هل يصلح خالد علي رئيسًا للجمهورية؟

هل يصلح خالد علي رئيسًا للجمهورية؟

يمثل ترشح خالد علي إزعاجًا للنظام المصري (محمد الراعي/ الأناضول)

كتب الصديق محمد العتر مقالًا بعنوان: "لماذا لا أدعم ترشح خالد علي وأجده مثيرًا للسخرية؟"، ينتقد فيه ترشح خالد علي وحملته الانتخابية، وبعض الممارسات الساذجة للحملة، أو تلك التي تفتقر إلى التنظيم والجدية الكافية، أو خطاب احتكار الثورية و"الطفح المشاعري"، وفنّد بعض النقاط الأخرى التي تدعم وجهة نظره في رفض خالد علي، والتي للأمانة بها كثير من الصواب لا يمكن نكرانه، ولكنها في رأيي غير كافية لكي ندير ظهورنا بالكامل لخالد علي.

في السياسة تتغير قرارات الأشخاص طبقًا لطبيعة المعطيات في كل مرحلة، فما كان مستحيلًا بالأمس، قد يكون ممكنًا اليوم

من مقاطعة الانتخابات إلى دعم خالد علي

في السياسة، تتغير قرارات الأشخاص طبقًا لطبيعة معطيات كل مرحلة، فما كان مستحيلًا بالأمس أصبح ممكنًا اليوم، وانطلاقًا من هذه القاعدة كان تغيير قراري بدعم خالد علي بدلًا من مقاطعة الانتخابات التي بالمناسبة أراها هزلية وتفتقد لكل ضمانات النزاهة والشفافية، وأؤمن باستحالة نجاح خالد علي فيها، أو وصوله لمرحلة الإعادة، إذن ما الدافع أو الفائدة من دعم مرشح خاسر؟ هذا هو السؤال.

اقرأ/ي أيضًا: بعد الحكم ضد خالد علي.. التنكيل والمكايدة في القمع عند نظام السيسي

كنت مع خيار المقاطعة، ليس من دافع نزع الشرعية عن الانتخابات، فالنظام حقًا في غير حاجة للشرعية، وهذه نقطة فرعية سنتطرق لها لاحقًا، إنما من دافع الشعور بانعدام جدوى الترشح والدخول في معركة وهمية لا منفعة من ورائها، مجرد إلهاء لجموع الشباب الحالم الآمل في بوادر التغيير. وازدادت قناعاتي بخيار المقاطعة بعد إعلان الهيئة الوطنية للانتخابات الجدول الزمني المضغوط لتعجيز المرشحين من استيفاء شروط الترشح، ناهيك عن الممارسات القمعية ضد من أعلنوا نيتهم للترشح كالعقيد أحمد قنصوة والفريق أحمد شفيق، فضلًا عن تشريعات مجلس النواب التي تصب في صالح تثبيت أقدام النظام الحالي. 

وفي لحظة قد تكون عاطفية، تغيرت قناعاتي بضرورة الصدام مع النظام الحالي في سباق الانتخابات القادمة، لأنني ببساطة رأيت شباب كُثر مازال لديهم الحماسة للعمل في حملة لمرشح رئاسي يُذكّرهم بالثورة وأهدافها، برغم المناخ القمعي المشع بالسواد والاكتئاب واليأس، ورغم سنوات الفشل ومعارك الهزيمة. 

قد أكون فقدت الأمل منذ وقت طويل، ولكني رأيت شبابًا يذكرونني بمشاعر ثورية قد دفنتها، فلا عيب من دعم مرشح رئاسي ينتمي للشباب لخوض المعركة لنيل فتات الحقوق، فللمرة الأولى منذ أحداث 30 حزيران/يونيو 2013 –إذا ما استثنينا تظاهرات تيران وصنافير- أرى حراكًا سياسيًا على أرض الواقع دون أن يخشى الشباب من خطر الحبس والاعتقال، لأن الحراك هذه المرة بإذن النظام وتحت عينه. ربما لا يريده، لكنه لا يملك القدرة على منعه بالكلية، ففي النهاية لابد من إتمام الانتخابات، وها هي فرصة للعمل السياسي في إطار الدول الحديثة، وبشكل شرعي وسلمي، فهذا الحراك ضروري من أجل الضغط على النظام وفضحه وتكديره، وضروري أيضًا لبث بعض الشجاعة والأمل في نفوس الشباب وإيمانهم بقدرتهم على الحشد والتأثير مرة أخرى.

ليست انتخابات رئاسية.. اسمها "مرازية"

اسمها "مرازية"، هكذا كتب أحد الأصدقاء من الناشطين السياسيين والداعمين لخالد علي، في وصف الانتخابات الرئاسية القادمة، وقد وافقته الرأي، ووجدت في لفظ "مرازية" خير وصف للصراع الدائر. والمرازية لفظ مصري دارج للتعبير عن الرغبة في مضايقة وإزعاج طرف ما، فأغلب الداعمين لخالد علي وربما خالد علي نفسه، لا يطمحون لأكثر من "مرازية" النظام وإزعاجه.

وبعد سنوات طوال من وأد النظام الحالي لثورة 25 يناير، وأي رمز أو محرك لها، أو متكلم بشعاراتها، ويأتي مرشح رئاسي ينادي بكل وضوح بما نادت به الثورة، مُعلنًا أنها لم تنتهي بعد، ومعاديًا للحكم العسكري بكل وضوح وبدون تجميل للخطابات؛ فإن فكرة نجاح هذا الشخص في جمع 25 ألف توكيل في تلك الفترة التعجيزية، فكرة جديرة بالاحترام والدعم، وليقرر بعدها ما يريد، فليكمل ترشحه أو ينسحب حسبما يرى، ولكن النجاح في جمع التوكيلات أمر ضروري، كما أننا لن نجد من "يرازي" النظام الحالي خير من خالد علي، فبالفعل له تاريخ في "مرازية" النظام في السنوات الأربع السابقة، وبرزت تلك المرازية جلية عندما نجح في الوصول لحكم إداري بمصرية جزيرتي تيران وصنافير.

عن حملة خالد علي واحتكار الثورية والفشل الذريع

اعترض البعض على حملة خالد علي وممارساتها من احتكار الثورية تارة، والمزايدة على المقاطعين للانتخابات، أو اللهجة العنترية المتعالية الآمرة بتحرير التوكيلات، أو سوء التسويق للمرشح الرئاسي وسوء التنظيم والعشوائية الشديدة. وكل تلك الاعتراضات صائبة وفي محلها، ولكن لماذا؟

لأن التيار المدني ارتكب أخطاء فادحة تتسم بالأنانية والغباء الشديدين خلال السنوات الماضية، فلم ينجح التيار المدني في تشكيل جبهة معارضة قوية موحّدة، والوصول إلى مرشح توافقي مدعوم من كافة التيارات، ولا داعِ للإسهاب في تلك النقطة. فضلًا عن غلق المجال العام وحملات الاعتقال الواسعة من فترة لأخرى وعدم سماح النظام لأي حراك سياسي فعليّ في التحرك على أرض الواقع.

تعمل حملة خالد علي في ظل تضييقات أمنية عدة، وخطابات كراهية ودعايا سلبية من إعلام النظام، وتعنت إداري في تحرير التوكيلات 

يمكن تحميل خالد علي مسؤولية عدم تسويقه لنفسه خلال السنوات الماضية كمرشح محتمل، أو تشكيل حملة دعائية منظمة خلال تلك الفترة حتى لا يصاب بهذا الارتباك، لكن من الخطأ تحميل خالد علي وحملته أخطاء التيار المدني ككل وتعنت النظام، وهذه نقطة.

اقرأ/ي أيضًا: شهادات شخصية: شراء توكيلات لدعم السيسي وتعنت إداري ضد خالد علي

النقطة الأخرى، أنه لا توجد حملة رسمية لترشح خالد علي، قد تبدو الجملة غريبة ولكنها الحقيقة، فخالد علي يعتمد بشكل أساسي على المتطوعين من الشباب، فالحملة لا تملك أموالاً طائلة لتنفيذ حملة دعائية كبيرة ومنظمة، ولكن مجرد مقر صغير بوسط القاهرة مفتوح لكل من يجد في نفسه القدرة على المساعدة، ومن هنا بدأت المشكلة حيث كل من زار المقر بضع ساعات، ظن في نفسه متحدثًا باسم الحملة، وبدأ في إطلاق التصريحات التي يحسبها البعض كتصريحات رسمية، أو عن متحدث عن حملة خالد علي، غير أنها لا تتعدى كونها كلمات لا تأثير لها من متطوع حالم. 

كما تعمل حملة خالد علي في ظل تضييقات أمنية عدة، وخطابات كراهية ودعايا سلبية من إعلام النظام، ولا توجد منصات صحفية أو إعلامية تغطّي فعاليات الحملة بشكل موضوعي أو تساهم في تسويقها إعلاميًا. ونلاحظ تعنت إداري ملحوظ في مكاتب الشهر العقاري في تحرير توكيلات التأييد، في الوقت الذي نجد فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي جمع أكثر من 500 توكيل من أعضاء برلمانيين رغم كونه لا يحتاج أكثر من 20 توكيل من أعضاء البرلمان كي يضمن ترشحه، ورغم ذلك يتم إجبار موظفي الجهاز الإداري للدولة، على تحرير توكيلات للرئيس السيسي، وشحن المواطنين في سيارات لمكاتب الشهر العقاري وشراء توكيلاتهم بعشرات الجنيهات، كل تلك الظروف تشكل عوائق في طريق المرشح الرئاسي المحتمل، كي يصبح مرشحًا أكيدًا، وكل تلك الظروف تجعلني داعمًا لحقه في الوصول كي يكون "مرشحًا" وحينها نتناقش مرة أخرى في القرار الأصوب.

نكتة: "النظام يبحث عن شرعية"!

اعترض البعض الآخر على ترشح خالد علي لأنه يشرعن وجود النظام، وأن الانتخابات القادمة "مسرحية" لا تختلف عن انتخابات 2014 التي عارضها، فكيف يكون شريكًا في مسرحية هزلية؟

لا تتبدى أي وجاهة في مثل تلك الاعتراضات، فالظرف السياسي الآني يختلف تمامًا عن الظرف السابق، ولن نكرر الحديث عن معطيات كل فترة ومرونة تغيير القرارات، فنحن بصدد خوض ألاعيب سياسية لا تعترف إلا بالمصالح والتحالفات، ولسنا في مدينة أفلاطونية، فبعد أحداث 30 حزيران/ يونيو 2013، كان النظام في حاجة لشرعنة وجوده حقًا، ولذلك حاول استقطاب رموز التيار المدني ووضعهم في الصورة لتجميل المشهد أمام المجتمع الدولي. 

أما الوضع الآن فمختلف تمامًا بعد أن سيطر النظام على مقاليد الأمور بالحديد والنار وقمع المعارضين وغلق المجال العام والتضييق على مؤسسات المجتمع المدني وملاحقة الصحفيين وأصحاب الرأي، وشراء ذمم الدول المؤثرة في المنطقة، وعقد التحالفات معها من خلال مشاريع روسية وصفقات سلاح فرنسية وموالاة أمريكية، وانسحاق أمام سياسات السعودية، وسعي حثيث "للسلام" الدافئ مع إسرائيل؛ فلا مجال إذن هنا للحديث عن محاولة شرعنة الانتخابات، وبكل بساطة إن لم يترشح خالد علي سيجد النظام أي مرشح سهل الهزيمة يخوض السباق الرئاسي (مرتضى منصور مثالًا).

هل يصلح خالد علي كرئيس للجمهورية؟

أيّد بعض المحسوبين على التيار الثوري ترشح رجل النظام السابق الفريق أحمد شفيق، كونه قادرًا على خوض معركة تكسير العظام وعقد التحالفات مع رجال الأعمال وأجهزة ومؤسسات الدولة، وأيّدوا أيضًا ترشح الفريق سامي عنان رئيس أركان القوات المسلحة السابق للأسباب نفسها: البحث عن أي بديل قادر على منافسة قوية للجنرال، وربما إزاحته، حتى وإن كان البديل جنرال آخر!

والحديث يطول في تلك النقطة أيضًا لما فيها من حسابات معقدة تحتمل الصواب والخطأ، ولكن الغريب هو اعتراض هؤلاء على ترشح خالد علي كون الانتخابات في نظرهم "مسرحية"، ولا يمكن لأحد إزاحة الجنرال من منصبه، وكون خالد علي لا يملك الشعبية الكافية لدخول الصراع وفرص منافسته شبه منعدمة، وتطرّف آخرون في الرأي بأنه لا يصلح أن يكون رئيسًا من الأساس، ولا يتجاوز كونه معارضًا يؤدي دوره بامتياز.

لدي مشكلة حقيقة في تصنيف السياسيين أو المعارضين كأشخاص يصلحون لمنصب الرئاسة وأشخاص لا يصلحون، أو التطرق لإشكالية الطموح الشخصي للمعارضين، فما المانع من الوقوف مع أحد الأشخاص من جانبنا لتحقيق طموحه السياسي في مقابل محاولة تصحيح المسار.

ميزة خالد علي أنه يمتلك شجاعة ووضوح لا يملكها غيره، شجاعة في مواجهة النظام بانتهاكاته وجرائمه دون التفاف على المصطلحات، وشجاعة في الدفاع عن معتقلين الرأي، وشجاعة في الحديث عن تاريخه وماضيه، وشجاعة في وضع نقاط خلافية كقرارات فورية تُنفذ فور نجاحه؛ أبرزها الإفراج عن سجناء الرأي والمحبوسين بفعل قانون التظاهر.

ميزة خالد علي شجاعته في مواجهة النظام وانتهاكاته وجرائمه، ووضوحه فيما يخص مواقفه بل وتاريخه الشخصي 

ميزته أيضًا أنه مازال رمزًا سياسيًا لم يُحرق لدى قطاع كبير من الشباب، وليس كباقي السياسيين. وتلك المزايا قد تكون نفسها العيوب حيث تشكلت صورة ذهنية أن خالد علي يصلح للمعارضة فقط ولا يصلح للقيادة، وتلك المزايا تجعلني أسعى بجدية لنجاحه في جمع التوكيلات المطلوبة لضمان الترشح، وتجعلني أدعمه بقوة ليس من أجل أن ينجح هذه المرة ولكن لربما ينجح أو غيره في مرات تالية، ولربما ينجح في الضغط على النظام لتنفيذ بعض المطالب أو ينجح في صنع ثقب في جدار القمع المصمت.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا لا أدعم ترشح خالد علي وأجده مثيرًا للسخرية؟

خالد علي من أجل إرباك النظام لا إسقاطه