هل ينجح

هل ينجح "داعش" في استنزاف قوات التحالف في الموصل؟

875 مشاهدة
كلما زادت سرعة الانتصار في معركة الموصل، زادت فرصة أن يظل التحالف ضد داعش متماسكًا وفعالًا (يونوس كيليس/الأناضول)

أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم الخميس أن القوات المقاتلة تتقدم تجاه الموصل بسرعةٍ أكبر مما كان متوقعًا، وبسرعةٍ أكبر مما كان مخطط له في خطة الحملة. بينما تعد تلك التصريحات مشجعة لبلاده، إلا أنها خادعة، حسب ما يرى دانيال ديفيس، محلل الأمن القومي والشؤون الخارجية، في مقالٍ له بمجلة ناشيونال إنترست الأمريكية.

في معركة الموصل، مقاتلو داعش سوف يستمرون في التراجع ببطء حتى يصلوا أخيرًا إلى خط الدفاع الرئيسي الذي اختاروه والذي أعدوه جيدًا

يرى ديفيس أن القتال الحقيقي لم يبدأ بعد، وأنه من الضروري إدراك أنه إذا قررت داعش القتال حتى الموت في الموصل، مثلما حدث في معركة ألامو التاريخية التي خاضها جيش تكساس، فإنه ليس من المستبعد تمامًا أن تتمكن داعش من تحقيق انتصارٍ استراتيجي حتى إذا انتهت معركة الموصل بهزيمتها.

يلفت ديفيس النظر إلى أنه على الرغم من أنه غالبًا ما ينظر إلى مقاتلي داعش على أنهم سفاحون بلا عقول وإرهابيون بلا قلوب ومجرمون عاديون، إلا أنهم يمثلون خطرًا تكتيكيًا كبيرًا، حيث يستفيدون من 15 عامًا من الدروس التي تعلموها خلال عمليات التمرد في العراق وأفغانستان وسوريا.

اقرأ/ي أيضًا: داعش يطيل معركة الموصل..استراتيجية نقل العمليات

يعتبر ديفيس مقاتلي داعش الأكثر خبرة في قتال المدن على مستوى العالم في الوقت الحالي، مشيرًا إلى احترافيتهم في صنع دفاعاتٍ متقنة الصنع وحفر أنفاقٍ متشابكة وزرع حقول ألغام معقدة ومتعددة الطبقات. لدى قوات الأمن العراقية أيضًا لهم خبرة في قتال المدن، حيث أخرجوا داعش من الفلوجة وتكريت والرمادي. لكن في كلٍ من تلك المعارك، حاربت داعش ما كان بالأساس انسحابًا قتاليًا.

تجنبت داعش الانخراط الشديد في معارك المدن السابقة، حيث لجأت بدلًا من ذلك إلى العبوات الناسفة والألغام والفخاخ الأخرى المخبأة في المباني والسيارات والطرق وتحت الأرصفة، لتنسحب عندما يصبح الموقف ملتهبًا وتصبح معرضة لخطر الحصار. من غير المعروف ما إذا كان ذلك استراتيجية مقصودة أم لا، حيث ادعت تقارير عقب معركة الفلوجة أن داعش قد أعدمت عددًا من مقاتليها ممن هربوا. لكن هذه المرة تشير دلائل أولية إلى أن قيادات التنظيم قد قرروا أن يقاتلوا حتى الموت في الموصل.

قد يرى البعض ذلك شيئًا جيدًا، على اعتبار أنه إذا قرر التنظيم القتال للنهاية وتم تدميره فإن الضرر لقدراته البشرية والقيادية سوف يعجّل بأفوله. يرى ديفيس أن ذلك ليس افتراضًا صحيحًا تمامًا، حيث إن وضع داعش ليس حرجًا كما قد يبدو.

الموصل هي مدينة كبيرة في حجم مدينة فيلادلفيا، حتى حسب أكبر أعداد تقديرية لها، لا تستطيع داعش الدفاع عن المدينة بالكامل. تشير تحركاتها الأولى إلى أنها في المراحل الأولى للمعركة سحبت أعدادًا من نقاط المراقبة الأمامية المصممة لتزويد قادتها بالاستخبارات بشأن الأماكن التي تشن فيها القوات المحررة هجماتها الرئيسية. مع تقدم المهاجمين، من المرجح أن مقاتلي داعش سوف يطلقون النار ويزرعون عبواتٍ ناسفة في مسارات التقدم ويستخدمون القناصة لإبطاء التقدم، لكنهم لن ينخرطوا في القتال بصورةٍ كبيرة.

يرجح ديفيس أن مقاتلي داعش سوف يستمرون في التراجع ببطء حتى يصلوا أخيرًا إلى خط الدفاع الرئيسي الذي اختاروه، وهي مناطق لا شك أنهم أعدوها لشهور استعدادًا للمعركة الفاصلة. سوف تحتوي تلك المناطق على تحصيناتٍ دفاعية مدروسة ومتقنة.

حسب كل الاحتمالات، سوف تضم تلك المناطق أنفاقًا متشابكة تسمح للمقاتلين بالتحرك من مكانٍ إلى آخر دون التعرض للنيران المعادية. سوف يكون هناك قناصة في المناطق المرتفعة الرئيسية في المدينة يوفرون نيرانًا متقاطعة في مواجهة محاور التقدم الرئيسية. سوف يتم أيضًا وضع حواجز في نقاطٍ عدة للمزيد من إبطاء هجمات قوات الأمن العراقية، وسوف يتم نشر قذائف هاون وصواريخ وربما بعض الدبابات في مواقع استراتيجية تقع على وخلف خط الدفاع الرئيسي.

المقاتلون العاديون سوف يتم نشرهم متفرقين عبر منطقة القتال بالكامل ويتركزون فقط للقيام بتحركاتٍ محددة، وإلا يتم تفريقهم لزيادة احتمالية نجاتهم. من المحتمل أن يكون هناك أيضًا وحدات صغيرة متنقلة تعمل كقوات هجومٍ مضاد محلية لمضايقة قوات الأمن العراقية وجنود التحالف أثناء تحركهم عبر المدينة. إذا حاربت داعش بانضباط وشنت هجماتٍ جزئية، يرى ديفيس، فمن الممكن استخدام بيئة المدن لتكبيد القوات المحررة خسائر كبيرة والصمود لفترةٍ طويلة.

إذا استخدمت داعش استراتيجية معركة ألامو، فقد تكون مستعدة لتلقي خسائر تتراوح بين 50 و60 أو حتى 75% من قواتها وتستمر رغم ذلك في القتال. "ليس هناك أي احتمال" لانسحاب داعش من المدينة، حسب تقريرٍ نشره موقع موصل آي، وهو المصدر الأكثر موثوقية للمعلومات من داخل الموصل طوال العامين الماضيين. "ليس هناك مكان آمن يلجؤون إليه في أي مكانٍ في العراق، من المستحيل أن يستطيعوا الاختفاء وسط السكان"، كتب الموقع، وأشار أيضًا إلى أنه ليس هناك برنامج معروف لإعادة دمج أعضاء التنظيم.

كلما طالت معركة الموصل، زادت فرصة داعش في إنهاك الروابط الضعيفة التي تربط قوات التحالف معًا والنجاح استراتيجيًا

اقرأ/ي أيضًا: درس الفلوجة في معركة الموصل..الطائفية سيدة الحشد

يعني ذلك أن هناك أماكن قليلة يمكن لأعضاء التنظيم العراقيين الفرار إليها، وليس هناك دافع للاستسلام. احتمالية أن تمثل الموصل معركة ألامو بالنسبة إلى داعش كبيرة. يرى ديفيس أن هناك خطرًا كبيرًا على التحالف إذا اتضح أن ذلك بالفعل هو الوضع.

أولًا، سيمثل ذلك اختبارًا لعزيمة قوات الأمن العراقية تحديدًا. تم إعادة بناء القوات العراقية عدديًا منذ هزيمتهم المروعة خلال اجتياح داعش للأراضي العراقية منذ عامين، وتزويدهم بأسلحةٍ حديثة وإعادة تدريبهم من قِبل مدربين من الولايات المتحدة ودولٍ حليفة أخرى. من المؤكد أن قوات الأمن العراقية اليوم أفضل مما كانت عليه عام 2014، لكنها لم تختبر بعد في قتالٍ مستمر وصعب. من غير المعروف ما الذي يحدث إذا تكبدت خسائر كبيرة.

ثانيًا، كلما طالت معركة الموصل، زادت فرصة داعش في إنهاك الروابط الضعيفة التي تربط قوات التحالف معًا والنجاح استراتيجيًا. في حالة ألامو، سوف يكون هدفها الرئيسي هو الصمود لأطول مدة ممكنة، مسببة أكبر قدر ممكن من الخسائر لقوات الأمن العراقية. أظهرت داعش أنها مستعدة للموت في سبيل "قضيتها" وتحمل مصاعب هائلة، بينما لم تظهر قوات الأمن العراقية حتى الآن استعدادها لتقديم مثل تلك التضحيات. تعلم داعش أنه لا أمل لديها في هزيمة القوات المحررة، لكنها ربما تدرك أن لديها فرصة أفضل في تقسيم التحالف وإنهاك إرادته في القتال، على النحو التالي.

تتكون قوات التحالف من ميليشيات شيعية مدعومة إيرانيًا والعديد من الميليشيات السنية القبائلية وأعدادٍ صغيرة من الميليشيات المسيحية والتركمانية (تتألف العديد منها ممن عاشوا سابقًا في الموصل) والبشمركة الكردية وقوات الجيش العراقي وقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة التي توفر دعمًا استشاريًا ومدفعيًا وجويًا. ذلك التحالف غير المتجانس لا يوجد به تماسك طبيعي. في الواقع من المعروف أن العديد من تلك المجموعات ترتاب بشدة من بعضها البعض، حيث ظهر بعض قادة الميليشيات الشيعية في مقاطع يعدون فيها بقتل الجنود الأمريكيين الذين يجدونهم في ساحة المعركة. إذا طالت المعركة وبدأت الخسائر في التصاعد بين الميليشيات المختلفة، فإن فرص نشوء صراع داخل التحالف سوف تتزايد.

على سبيل المثال، إذا بدأت القدرة القتالية لقوات الأمن العراقية في الضعف وكان على مقاتلي الميليشيات الشيعية تولي المهمة، فإن مقاتلي وحدات الحشد الشعبي الشيعية قد تتوقف عن التنسيق مع بغداد وتطلق خططها الخاصة، ذاهبين إلى المناطق التي يعتبرونها أكثر فائدة. في أسوأ سيناريو، يمكن أن يصل الوضع إلى اقتتالهم مع بقية ميليشيات التحالف، مثل الميليشيات السنية القبائلية والمجموعات المسيحية. من الممكن أيضًا أن تفي عناصر مارقة من وحدات الحشد الشعبي بتهديداتها وتقتل مستشارين أمريكيين أو قوات مساندة أخرى في "هجماتٍ صديقة".

من الممكن أيضًا أنه مع تقدم المعركة قد تقرر بعض المجموعات غير السنية تجاوز خطة الحملة المتفق عليها وتحاول السيطرة على مناطق من المدينة لم يكن من المقرر لها أن تحررها. إذا قام المقاتلون الشيعة، على سبيل المثال، بدخول مناطق سنية من الموصل دون اتفاق، فإن السكان السنة أو حتى الميليشيات السنية المتحالفة قد توجه سلاحها نحو الشيعة. في مثل تلك الحالة قد يبدأ التفاعل في استهلاك نفسه فعليًا.

كلما زادت سرعة الانتصار في معركة الموصل، زادت فرصة أن يظل التحالف ضد داعش متماسكًا وفعالًا

إن احتمالية أن تعمل المجموعات المسلحة الشيعية والسنية والكردية والمسيحية، وبعضها يتلقى أوامر من قوى أخرى أكثر من تلقيه أوامر من بغداد، معًا بتعاونٍ فعال ليست في أعلى مستوياتها. كلما استطاعت داعش الصمود وتكبيد التحالف المزيد من الخسائر فإن فرصة أن تظهر الاختلافات الدينية والطائفية والسياسية بين القوى المحررة تزداد. بل إن ذلك المزيج المتنافر من الحلفاء يتضمن احتمالات أكثر إثارة للقلق قد تنتج إذا قررت القوات المسلحة التركية الوفاء بوعد الرئيس رجب طيب أردوغان بالمشاركة في المعركة على الأرض.

رغم كل تلك التحديات، لا يزال من الممكن أن تسير الأمور على نحوٍ جيد بالنسبة إلى التحالف. من الممكن اختراق دفاعات داعش بسرعة أكبر من المتوقع. كلما زادت سرعة الانتصار في المعركة، زادت فرصة أن يظل التحالف متماسكًا وفعالًا، لكن سيكون من الخطأ التقليل من قدرات داعش وتوقع الأفضل. داعش قد تكون الجماعة الأكثر بربرية ووحشية وعدم إنسانية في العالم وفيما شهده هذا الجيل، يتابع ديفيس، إلا أن أعضاء التنظيم ليسوا أغبياء، وقد أظهروا أنهم فعّالون على المستوى الاستراتيجي.

القتال لا يزال في بدايته، إلا أن المؤشرات تشير إلى أن التنظيم مستعد لجعل الموصل معركة ألامو الخاصة به، ودفع الثمن التكتيكي على الأرض لتحقيق آثارٍ استراتيجية. إن قيادة داعش على معرفة وثيقة بأي وكل احتكاك تاريخي بين أعضاء التحالف، ومن المؤكد أنها ستفعل كل ما بوسعها لتحريض أحدهما على الآخر في محاولةٍ لتمزيقه.

يختتم ديفيس مقاله بالقول إن القتال الحقيقي لم يبدأ بعد. يصور أغلب المسؤولين الأمريكيين والعراقيين نتيجة المعركة على أنها معطى ويعبرون عن قلقهم لما يليها. تلك المخاوف لما بعد المعركة لها أساسها، لكن افتراضات النجاح التكتيكي لا تزال غير ناضجة. من الأفضل لواشنطن وبغداد، يرى ديفيس، أن يضعا خطط طوارئ جدية في حال ما إذا تعثر القتال أو بدأ التحالف في التشقق، حيث إن تعليق جميع الآمال على أفضل السيناريوهات لا يبدو أنه أفضل مسار.

اقرأ/ي أيضًا:

معركة الموصل..اليوم الأول في معركة طويلة

كيف تم حظر الخمر في العراق؟