هل يضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على التفكير؟
30 ديسمبر 2025
مع الانتشار المتسارع لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعلى رأسها روبوتات الدردشة مثل "تشات جي بي تي"، يتصاعد الجدل الأكاديمي والتربوي حول تأثير هذه التقنيات على مهارات التفكير البشري، خصوصًا التفكير النقدي وحل المشكلات.
فبينما يرى البعض أنها أدوات مساعدة تعزز التعلم والإنتاجية، يحذر آخرون من مخاطر الاعتماد المفرط عليها، وما قد يترتب عليه من تراجع في القدرات الذهنية الأساسية.
مخاوف علمية من تراجع النشاط العقلي
وحسبما نقلت شبكة "بي بي سي"، صدرت دراسة حديثة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أعادت فتح هذا النقاش بقوة، بعدما أظهرت أن الأشخاص الذين استخدموا "تشات جي بي تي" لكتابة مقالات أكاديمية سجلوا نشاطًا أقل في الشبكات الدماغية المرتبطة بالمعالجة المعرفية، مقارنة بمن أنجزوا المهمة دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
بينما يرى البعض أن أدوات الذكاء الاصطناعي يعزز التعلم والإنتاجية، يحذر آخرون من مخاطر الاعتماد المفرط عليها، وما قد يترتب عليه من تراجع في القدرات الذهنية الأساسية
كما بيّنت الدراسة أن هؤلاء المشاركين واجهوا صعوبة أكبر في تذكر أو اقتباس ما كتبوه بأنفسهم، ما دفع الباحثين إلى التحذير من "إمكانية تراجع مهارات التعلم" على المدى الطويل.
وشملت الدراسة 54 مشاركًا من طلاب MIT وجامعات مجاورة، تم قياس نشاطهم الدماغي باستخدام تقنية تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، أثناء تنفيذ مهام شملت تلخيص أسئلة المقالات، البحث عن مصادر، تحسين الأسلوب اللغوي، وحتى توليد الأفكار وصياغتها، وهي مهام بات كثيرون يعتمدون فيها على الذكاء الاصطناعي.
الاعتماد الزائد يقلل التفكير النقدي
وفي سياق متصل، كشفت دراسة مشتركة بين جامعة كارنيغي ميلون وشركة مايكروسوفت، التي تشغل أداة "كوبايلوت"، أن الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل قد يؤدي إلى تراجع مهارات حل المشكلات.
الدراسة استندت إلى استطلاع شمل 319 موظفًا من العاملين في المهن المكتبية، يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا. وأظهرت النتائج أن الثقة العالية في قدرة الأداة على إنجاز المهمة ارتبطت بانخفاض مستوى الجهد المبذول في التفكير النقدي.
وأشار الباحثون إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على رفع كفاءة العمل، قد يثبط التفاعل الذهني العميق، ويؤدي على المدى البعيد إلى اعتماد مفرط يضعف مهارات التفكير المستقل.
طلاب المدارس بين الفائدة والضرر
القلق لم يقتصر على البالغين أو الموظفين، بل امتد إلى طلاب المدارس. إذ أظهر استطلاع أجرته مطبعة جامعة أكسفورد (OUP) في تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن ستة من كل عشرة طلاب في المملكة المتحدة يرون أن الذكاء الاصطناعي أثر سلبًا على مهاراتهم الدراسية.
لكن الصورة، بحسب خبراء، ليست قاتمة بالكامل. فالدكتورة ألكسندرا توميسكو، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي التوليدي لدى OUP، أوضحت أن 90% من الطلاب المشاركين قالوا إن الذكاء الاصطناعي ساعدهم على تطوير مهارة واحدة على الأقل، سواء في حل المشكلات أو الإبداع أو المراجعة الدراسية.
وفي المقابل، أقر نحو ربع الطلاب بأن استخدام هذه الأدوات جعل إنجاز الواجبات "سهلًا أكثر من اللازم"، ما يعكس صورة معقدة ومتوازنة تتطلب توجيهًا أفضل لكيفية الاستخدام.
جدل أكاديمي مستمر
ورغم مبادرات بعض الشركات، مثل نشر "تشات جي بي تي" قائمة تضم 100 نموذج من الأوامر (Prompts) المخصصة للطلاب، يرى أكاديميون أن هذه الخطوات غير كافية.
البروفيسور واين هولمز، الباحث في دراسات الذكاء الاصطناعي والتعليم بجامعة كوليدج لندن (UCL)، يؤكد أن الأبحاث المستقلة حول تأثير هذه الأدوات على التعليم لا تزال محدودة. ويشير إلى غياب أدلة واسعة النطاق تثبت فعاليتها أو سلامتها، أو حتى تأثيرها الإيجابي المؤكد على التعلم.
نتائج أفضل.. وتعلم أضعف
يحذر هولمز من ظاهرة "الضمور المعرفي"، حيث تتراجع مهارات الإنسان نتيجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، مستشهدًا بتجارب سابقة في القطاع الطبي، لا سيما بين أطباء الأشعة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأشعة.
دراسة نشرتها كلية الطب بجامعة هارفارد أظهرت أن الذكاء الاصطناعي حسّن أداء بعض الأطباء، لكنه أضر بآخرين لأسباب لم تُفهم بالكامل بعد، ما دفع الباحثين للمطالبة بمزيد من الدراسات حول كيفية تفاعل البشر مع هذه التقنيات.
ويخشى هولمز من أن يحصل الطلاب على درجات أفضل في مقالاتهم بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لكن على حساب الفهم الحقيقي للمادة العلمية، قائلًا: "المخرجات قد تكون أفضل، لكن التعلم نفسه يصبح أسوأ".
موقف شركات التكنولوجيا
من جانبها، تؤكد شركة "أوبن إيه آي" المالكة لـ"تشات جي بي تي" أنها تدرك حساسية هذا الجدل. وتقول جاينا ديفاني، المسؤولة عن التعليم الدولي في الشركة، إن الهدف ليس أن يستخدم الطلاب الأداة كبديل عن التفكير، بل كمدرس أو موجّه يساعدهم على الفهم.
وترى ديفاني أن استخدام الذكاء الاصطناعي في "وضع الدراسة" يمكن أن يساهم في تفكيك الأسئلة المعقدة وشرحها، خاصة في أوقات يصعب فيها الوصول إلى المدرسين، مؤكدة أن الاستخدام الموجه قد يسرّع عملية التعلم بدل أن يعيقها.
ويجمع الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد نسخة متطورة من الآلة الحاسبة، بل تقنية ذات تأثيرات أوسع وأكثر عمقًا. ويشدد البروفيسور هولمز على ضرورة أن يفهم الطلاب كيفية عمل هذه الأدوات، وطبيعة استدلالها، وكيفية تعامل الشركات مع البيانات، مع التأكيد على أهمية التحقق من النتائج وعدم قبولها بشكل أعمى.









