هل يحمل الأطباء لواء الثورة؟

هل يحمل الأطباء لواء الثورة؟

من مشاهد حشود الأطباء أثناء لقاء جمعيتهم العمومية (Getty)

وسط حضور غير مسبوق، عقدت نقابة أطباء مصر، الجمعة، جمعية عمومية غير عادية للرد على الانتهاكات التي مارسها أفراد من جهاز الشرطة ضد عدد من الأطباء في مستشفى المطرية التعليمي.

انعقاد جمعية الأطباء العمومية يأتي في ظروف غاية في الصعوبة؛ حيث تشن عدد من الجهات والأفراد، المحسوبين على النظام الحاكم، حملة إعلامية ضد نقابة الأطباء وأعضاء مجلسها، كما تمارس ضغوط سياسية مباشرة وغير مباشرة على مجلس النقابة لإثنائه عن المضي قدمًا في خيار التصعيد والإضراب. لكن المشهد أمام دار الحكمة (مقر النقابة)، أكد على دعم الأطباء الكامل لمجلس النقابة وقراراته، وأكد أن خيار الصمت ليس مطروحًا على مائدة مناقشات الأطباء.

 رمزية المشهد الذي أخرجه اﻷطباء، من تجمع وهتافات وﻻفتات، تحمل رسالة إلى النظام الحاكم؛ هناك غضب قائم ويتنامى

المشهد المهيب

بدأ المشهد في دار الحكمة، في العاشرة من صباح الجمعة، حيث استقبل أعضاء مجلس النقابة العامة للأطباء، جمع غفير من أعضاء النقابات المهنية والعمالية والشخصيات العامة والحزبية ونواب بالبرلمان، الذين جاءوا جميعًا للتضامن مع النقابة والأطباء ضد الاعتداء على الأطقم الطبية أثناء تأدية عملها.

ويزداد المشهد إثارة مع انتهاء صلاة الجمعة، وبدء توافد آﻻف الأطباء على مقر النقابة، للمشاركة في الجمعية العمومية -التي كان يكفي لعقدها حضور ألف طبيب فقط-، لكن جزء كبير من هذه الأعداد لم تجد موضع قدم لها في داخل مقر النقابة، فاضطر بعض الأطباء إلى اعتلاء سطح مقر نقابتهم، وامتلأ شارع القصر العيني بالجموع الغاضبة.

"الداخلية بلطجية" هتاف ردده الأطباء الغاضبون، أمام مقر نقابتهم، لكن رمزية هذا الهتاف -الذي يعد أيقونة هتافات ثورة 25 يناير 2011 والموجات الثورية التي تلتها-، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة التي امتلأ بها شارع القصر العيني والشوارع المحيطة، وكذلك اللافتات التي حملها الأطباء، أثارت -بما أعادته إلى الأذهان من ذكريات الثورة التي خرجت في يوم عيد الشرطة ضد انتهاكاتها- موجة كبيرة من التعاطف والتضامن مع الأطباء، على مواقع التواصل الاجتماعي، التي دشن عدد من نشطائها هاشتاج #ادعم_نقابة_الأطباء للتعبير عن تضامنهم.

قرارات حاسمة

رسالة قوية وواضحة حملتها القرارات التي أصدرتها الجمعية العمومية غير العادية لنقابة اﻷطباء؛ لن نتراجع. ومن أبرز القرارات:

- الموافقة بالإجماع على حق الأطباء فى الامتناع الاضطراري عن العمل فى حالة الاعتداء عليهم أو على المنشأة الطبية، ويستمر الامتناع لحين تأمين المنشأة الطبية بشكل فعال، وإحالة أي متعسف ضد الأطباء للتحقيق بلجنة آداب المهنة بالنقابة.

- الموافقة باﻹجماع على دعم ومساندة مجلس النقابة وأطباء مستشفى المطرية التعليمي في مواجهة أي إجراءات ضغط أو تعسف أو انتقام، وإحالة أي متعسف إلى لجنة آداب المهنة بالنقابة مع التوصية بعقوبة مشددة .

- الموافقة باﻹجماع على مطالبة جهات التحقيق بسرعة إحالة أمناء الشرطة المعتدين على اﻷطباء للمحاكمة الجنائية العاجلة، وتكليف مجلس النقابة بالمتابعة.

- الموافقة باﻹجماع على مطالبة رئيس الوزراء بإصدار قرار بإلزام المنشآت الطبية العامة والجامعية وجهاز الشرطة، بأن يتم محضر الإبلاغ عن أي اعتداء على منشأة طبية أو العاملين بها بواسطة إدارة المستشفى باعتباره اعتداء على منشأة حكومية وعلى موظف عام أثناء تأدية عمله، وعلى أقسام الشرطة قبول البلاغ وعمل المحضر بداخل المنشأة الطبية نفسها.

- الموافقة باﻹجماع على إلزام أي مدير منشأة طبية بالإبلاغ عن حالات الاعتداء عن طريق الإدارة، وإلا يتم إحالته للجنة آداب المهنة.

- الموافقة باﻹجماع على المطالبة بتفعيل التأمين الحقيقي لجميع المنشآت الطبية بالأعداد الكافية التي تتناسب مع حجم العمل بالمنشأة الطبية.

- الموافقة باﻹجماع على مطالبة مجلس النواب بسرعة إصدار تشريع يجرم ويشدد العقوبة على أي حالات اعتداء على المنشآت الطبية أو العاملين بها، مع اعتبارها جريمة جنائية.

- الموافقة باﻹجماع على تنظيم وقفات احتجاجية بجميع مستشفيات الجمهورية يوم السبت الموافق 20 شباط/فبراير 2016.

- امتناع الأطباء بالمستشفيات العامة والمركزية والمراكز والوحدات الصحية، والمستشفيات التابعة لهيئة التأمين الصحي والمؤسسة العلاجية وهيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية والمراكز الطبية المتخصصة، عن تقديم أي خدمة طبية أو فحوصات أو عمليات مقابل أجر، على أن يتم تقديم جميع الخدمات والفحوصات الطبية لجميع المواطنين مجانًا دون تحصيل أي رسوم تحت أي مسمى، ويتم تقديم جميع الخدمات بموجب تذكرة الاستقبال المجانية، ومطالبة وزير الصحة وجميع مديري اﻹدارات والمستشفيات بصرف الأدوية المطلوبة بتذكرة الاستقبال المجانية، وتكليف مجلس النقابة بوضع بروتوكول لذلك، على أن يبدأ التنفيذ اعتبارًا من يوم السبت الموافق 27 شباط/فبراير 2016 . 

- مطالبة جميع الأطباء بإغلاق العيادات الخاصة يوم السبت 19 آذار/مارس 2016 (بعد يوم الطبيب مباشرة)، أو جعل هذا اليوم للكشف المجاني على المواطنين.

- طرح فكرة الاستقالات الجماعية المسببة على الجمعية العمومية العادية بتاريخ 25 آذار/مارس 2016، إذا لم يتم الاستجابة للمطالب المذكورة سابقًا.

- تكليف مجلس النقابة بإدارة الأزمة ومتابعة تحقيق المطالب، وتفويضه باتخاذ القرارات اللازمة طبقًا لتطور الأحداث.

- مطالبة جميع الجهات المختصة بوضع كاميرات مراقبة بجميع أقسام الطوارىء وجميع الممرات بجميع المستشفيات.

- منع دخول أي فرد مسلح إلى أي منشأة طبية باستثناء قوات تأمين المنشأة.

- الموافقة بالإجماع على المطالبة بإقالة وزير الصحة وتحويله للتحقيق بلجنة آداب المهنة بالنقابة، نظرًا لعدم اتخاذه إجراءات حقيقية لحماية الأطباء أثناء تأدية عملهم، ونظرًا لاقتراحه إصدار القرار الخاص بإنشاء هيئة التدريب الإلزامي للأطباء، دون عرضه على مجلس نقابة الأطباء.

هل يحمل اﻷطباء لواء الثورة؟

على الرغم من الطبيعة الفئوية التي تتسم بها احتجاجات اﻷطباء، ومن محاولة النقابة التأكيد على عدالة قضيتهم وأنهم ﻻ يمثلون جزءًا من الصراع السياسي القائم، إﻻ أنه ﻻ يمكن التغافل عن أن الطرف الذي تواجهه النقابة وهو جهاز الشرطة. وﻻ يمكن، أيضَا، التغافل عن أن هذا الطرف هو بعينه أحد اﻷطراف الرئيسيين الذين تختصمهم ثورة يناير، التي قامت أصلًا في يوم عيد الشرطة.

ﻻ يمكن تحميل مشهد احتجاجات اﻷطباء أكثر مما يحتمل، فالمشهد وإن كان ثوري الشكل والمطلب، إﻻ أنه في جوهره يظل فئويًا، وﻻ يمكن انتظار أكثر من ذلك منه

كما أن رمزية المشهد الذي أخرجه اﻷطباء، من تجمع وهتافات وﻻفتات، تحمل -مثلها مثل تجمعات أولتراس أهلاوي ووايت نايتس في اﻵونة اﻷخيرة- رسالة إلى النظام الحاكم؛ هناك غضب قائم ويتنامى. وبغض النظر عن التقاط النظام لهذه الرسالة أو طريقة تعامله معها، إﻻ أنها تظل الرسالة اﻷكثر تعبيرًا عن حالة الغضب المتنامية، والتي ﻻ يمكن التعبير عنها بمظاهرات سياسية بسبب طبيعة النظام القائم.

لكن، أيضًا، ﻻ يمكن تحميل مشهد احتجاجات اﻷطباء أكثر مما يحتمل، فالمشهد وإن كان ثوري الشكل ويحمل -بشكل مصغر وضمني- مطلبًا من مطالب ثورة يناير؛ أﻻ وهو وقف انتهاكات الشرطة، إﻻ أنه في جوهره يظل فئويًا، وﻻ يمكن انتظار منه أكثر مما يفعله.

وهنا تحضر تجربة عمال شركة مصر للغزل والنسيج الذين نظموا مجموعة من الإضرابات الناجحة منذ عام 2006، والتي توجت بالإضراب الذي اندلع في 6 نيسان/أبريل 2008. إﻻ أن المطالب اﻻقتصادية المحضة لهذه اﻻحتجاجات الفئوية، عُبِر عنها بشكل أكبر وأعمق في جزء من شعار ثورة يناير اﻷساسي "عيش، عدالة اجتماعية".

وكما كانت احتجاجات عمال شركة مصر للغزل والنسيج، جزءًا في مسيرة نضالية طويلة نحو ثورة يناير، فإننا نستطيع القول أن احتجاجات اﻷطباء جزءًا صغيرًا -لكن مهمًا- في مسيرة طويلة ﻹحداث تغيير أعمق وأوسع انتشارًا.

اقرأ/ي أيضًا: 

مصر..معارك الاستعراض والاستعراض المضاد

عن مجانية التعليم في مصر والعوالم الموازية