هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل صناعة الموسيقى؟
2 سبتمبر 2025
في زمنٍ كانت فيه الآلات الموسيقية هي المدخل الوحيد لعالم الألحان، يظهر أوليفر ماكان، المصمم البصري البريطاني الذي لا يجيد العزف أو الغناء، ليقلب المعادلة رأسًا على عقب. تحت اسم فني هو "imoliver"، لا يحتاج ماكان سوى إلى تشغيل روبوت دردشة ليبدأ في صناعة موسيقاه. أغانيه تتنوع بين الإندي بوب والإلكترو سول والكانتري راب، لكنها تشترك في سمة واحدة: كلها من إنتاج ذكاء اصطناعي.
ووفقًا لوكالة "أسوشيتد برس"، فإن ماكان البالغ من العمر 37 عامًا، وقّع مؤخرًا عقدًا مع شركة Hallwood Media المستقلة بعد أن حصد أحد أعماله أكثر من 3 ملايين استماع، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها لتوقيع شركة إنتاج مع منشئ موسيقى اصطناعية. هذه اللحظة لم تكن مجرد إنجاز فردي، بل فتحت الباب أمام نقاش عالمي حول مستقبل الموسيقى في عصر الذكاء الاصطناعي.
من الهواية إلى الاحتراف: موجة جديدة من المبدعين
ماكان ليس حالة فريدة. أدوات مثل Suno وUdio، المستوحاة من نماذج ChatGPT، أطلقت موجة من الموسيقى الاصطناعية، أبرزها فرقة وهمية تُدعى Velvet Sundown، التي انتشرت بشكل واسع رغم أن كل أغانيها وكلماتها وصورها صُنعت بواسطة الذكاء الاصطناعي.
بينما تتسارع وتيرة "أتمتة الموسيقى" يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في الإبداع أم خصمًا له؟
هذه الظاهرة أثارت جدلاً واسعًا حول ما يُعرف بـ"الرداءة الاصطناعية"، أي المحتوى الموسيقي منخفض الجودة الناتج عن الأتمتة، لكنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام ديمقراطية الإنتاج الموسيقي، حيث بات بإمكان أي شخص أن يصنع أغنية بضغطة زر.
مخاوف متصاعدة
رغم الضجة، لا تزال البيانات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق الموسيقى العالمي شحيحة، حيث تبلغ قيمة السوق نحو 29.6 مليار دولار، منها 20 مليار من البث الرقمي. منصة Deezer قدّرت أن 18% من الأغاني المرفوعة يوميًا هي من إنتاج الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي الاستماعات، ما يشير إلى أن الجمهور لا يزال مترددًا في تبني هذا النوع من الموسيقى.
في المقابل، تلتزم منصات كبرى مثل Spotify الصمت حيال هذه الأرقام، بينما ترفض شركات مثل Udio وSuno الإفصاح عن عدد مستخدميها أو الأغاني التي أنتجتها. ومع ذلك، يرى خبراء مثل جوش أنتونوتشيو، مدير كلية الفنون الإعلامية في جامعة أوهايو، أن ما يحدث هو "تسونامي" من الإنتاج الاصطناعي، وأن الجيل الجديد سيعتاد على هذه الأدوات كما اعتاد من قبل على الأوتوتيون والآلات الإيقاعية الرقمية.
صراع قانوني وأخلاقي: من يملك الإبداع؟
لكن هذه الطفرة لم تمر دون مقاومة. ثلاث من أكبر شركات الإنتاج " Sony وUniversal وWarner"، رفعت دعاوى قضائية ضد Suno وUdio بتهمة انتهاك حقوق النشر، وسط مفاوضات قد تؤدي إلى وضع قواعد جديدة لدفع مستحقات الفنانين عند استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة مزج أعمالهم.
وفي ألمانيا، رفعت GEMA دعوى ضد Suno بسبب إنتاج موسيقى مشابهة لأغاني شهيرة مثل "Mambo No. 5" و"Forever Young"، أما في بريطانيا، أطلق أكثر من ألف موسيقي، بينهم كيت بوش وآني لينوكس، ألبومًا صامتًا احتجاجًا على تغييرات قانونية مقترحة قد تقوض سيطرتهم الإبداعية. في المقابل، رحب فنانون مثل will.i.am وتيمبالاند بالتكنولوجيا الجديدة، معتبرين إياها امتدادًا طبيعيًا لأدوات الإنتاج الحديثة.
من غرفة النوم إلى قوائم الأغاني: حلم الوصول للجميع
بالنسبة لمبدعين مثل سكوت سميث، الضابط السابق في البحرية الأميركية، فإن الذكاء الاصطناعي ليس تهديدًا بل فرصة. فرقة Pulse Empire التي أسسها مستوحاة من فرق الثمانينات مثل New Order وDepeche Mode، ويقول إن أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح له إنتاج موسيقى رغم عدم إتقانه لأي آلة. سميث يقضي ساعات في تعديل الأغاني حتى تتوافق مع رؤيته، بينما يكتب كلماتها في دقائق.
أما لوكاس رامس، الذي أسس فرقة Sleeping With Wolves، فيرى أن الذكاء الاصطناعي يساعده على تجاوز ضغوط الحياة اليومية، رغم أنه يفضل كتابة الكلمات بنفسه لأن "كلمات الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تكون مبتذلة ومكررة". رامس، الذي كان يعزف الطبول في شبابه، أنشأ ثلاثة ألبومات باستخدام الذكاء الاصطناعي، ويخطط لنشرها على منصات التواصل.
نحو مستقبل غير واضح المعالم
يرى أنتونوتشيو، مدير كلية الفنون الإعلامية في جامعة أوهايو، أن الذكاء الاصطناعي قد يغير قواعد اللعبة بالكامل، مشيرًا إلى أن تكلفة إنتاج أغنية ناجحة كانت تتطلب استوديوهات ضخمة، ثم انتقلت إلى أجهزة الكمبيوتر المحمولة، والآن إلى مجرد نص مكتوب. لكنه يحذر من أن الصناعة لا تزال في مرحلة "الغرب المتوحش"، بسبب غياب الوضوح القانوني حول حقوق النشر، تمامًا كما حدث مع مواقع مشاركة الملفات مثل Napster في مطلع الألفية.
ويأمل مبتكرو الموسيقى الاصطناعية أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من التيار السائد. يقول ماكان: "نحن ندخل عالمًا يمكن فيه لأي شخص، في أي مكان، أن يصنع الأغنية التالية التي تتصدر القوائم". وبينما تتسارع وتيرة التغيير، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في الإبداع أم خصمًا له؟