هل يستمر فيلم الرعب؟

هل يستمر فيلم الرعب؟

الهوية الشابة العربية الجديدة تهدد وتسب وتحطم كل مكونات الطبقة القديمة (أ.ف.ب)

قبل "الثورة" أو "الربيع" أو "المؤامرة"، أولها كما تحب، كانت مقولة "اسعَ يا عبد وانا أسعى معك" تبدو وكأنها تنطبق على معظم أنحاء العالم إلى حدّ ما، إلا جمهورية الفردوس الأبدي العربية، أو عالم هاديس السفلي.

كل مجال أصبح محصورًا في قوالب محنطة لها فرعون متخصص يشرف عليها

أوله كما تحب، هنا كنت تقعد تلف وتدور حول نفسك حتى الجنون واللامبالاة والطفولة المتأخرة دون أي أمل في مردود إيجابي من المجتمع ينضج ملامح التجربة العامة، بالعكس كنت كلما سعيت أكثر كلما أصبح وجودك مصدر تهديد وحقد وعزلة من أقرانك أكثر فتدفن في الظلال لسنين. كانت هناك في كل قطاعات المجتمع طبقة قديمة ثقيلة من العفن والفساد والتسلط والتأله والخرف الذهني/الأخلاقي تغطي على كل تفاعلات المجتمع الحيوية، بحجة الاستقرار والأمن والإنتاج والحفاظ على تقاليد المجتمع. كانت أسطورة العجائز الذين يمتصون أرواح الشباب لكي يحافظوا على شبابهم الأبدي تنطبق على جيلنا بكل رعبها.

ليس رئيس الجمهورية وحده هنا هو الذي يتربع دون منازع على عرشه مدى العمر، بل أيضًا المثقف والمدرب والاقتصادي والمصرفي والأب والمحلل السياسي والزوج والشيخ والمدير إلخ. عندنا، على سبيل المثال، شعراء وممثلون وخبراء يغردون لكل ثورة، حتى بعد زوال عدة أنظمة متلاحقة متضاربة، ظلوا يشعرون ويمثلون ويحللون إلى أن يخرسهم تراب المدفن، صوتهم المتكرر يشعرك بالوحشة كتلك الأنغام المريبة التي تبعث من إسطوانة مشروخة بعد فناء المجتمع في أفلام الرعب، والشباب فقط عليهم أن يكونوا كورال يغني كلماتهم الخالدة. فهم الأعيان الأفلاطونية الثابتة أبدًا في العلالي، وكل ما سواهم مجرد نسخة شبيهة غير مكتملة. منظومة القمع التراتبي هذه تبدأ من الأسرة، وتمتد الى المدرسة والجامعة والجامع، ثم إلى العمل، ثم الحكومة على قمة الهرم السلطوي. يشعر الشاب بعد الخضوع لكل تسلسلات السلطات الأسرية والمهنية والروحية والسياسية هذه، وكأنه مولود ليس له مكان في مجتمعه فكل مجال أصبح محصورًا في قوالب محنطة لها فرعون متخصص يشرف عليها. 

ما عدا المهن التقليدية كالطب والهندسة والجيش والشرطة والتجارة.. إلخ، فكل نزعة أو موهبة أخرى يقال عنها "عامل نفسه"، "عامل نفسه شاعر.. عامل نفسه مثقف.. عامل نفسه مصلح اجتماعي.. عامل نفسه ثوري...عامل نفسه فنان... عامل نفسه ناقد.. عاملة نفسها نسوية..". طبعًا إلى أن تصبح مشهورًا فعلًا وقتها فقط يمكن أن تنضم إلى كوكبة الأعيان الثابتة الحقيقية ويفضل أن تكون فوق 60 عامًا.

أو المقولة الأخرى الذي يرددها الجيل القديم باستمرار "ليس مهم ما تفعل، المهم أن تكون ناجحًا". ناجح بمعنى الشهرة والمال طبعًا. لكن هناك عملية طويلة ومعقدة يجب أن تتم في مناخ حر لكي تصل لتلك المرتبة، أين هي تلك العملية من حسابات مقولة "كن ناجحًا" الجاهزة. أو كما وصف مبارك الحراك الاجتماعي في مصر في 2006،"خليهم يتسلوا "، أو "الشباب المغرّر بهم" كما وصف السادات انتفاضة 77، أو "عيال الفيس بوك" في 2011 وثوراتها العربية.

إذا أردت أن تنظر إلى مكان دفنت فيه أحلام أجيال، فانظر إلى تلك البقعة الحزينة المسماة بالعالم العربي

"هاتولي راجل"، "المخنثين"، "ضاربي الكولة"، "مندسين"، "إرهابيين"، "مشاغبين"، "المؤامرة الكونية على محور المقاومة"، "النشتاء وحكوك الإنسان"، "عاوزين دكر"، "ايه الي وداها هناك"، "مخدرات وعلاقات جنسية كاملة"... وغيرها من التوصيفات التى أطلقت على حراك الشباب وتجمعاتهم. أو حين رفض الجيش المصري لبس الأسود عند بعض الشباب بدعوة أنه لا يتماشى مع تقاليد مجتمعاتنا! أو كشوف العذرية في ميدان التحرير!

لا أدري هل هذه النزعة العدمية الساخرة من كل جديد نتاج عدم التقاعد حين يحل الخرف؟ أو نتاج قرون من الدكتاتورية السماوية/ العسكرية/ الأسرية؟ أو نتاج الذهنية السلفية؟ أم من تجربة الانهزام المتكرر المتلاحق الذي أحبط أحلام ومثل الصبا النبيلة؟ أم أنها نظرة تشاؤمية كالبوذية ترى أن كل المساعي والأحلام في هذه الدنيا مجرد وهم لا طائل منه سوى الألم وخيبة الأمل؟ لا أدري ولكن إذا أردت أن تنظر إلى مكان دفنت فيه أحلام وطاقات وثورات أجيال قبل أن تنمو وتزدهر فانظر إلى تلك البقعة الحزينة الراكدة من العالم المسماة بالعالم العربي

يفكر الشباب أن أول طريقة من أجل الإنعتاق من هذا الرق هو الإستقلال المادي عن الأهل عن طريق العمل. النساء يجب أن تستقل ماديًا ليس فقط عن الأهل بل والزوج أيضًا. ولكن العمل مجال رق آخر إن كان فقط من أجل الإستقلال المادي وليس التحقق الذاتي المعنوي، لذلك إنخراط المجتمعات الشابة في السياسة كان أمرًا محوريًّا من أجل محاولة تغيير النظام الإقتصادي والسياسي برمته كما حدث أثناء الثورات العربية .

سيساهم  نشاط مواقع التواصل الإجتماعي الجاري الآن كمنبر حر وحيد متبق في تحويل الخواطر والتجارب الخاصة الي الحيز العام وبذلك الفيض الكمي سيتم أثراء وتعميق الوعي العربي من أجل التغيير الثقافي والسياسي، لقد أصبح الفضاء الافتراضي الآن بديلا عن وسائل الإعلام الرسمية والخاصة التقليدية. فلا يمكن بعد أن انفتح الشباب على تلك المنافذ للمجتمع أن يتراجع مرة أخرى الى قوقعته وعالمه الخاص. كما هو معروف التحولات المعرفية والوجودية من هذا نوع سوف تأخذ وقتًا لكي تتضح رؤيا مجتمعية شاملة من أسفل يمكن أن تحل مكان سلطة الثقافة البالية القائمة الآن.
 
هناك خوف الآن من استمرار تلك الأيام السوداء القديمة، خصوصًا وهي تحاول أن تعود بكل قوة مع عودة النظام القديم بتجلياته الفلولية العسكرية في تونس ومصر، وبتجلياته الدينية في سوريا وليبيا، وهو خوف الوعي به مهم لمجابهته، ولو أن رجوعه كما كان صعب جدا الآن بعدما أيقظتنا إرادة الصحوة الجماعية الصادقة العفوية البريئة في 2011 على جميع أمراضنا التي نعاني منها كالفساد العقلي/ الأخلاقي/ المادي، وأمراض الديكتاتورية السماوية /العسكرية/ الأسرية/الذكورية، والفقر والجهل وانعدام العدالة الاجتماعية، فلقد أصبح الفعل المبالي عاقبة في المجتمع على مدار أحداث السنوات الثلاث الماضية.

تحلّلت المواد الحافظة غير المرئية لمجتمعنا المحافظ، فشممنا رائحة أنفسنا

أصبح الكل يهاب الرأي العام من أجل أن لا يحشد موجة ثورية أخرى، تحلّلت أخيرًا المواد الحافظة غير المرئية لمجتمعنا المحافظ، فشممنا رائحة أنفسنا غير الجميلة كهتافنا الجميل بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية، حين خرجنا الى الشوارع  في2011.

سقط الهرم. سقط الأب والأم والشيخ والجنرال والمثقف والنصوص المقدسة. سقطت وحمضت هذه النخبة الأبدية بكهنوتها وإعلامها وأعلامها وعسسها. تشققت كل تشابكات الهوية القديمة المصطنعة بالقهر والظلم والزيف والتجهيل والغزو والسبي والاستعمار والعبودية، لتكشف عن خبايا أكثر عمقًا وإرهابًا وفوضى وبهجة وشفافية وتحررًا، الانفجار الكبير لهويتنا الجديدة قادم لا محالة في الوعي أولًا، ثم في الشوارع لاحقًا، مهما حاول الحرس القديم أن يخفي هذا اليوم عنا.

هناك ملمح واحد ظاهر لهذه الهوية الشابة العربية الجديدة، هو أنها تهدد وتسب وتحطم كل مكونات الطبقة القديمة العفنة بكل بهجة وشجاعة وقهقهة. إنها علمانية مدنية أخلاقية تعددية خفيفة فاتنة جذابة خطرة وحرة جدًا، حتى بالرغم من أنه لم يسمح لها أن تكشف إلا عن جزء قليل حتى الآن من قبل السلطة الدينية/الأسرية /العسكرية.