هل يحول مضيق هرمز العالم إلى منظومة "البترويوان" بدلًا من "البترودولار"؟
20 ابريل 2026
لكل زمان دولة ورجال، ولكل شيءٍ إذا ما تم نقصان، والظلم منذر بخراب العمران، ومن سرَّه زمن ساءته أزمان، لطالما تغنت الأمثال الشعبية وأبيات الشعر العربي بتلك الفكرة، حتمية زوال القوة، وهي نفس الفكرة التي كتب عنها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة عندما قال إن الدول تمر بخمسة أطوار تشبه حياة الإنسان، النشأة، ثم مرحلة المجد والشباب، ثم الاستقرار والرفاهية، ثم الجمود، ثم الهرم الذي يسبق الموت، كل نظام سياسي مهما بلغت قوته وسطوته سيسقط حتمًا، ولكن لماذا الحتمية؟
بحسب ما ذكره الفيلسوف الألماني هيجل في منهجه الجدلي (الديالكتيك)، فإن كل نظام مهيمن، أو كل أطروحة (Thesis) كما سماها، سيحمل تناقضاته الداخلية طبيعيًا مع الوقت وتضارب المصالح، وبسبب تلك التناقضات سيضطر إلى الإفراط في ممارسة القوة للحفاظ على نظامه دون مساس، ولأن كل شيء يزيد عن حده ينقلب إلى ضده، سيؤدي التطرف إلى ولادة نظام مضاد، أو نقيض للأطروحة، ليصطدم بالأطروحة القديمة ويحاول تفكيكها، ويبدأ الصراع بينهما طويلًا حتى نصل إلى واقع جديد، التوليفة (Synthesis)، يستوعب العناصر من الفكرتين ولكنه يتجاوزهما نحو شكل أكثر تعقيدًا وتطورًا.
تقدم بكين نموذجًا مغريًا، أقل تكلفة على المستوى السياسي، وأكثر عقلانية من طور أميركيا الوحشي والدموي، لتبدأ بعدها دورة تاريخية جديدة، ونظام عالمي جديد
أي أن كل أطروحة تحمل بداخلها بذور سقوطها وتحولها إلى أطروحة جديدة، قد تكون متعارضة معها، أو تتخذ منها سلمًا للتطور فقط، ولا يظهر هذا النقيض كقوة غريبة تهبط من الخارج، بل ينبثق بشكل طبيعي وحتمي من داخل الأطروحة القديمة، كتجلٍ واضح لتناقضاتها وعنفها الزائد الناتج عن شعورها بالسلطة المطلقة، ولذلك عند إسقاط هذه الفلسفة على النظام السياسي والاقتصادي العالمي الحالي باعتباره أطروحة، تحديدًا النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، تتكشف صورة جديدة تمامًا.
الأطروحة
تعود أطروحة الاقتصاد العالمي الحالي إلى عام 1971، تحديدًا إلى لحظة الانهيار الدرامي لنظام "بريتون وودز"، فما هو هذا النظام؟
هو مؤتمر دولي عُقد عام 1944 في الولايات المتحدة، وأرسى قواعد النظام المالي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أدى إلى ربط عملات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالدولار الأميركي، وربط الدولار بالذهب، مما جعل العملة الخضراء هي الاحتياطي العالمي الرسمي، ووضع مفاتيح الخزينة حصرًا في يد أميركا.
ولكن كل ذلك انهار عندما واجهت الولايات المتحدة أزمة تضخم غير مسبوقة، وتعرض احتياطي الذهب لديها لخطر الاستنزاف المستمر بسبب مطالبة الدول باستبدال ما تملكه من دولارات بالذهب، هذا الخطر الوجودي دفع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون لاتخاذ قرار أحادي بفك ارتباط الدولار بالذهب، وعندما بدأ الدولار في فقد قيمته، أدركت النخبة في واشنطن أن العملة الخضراء تحتاج إلى غطاء جديد، ليس من الذهب هذه المرة، بل من السلعة الأكثر حيوية واستراتيجية في العالم، النفط.
وفي عام 1974، تبلورت الأطروحة بشكلها النهائي من خلال مفاوضات دبلوماسية مكثفة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، أثمرت في النهاية عن تفاهم تاريخي ضم منظمة أوبك، والدول المصدرة للنفط، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي الحالي، وبعض الشركات الأجنبية المسيطرة على النفط في الشرق الأوسط، نص على تسعير وبيع النفط بالدولار الأميركي حصرًا مقابل ضمانات أمنية وعسكرية أميركية.
وقد أدت هذه المعادلة إلى شيئين، أولًا: زيادة الطلب على الدولار بشكل هائل ومستمر مما أدى إلى تثبيت سعره وسيطرته على السوق العالمي، وثانيًا وجود فوائض مالية كبيرة لدى الدول المنتجة للنفط خاصة بعد ارتفاع سعره عام 1974، مما دفع تلك الدول إلى إعادة تدوير فوائضها المالية الكبيرة عبر سندات الخزانة الأميركية والسوق الغربية نظرًا لمحدودية اقتصادها، وبذلك أصبحت الهيمنة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط امتدادًا وظيفيًا وطبيعيًا لحماية تفرد الدولار بالنظام الاقتصادي العالمي، أو منظومة البترودولار، بحسب المصطلح الذي صاغه الاقتصادي إبراهيم عويس في عام 1973.
وقد وفرت آلية إعادة التدوير هذه طوق نجاة للاقتصاد الأميركي، وأتاحت للحكومة الأميركية الإنفاق بسخاء على بناء آلة عسكرية قادرة على بسط النفوذ الأميركي على العالم أجمع، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط المنتجة للنفط، ووفقًا لرجل الأعمال الأميركي، روبرت كيوساكي، فإن الوجود العسكري الأميركي في دول مثل العراق أو فنزويلا لا يتعلق بشكل مباشر بالاستيلاء على النفط، بل بالدفاع المستميت عن منظومة البترودولار، ولضمان عدم تسعير النفط بأي عملة أخرى كاليورو أو اليوان الصيني.
نقيض الأطروحة
وفقًا لهيغل، تولد التناقضات من إفراط النظام في استخدام أدواته، وقد برز التناقض الجوهري لنظام الدولار عندما تخلت واشنطن عن الحياد المالي وبدأت في سياسة تسليح الدولار لخنق خصومها السياسيين.
ببساطة أكبر؛ لكي تحتفظ دولة ما بثرواتها في بنوك دولة أخرى، وتتاجر بعملة دولة أخرى، يجب أن تثق بأن هذه الدولة لن تستخدم تلك الأصول كوسيلة للابتزاز، مهما بلغت الخلافات السياسية، ولذلك بمجرد أن بدأت الولايات المتحدة في استغلال احتكارها لحركة الأموال في العالم كوسيلة للضغط على الدول المعادية لسياستها التوسعية والاستعمارية، بدأت بذور نقيض الأطروحة في الترعرع والنمو.
خاصة بعدما تحولت الإدارات الأميركية بشكل متزايد نحو تسليح الدولار (Weaponization of the Dollar)، مستبدلة العقوبات التجارية التقليدية بعقوبات مالية شاملة تهدف إلى تجميد الأصول وحظر الكيانات والدول من استخدام نظام SWIFT لنقل الأموال، ثم طبقت هذا السلاح بصرامة ضد دول مثل العراق وسوريا وروسيا وإيران، وكوبا، وفنزويلا، وأفغانستان، وكوريا الشمالية، والعديد من الدول الأخرى.
ثم وصل هذا السلاح إلى ذروته عام 2022، في أوج اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية، حيث جمدت الولايات المتحدة نحو 300 مليار دولار من الأصول السيادية الروسية في البنوك، وطردت البنوك الروسية من نظام SWIFT، في رسالة واضحة للعالم بأسره، مفادها أن الدولار تحول رسميًا إلى أداة للقمع، فإذا كانت الأصول السيادية لدولة نووية كبرى كروسيا ليست آمنة، فما هو الضمان بأن احتياطيات السعودية، أو البرازيل، أو الهند لن تتعرض للمصير ذاته إذا اختلفت سياساتها مع واشنطن؟
وقد مثل هذا الإجراء نقطة اللاعودة، إذ حول القوة المطلقة لدى النظام العالمي الجديد، وراعيته الوحيدة، إلى استبداد أعمى يقضي على شرعية الأطروحة نفسها، وهنا لابد من انفجار النقيض في وجه النظام.
كل هذا يعني أن الضغط الأميركي هو من أجبر الدول المنبوذة من النظام العالمي الأميركي الهوى، والقوى الصاعدة حديثًا على خلق مسارات بديلة وأكثر أمانًا، وجمعهم في تكتل واحد لإنشاء نقيض الأطروحة، وقد تجلى ذلك في توسع مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي لتشمل كبار منتجي الطاقة مثل إيران، والإمارات، والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى مصر وروسيا والبرازيل والهند والصين.
وفي قلب هذا التكتل، طرحت الصين استراتيجية البترويوان لفك الارتباط بالدولار، لكن هذا التحول لم يكن ممكنًا من دون بنية تحتية موازية تفكك احتكار نظام SWIFT أيضًا، وذلك عن طريق آليتين متوازيتين:
نظام (CIPS): نظام المقايضة الصيني الذي يتيح تسوية المعاملات المالية باليوان بعيدًا عن الرقابة الأميركية.
مشروع (mBridge): منصة لا مركزية تعتمد على العملات الرقمية، وتلغي حاجة المراسلة الأميركية، مما يتيح تسوية فورية وآمنة بين البنوك، وذلك بمشاركة الصين، والإمارات، والسعودية.
إذن أصبح العالم اليوم أمام لاعبين متناقضين، ولابد من حدوث صراع بينهما لتسريع عملية الإحلال والتجديد، وهذا الصراع تجسد في الحرب الإيرانية الأميركية.
الصراع
لعبت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران دور المحفز الذي كسر منظومة البترودولار، إذ ردت إيران على التصعيد بإغلاق مضيق هرمز، مما تسبب في قفزة بأسعار النفط وتضخم عالمي حاد أربك الاقتصاد الأميركي وحلفائه، لكن الضربة الأعمق جاءت عندما اشترطت إيران دفع رسوم عبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز باليوان الصيني حصرًا، مما خلق أول ممر فعلي لمنظومة البترويوان وبقوة الجغرافيا.
في الوقت ذاته، استفادت الصين وروسيا من تورط واشنطن في هذا المستنقع المكلف لتسريع التبادل التجاري عبر أنظمتها المستقلة وخارج مظلة الدولار، مما كشف عن تآكل مظلة الحماية الأميركية المعتادة، ولكن في نفس الوقت، فقد حاول النظام المهيمن الدفاع عن أطروحته عبر مسارين، الأول عسكري، عبر إغلاق مضيق هرمز أمام الناقلات الإيرانية، وهي مفارقة عبثية أن تهدد بإغلاق ما هو مغلق ومحاصر بالفعل.
والثاني اقتصادي، عبر تهديد دونالد ترامب الدائم بفرض تعريفات جمركية تصل إلى 100% على دول البريكس إذا مضت في إصدار عملتها البديلة، إلا أن هذه التهديدات لم تعالج الأزمة، بل دفعت التحالف الشرقي إلى تعزيز التواصل فيما بينهم، فبالنسبة للصين، والتي تستورد أكثر من 13% من احتياجاتها النفطية من إيران، وروسيا، المضغوطة في أوكرانيا، هذه هي الفرصة المناسبة لضرب منظومة الدولار.
هذا الصدام الحتمي لن ينتهي بانتصار ساحق لطرف على آخر، بل سيؤدي إلى توليفة جديدة بكل تأكيد، وهذه التوليفة لا تعني الاختفاء الفوري للدولار أو انهيار أميركا في ليلة وضحاها، بل تعني نفي احتكارها وهيمنتها المطلقة على حركة المال والأعمال، مع العروج نحو نظام مالي متعدد الأقطاب، خاصة بعدما أدركت دول المنطقة عبثية الاعتماد المطلق على واشنطن.
وفي المقابل، تقدم بكين نموذجًا مغريًا، أقل تكلفة على المستوى السياسي، وأكثر عقلانية من طور أميركيا الوحشي والدموي، لتبدأ بعدها دورة تاريخية جديدة، ونظام عالمي جديد، سيحمل هو الآخر، بالضرورة، بذور فنائه ونهايته، فلكل زمان دولة ورجال، ولكل شيءٍ إذا ما تم نقصان.