09-فبراير-2023
ناجون من الزلزال في ملاطية بتركيا

ناجون من الزلزال في ملاطية بتركيا

تضع الكارثة الطبيعية كل مشاكل المجتمع الإنساني جانبًا، وتخلق تحديات أخلاقية جديدة لكونها لا ترتبط بفاعلين من البشر، فلا وجود في زمن الزلزال الذي نعيشه الآن لموالاة ومعارضة، أو لمواطنين ولاجئين، أو لشرقيين وغربيين.. كل ما في المشهد هو ضحايا يُمثّلها ألمها.

لكنّ هذا المشهد سرعان ما يتغيّر، إذ يتقدم أولًا أولئك الذين يتفاجؤون بأن في عالمنا ألمًا وتعاسة، مع أنه بوسع أي أحد أن يضع يده على أي مكان في خريطة العالم ليجد مأساة في انتظاره. سيتحدث هؤلاء بشكل رخيص عن التضامن مع الضحايا، ضحايا اليوم، لأنهم سينسون ضحايا الأمس. وستخرج الحماقات متنوعة الأشكال والألوان، فيشارك أحدهم قصيدة لمحمود درويش، وعلينا أن نغض النظر عن كونها قصيدة حول الحرب، فالمسكين لم يجد قصائد مكتوبة عن الزلازل.

عالمنا مملوء بالمصائب والكُروب. لا حاجة إلى زلزال أو بركان أو إعصار، إلى حرب أو مجزرة.. كي تثبت لنا إنسانيتنا، التي يفترض أنها تحقق نفسها من خلال الشعور بألم الآخرين، وتتطور من التعاطف معهم إلى الوقوف إلى جانبهم ضد المحنة

ثم يتكاثر ثانيًا من يجدون في المشهد فرصة لجمع الإعجابات والمشاهدات في صفحاتهم، إذ تراهم يلعبون دور النشطاء الإنسانيين. لا نقول إنه لا يحق لهم ذلك. لكن الفكرة أننا لا نحتاج إلى النشاط الإنساني المقتصر على الترند، لأن ذلك يعني أن الضحية التي لا تستحق الشهرة الإعلامية لا تستحق أن نتحدث عنها.

يقول هذا إن الضحية التي يكون أمامها نضال شاق وعسير لن تلقى سوى الإهمال، فليس بوسع الترنديين الانتظار والصبر، وهكذا سيُهجرونها مثلما هُجرت الضحية الإيرانية مثلًا، مع أن المنصات امتلأت بها قبل مدة قصيرة، لكنها عادت لتكون ما كانته دومًا؛ نسيًا منسيًا.

لطالما مثّل التضامن شكلًا من أشكال تخفيف المأساة، إلى أن صار في وقتنا شكلًا من أشكال المأساة نفسها، وبهذا يأتي من يكمل تدمير ما لم يدمره الموت بتضامن غير صادق، قائم على نوازع شخصية في الظهور. وعلى هذا النحو، فإن التضامن بدلًا من أن يكون مدخلًا للخروج من المأساة والمساعدة والدعم يتحول إلى شكل آخر للكارثة.

عالمنا مملوء بالمصائب والكُروب. لا حاجة إلى زلزال أو بركان أو إعصار، إلى حرب أو مجزرة.. كي تثبت لنا إنسانيتنا، التي يفترض أنها تحقق نفسها من خلال الشعور بألم الآخرين، وتتطور من التعاطف معهم إلى الوقوف إلى جانبهم ضد المحنة. لكن من يريد تضامنًا على مقاسه، أي يساعده على إرضاء نرجسيته، ولا يتجاوز مستوى تسجيل المواقف، فليس تضامنه غير انتهاك.

الأسوأ من هذه الاستعمالات الشخصية الرخيصة هو المثال الكلاسيكي للتضامن الزائف، أي ذلك الذي تقوده دول أو منظمات دولية، أو أحزاب وجمعيات محلية، فخلال الحملات الإعلامية التي تجمع الأموال لضحايا الكارثة يتم التركيز على مقدار الحاجة لإغاثة الذين يعانون، لكننا لا نعرف من هم الضحايا، أهم من السكان الأصليين الذين عانوا قبل وقوع الكارثة من التهميش والإقصاء؟ أم من اللاجئين الذين نزحوا من منازلهم بسبب النزاعات أصلًا، وعانوا العنصرية طويلًا؟

ينبغي على التضامن في هذه الحالات أن يكون فعلًا مستمرًا لمساعدة الباقين على قيد الحياة من العيش في شروط أفضل مما ساد قبل وقوع الكارثة، إنسانيًا وسياسيًا، لأن اقتصار  التضامن على المساعدات، الغذائية والطبية، من دون إرفاق ذلك بعملية تعريف بمن هم هؤلاء الذين فقدوا كل شيء من شأنه أن يتسبب بالمزيد من الألم والمعاناة لاحقًا، فهؤلاء الذين كانوا مهمشين في بيوت وتحت سقوف، سيغدون مهمشين ومشردين في مصير تراجيدي جديد.

من صور العالقين تحت الأنقاض، إلى نداءات ذويهم التي يتردد صداها عويلًا في قلوبنا، بات واضحًا لنا أننا لن نصل إلى عالم أفضل معًا ما دام التضامن في حدود الإسعاف لا العلاج

هذه التضامنات تؤذي مجتمع الضحايا، كونها تخلق مساحة جديدة للطاقة الإنسانية وللموارد المهدورة معًا. لهذا فالأمل في أن يكون التضامن عملية مستمرة وقوية بما يكفي لإنهاء، أو تقليص، الإقصاء الاجتماعي الذي هو نتيجة للعنصرية والفقر. على جهود الإغاثة أن تنصب، إلى جانب تأمين الحاجات، على معالجة الجذور المجتمعية لهذه المشاكل المركّبة، منها مشكلة السوريين المهددين بالترحيل من تركيا.

نستنكر كل محاولات الاستفادة من بؤس الآخرين والاستثمار في الضحايا والمصائب الكبرى. ونستنكر تحويل التضامن إلى لعب مزيف على القيم والأخلاق، لأنه يجب أن يقوم على شجاعة أخلاقية لا تقبل بأن تكون مجرد حالة موسمية. فالتضامن دفاع عن إنسانيتنا وليس حدثًا عابرًا أو استثنائيًا، ليكون مقدمة لوضع معيار في تمثيل الضحية، عبر خلق رابطة عاطفية وفكرية بين الأفراد الذين يتشاركون ما هو أكثر من الانتماء العرقية والهوياتية. فإما أن يكون حركة اجتماعية أو لا يكون.

من صور العالقين تحت الأنقاض، إلى نداءات ذويهم التي يتردد صداها عويلًا في قلوبنا، بات واضحًا لنا أننا لن نصل إلى عالم أفضل معًا ما دام التضامن في حدود الإسعاف لا العلاج.