماط أخرى من الوقود غير التقليدي أو حتى لصالح أنظمة طاقة متجددة كالطاقة النووية أو الشمسية، إذ ستفقد الكثير من الدول التي يعتمد هيكلها الاقتصادي على الريع النفطي قدرتها على مواءمة تطلعات المجتمع والاستمرار بنفس المستوى من التنمية، إضافة إلى فقدان نفوذها السياسي الذي يعتمد بالأساس على صادراتها النفطية وقدراتها المالية، الأمر الذي سيؤدي إلى تغييرات جيوسياسية عميقة في المنطقة ككل.

تمثل الحالة الحالية إحدى تمظهرات الصراع الدائر في سوق الطاقة العالمية، إذ أدى انخفاض أسعار النفط بشكل حاد وغير متوقع إلى إعادة صعود المخاوف المتعلقة بمستقبل النفط العربي، وجاء رفض "أوبك" خفض الإنتاج لتؤكد التقديرات بأن دول الخليج عازمة على خوض حرب الأسعار حتى لو أدى الأمر إلى استنزاف مرحلي في احتياطاتها، فهي من جهة تحاول الحفاظ على حصصها السوقية في مواجهة منافسين فاعلين أو محتملين كإيران التي يتوقع دخولها إلى السوق بقوة عقب رفع العقوبات نتيجة للاتفاق النووي. ومن جهة أخرى تسعى إلى توجيه ضربة قوية لقطاع النفط الصخري الأمريكي عبر جعل الاستثمار في هذا القطاع عملية غير ذات جدوى من الناحية الاقتصادية.

ليس من الواضح تمامًا إن كانت المناورة الخليجية تؤتي أكلها فيما يتعلق بالتأثيرات على استثمارات النفط غير التقليدي في الولايات المتحدة، لكن الأكيد أنها حتى في حال نجاحها ستظل خطوة تكتيكية تؤجل ما هو واقع بالضرورة، فعاجلًا أم آجلًا ستتطور التكنولوجيا اللازمة للاستخراج وستنخفض تكاليفها بشكل يجعل ذلك القطاع أكثر جاذبية للاستثمارات، سيما مع تزايد رغبة الحكومات في تنويع مصادر طاقتها حتى لا تكون عرضة للابتزاز الاقتصادي أو السياسي حال الاعتماد على مصدّر وحيد.

سوق الطاقة سوق متقلب، وقد ينسحب البساط في أي لحظة من تحت أقدام المنتجين التقليديين، الأمر الذي يجعل من الضروري إعادة النظر في الهيكل الاقتصادي للدول العربية ككل والخليجية على وجه الخصوص، بحيث يتم الاستثمار في الطاقة البشرية والمجالات الإنتاجية لتحقيق نوع من التوازن في منظوماتها الاقتصادية تستطيع تحمل أي مفاجآت غير متوقعة، أما ريع النفط وحده فلو بقي اليوم فلن يبقى غدًا، ولو كفى غدًا فلن يكفي بعده.

اقرأ/ي أيضًا:

السعودية وإيران..إنه النفط

ماذا تعني خسارة بوتين لحربه السورية؟