هل يكتب محمد صلاح نسخة جديدة من قصة مارادونا؟
9 أغسطس 2026
الخامس من تموز/يوليو عام 1984 لم يكن يومًا عابرًا في تاريخ مدينة نابولي؛ الجميع نزل إلى الشوارع وامتلأ ملعب سان باولو بالجماهير لاستقبال صفقة نادرة لناديهم في ذلك الوقت: دييجو أرماندو مارادونا.
صاحب الـ23 عامًا، نجم الأرجنتين وبرشلونة الذي اختار مشروع نابولي بدلًا من الانتقال إلى أحد أندية القوى التقليدية في إيطاليا مثل يوفنتوس وإنتر وميلان.
امتلأت مدرجات الملعب، الذي حمل اسم مارادونا لاحقًا، بالجماهير وصور النجم الأرجنتيني وظهرت صوره كذلك في شوارع المدينة.
ولم يكن لشغف الجماهير بالوافد الجديد حدود؛ حتى خلال المؤتمر الصحفي كانت هناك فتحة في سقف القاعة تفصلها قضبان حديدية عن المدرجات وكانت الجماهير تهتف لمارادونا من خلالها بينما كان هو ينظر إليها.
لا تبدو القصة وكأن صلاح يحاول أن يكون "مارادونا جديدًا" بل يحاول أن يصنع في وقت أقصر أثرًا يشبه الأثر الذي تركه مارادونا في نابولي
كأن المشهد يقول إن شيئًا استثنائيًا بدأ في نابولي.. لكن السؤال حينها كان: لماذا نابولي؟
كان نابولي ناديًا جماهيريًا وتاريخيًا لكنه لم يكن وقتها من القوى المسيطرة على الكرة الإيطالية.
ومع ذلك قرر نابولي أن يضع رهانًا ضخمًا على مارادونا؛ فقد كانت الصفقة بقيمتها التي بلغت نحو 13.5 مليار ليرة إيطالية (5 ملايين جنيه إسترليني) قياسية عالميًا في ذلك الوقت.
لذلك لم يكن استقبال عشرات الآلاف لمارادونا مجرد احتفال بصفقة كبيرة بل كانت جماهير مدينة تعشق كرة القدم وتنتظر فارسها.. فارسًا يحمل السيف في مواجهة القوى التقليدية في الشمال.
مارادونا استمر مع نابولي حتى غادر النادي رسميًا عام 1991 لكن المدينة لم تتعامل معه كلاعب غادر وانتهى الأمر بل احتفظت به في ذاكرتها وفي شوارعها وفي تاريخ ناديها.
مارادونا لم ينتقل إلى نابولي ليضيف ناديًا كبيرًا إلى مسيرته فجعل نابولي جزءًا من أسطورته وجعل نابولي نفسه جزءًا من تاريخ كرة القدم العالمية.
وبرهن على ذلك خلال 259 مباراة، 115 هدفًا و76 تمريرة حاسمة قاد الفريق لتحقيق لقبين للدوري الإيطالي ولقب من كأس إيطاليا وآخر لكأس السوبر الإيطالي ومثله من كأس الاتحاد الأوروبي.
وفي 2026، لم يكن الخامس من آب/أغسطس يومًا عاديًا لمدينة طرابزون التركية التي تقع بعيدًا عن إسطنبول، معقل القوى التقليدية في الكرة التركية: بشكتاش وفنربخشة وغلطة سراي.
ومثلما اختار مارادونا نابولي بعيدًا عن مركز القوة في إيطاليا اختار محمد صلاح طريقًا مختلفًا بانضمامه إلى طرابزون .. لكن طرابزون 2026 ليس نابولي 1984.
نابولي كان قد أنهى الموسم السابق للصفقة في المركز الثاني عشر ويصارع من أجل البقاء، بينما أنهى طرابزون الموسم الماضي في المركز الثالث.
صلاح إذًا لا يبدأ من النقطة نفسها التي بدأ منها مارادونا، لكنه أيضًا لا ينضم إلى النادي الأقوى في بلاده ولا إلى مشروع اعتاد التتويج عامًا بعد آخر. هو يختار ناديًا جماهيريًا وتاريخيًا لكنه يريد أن ينافس من خارج مركز القوة التقليدي في تركيا.
وحتى ماليًا هناك تشابه في حجم الرهان وإن اختلفت الطريقة؛ مارادونا جاء إلى نابولي في صفقة قياسية عالميًا.أما صلاح فوصل إلى طرابزون دون مقابل انتقال بعد نهاية عقده مع ليفربول، لكن النادي وضعه على رأس مشروع مالي ضخم؛ إذ سيحصل على 17 مليون يورو سنويًا، إلى جانب مزايا ومكافآت أخرى.
مارادونا وصل إلى نابولي في عامه الـ23، بينما يصل صلاح إلى طرابزون في الـ 34 لذا كان النجم الأرجنتيني أمامه الجزء الأكبر من مسيرته ليبني مشروعًا ويصنع حقبة. أما صلاح فيدخل هذه التجربة بعدما صنع بالفعل واحدة من أعظم مسيرات اللاعبين العرب والأفارقة وبعد تسع سنوات تاريخية مع ليفربول.
ولهذا لا تبدو القصة وكأن صلاح يحاول أن يكون "مارادونا جديدًا" بل يحاول أن يصنع في وقت أقصر أثرًا يشبه الأثر الذي تركه مارادونا في نابولي.
والاستقبال حتى الآن يحمل شيئًا من تلك القصة؛ فاحتشدت الجماهير أمام مطار أتاتورك في إسطنبول قبل أن يتجه صلاح إلى طرابزون، حيث كان نحو 25 ألف مشجع في انتظاره في مشهد فاجأ اللاعب نفسه ودفعه للقول إنه لم يسبق له أن عاش أجواء بهذا الشكل.
وفي اليوم التالي امتلأت المدرجات في ملعب بابارا بارك بصور صلاح، وانتشرت صوره في شوارع المدينة والسيارات.
لكن ربما كانت الرسالة الأوضح في طريقة تقديمه؛ فظهر صلاح بالقميص رقم 61 الرقم المرتبط بمدينة طرابزون واحتفل مع الجماهير برقصة الثلاثية الشهيرة.وكأن المدينة تقول له منذ اللحظة الأولى: أنت لم تأتِ هنا لتكون مجرد لاعب لكن لتبني المجد لنا!
مارادونا لم يصبح أسطورة نابولي بسبب الاستقبال الذي حصل عليه في سان باولو؛ فالاستقبال كان بداية القصة أما القصة الحقيقية فكتبت على أرض الملعب. ولهذا لن تُحسم مقارنة صلاح بمارادونا في المطار، ولا في مدرجات الملعب، ولا في صور الشوارع بل ستُحسم بما سيحدث بعدها.
وصلاح أمام فرصة مشابهة لكن في زمن مختلف وظروف مختلفة؛ فلن يملك السنوات السبع التي قضاها مارادونا في نابولي ولا يحتاج بالضرورة إلى ذلك. فالمطلوب ليس أن يكون "مارادونا جديدًا"، وإنما أن يترك في طرابزون أثرًا يجعل النادي مختلفًا عما كان عليه قبل وصوله.
مارادونا جعل نابولي يؤمن بأنه يستطيع منافسة القوى التقليدية في إيطاليا، فهل يستطيع صلاح أن يجعل طرابزون يؤمن بأنه قادر على منافسة قوى إسطنبول؟
ربما لن تكون قصة صلاح نسخة من قصة مارادونا، وربما لا يكون طرابزون نابولي جديدًا، لكن إذا قاد النادي إلى بطولة ومنحه حضورًا أوروبيًا أكبر، وترك اسمه مرتبطًا بأحد أهم فصول تاريخه، فلن نحتاج إلى القول إنه حاول أن يكون مارادونا، بل سنقول إن محمد صلاح كتب قصته الخاصة في طرابزون.










